العنوان «أسرلة» البيت الأبيض.. وجذور لوبي الحرب على العراق
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر السبت 15-مارس-2003
مشاهدات 63
نشر في العدد 1542
نشر في الصفحة 16
السبت 15-مارس-2003
يرى مسؤولون أمريكيون وخبراء في شؤون العلاقات الأمريكية - الصهيونية أن الصراع العربي - الصهيوني وخاصة في شقه الفلسطيني الذي فتح أكثر الانقسامات حدة في واشنطن حول معالجة الرئيس الأمريكي جورج بوش الصراع، قد انتهى كما يبدو إلى تماثل في الموقف والرؤية بين بوش وصقور حكومته الموالين للكيان الصهيوني وبين شارون الذي تفاخر مرارًا بـ «الصداقة العميقة» التي أقامها مع حكومة بوش والتي وصفها بأنها «تقارب خاص»، حيث شكر بوش لتفهمه لما يسميه «الاحتياجات الأمنية لإسرائيل ولتقديمة المهلة المطلوبة في حربنا المستمرة على الإرهاب.
كما امتدح شارون اقتراحات بوش الأخيرة للتوصل إلى اتفاقية سلام فلسطينية - صهيونية وهي خطة قال شارون إنه اتفق هو وبوش عليها معًا.
هناك «المحافظون الجدد»، في حكومة بوش وخارجها، و«المحافظون المسيحيون» المنضوون في التحالف المسيحي المحافظ والذين يشكلون نحو ربع القاعدة الانتخابية لبوش، وبعض الصقور في الحزب الديمقراطي، الذين يريدون من بوش دعم شارون.
مقابل هؤلاء هناك من يريد في واشنطن داخل الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة
الانخراط في سياسة خارجية تقوم على كبح شارون والضغط على الكيان الصهيوني
بصورة أقوى لعقد مؤتمر سلام مع الدول العربية.
وقال توماس نيومان المدير التنفيذي للمعهد اليهودي للأمن القومي «جينزا» الذي يشجع التعاون مع الكيان الصهيوني: إن هذه أفضل حكومة بالنسبة لإسرائيل منذ هاري ترومان..... «الرئيس الأمريكي الذي اعترف بالكيان الصهيوني عام ١٩٤٨».
ويرى العديد من الخبراء في واشنطن أن الجانب المسيطر في رسم سياسة البيت الأبيض الخارجية تنحصر بشكل أساسي في نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد وهذا يتم على حساب الدور الذي يفترض أن يلعبه وزير الخارجية كولن باول الذي سرعان ما انضم إلى صف الصقور بعد أن وجد أن بوش الذي كان يبدو متناقضًا في الغالب قد حسم موقفه، تدفعه بذلك عواطفه مع المحافظين لتتم صياغة القرار في أروقة مراكز التفكير المحافظة في وزارة الدفاع «البنتاجون» ومكتب تشيني...
للمرة الأولى.. سياسات متماثلة
وهذه هي المرة الأولى التي تنتهج فيها حكومة أمريكية وحكومة من الليكود الصهيوني سياسات متماثلة تقريبًا. فالحكومات الأمريكية السابقة من جيمي كارتر حتى بيل كلينتون كانت تبقي الليكود وشارون بعيدين، حيث كانت تبتعد عن أساليب الليكود المتطرفة تقليديًّا تجاه الفلسطينيين. ولكن اليوم كما يقول نيومان فإن تل أبيب وواشنطن تشتركان في نظرة مشتركة حول الإرهاب والسلام مع الفلسطينيين والحرب على العراق ويعتبر نيومان أن هجمات ۱۱ سبتمبر وما تبعها جعلت هذا التغير ممكنًا.
انحياز حكومة بوش الكامل إلى شارون يبهج الكثيرين من أقوى مؤيديها وخاصة اليمين المسيحي المحافظ والجزء الأكبر من اليهود الأمريكيين، حيث يزعم زعماؤهم أن المقاومة الفلسطينية وخاصة العمليات الاستشهادية دفعت بوش إلى موقفه الجديد، كما أدت إلى تجميد الدبلوماسية في المنطقة.
وتاريخ الولايات المتحدة مع القضية الفلسطينية طويل ومر بمنعرجات عدة، فقد رأى كل رئيس أمريكي منذ ريتشارد نيكسون على الأقل الصراع العربي الصهيوني باعتباره المسألة الإستراتيجية المركزية في المنطقة. غير أن صموئيل بيرجر، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس كلينتون يقول إن حكومة بوش الحالية «ترى أن العراق هو التحدِّي المركزي، وفكت الارتباط بأي جهد جدي لمجابهة المشكلة العربية الإسرائيلية».
ويرى روبرت كيسر من صحيفة واشنطن بوست أن مرحلة التحول هذه جاءت في شهر يونيو من العام الماضي عندما تبنى بوش وجهة نظر شارون بشأن الفلسطينيين وإزاحة ياسر عرفات كشرط للدبلوماسية المستقبلية، فيما قال كينيث وينشتاين مدير معهد هدسون، وهو مركز أبحاث يميني مؤيد للكيان الصهيوني والليكود إن ذلك كان تحولًا واضحًا في السياسة وأن الخطاب الذي ألقاه بوش في يونيو ۲۰۰۲ كان نقطة تحول. وقد وافقه على ذلك رالف ريد رئيس الحزب الجمهوري في جورجيا والمدير السابق للتحالف المسيحي المحافظ ومنذ ذلك الحين والسياسة الأمريكية تسير على توافق مع خطوات شارون وقال المبعوث الأمريكي الخاص العملية التسوية أنطوني زيني إن «عملية السلام هامدة لقد أصبحت أشبه بنائم».
ويرى الخبراء أن الدبلوماسية الأمريكية فيما يتعلق بعملية التسوية قد تلاشت وتحولت إلى مجرد همس بعد أن طغى التهديد باحتلال العراق على كل ما عداه حيث يسود داخل حكومة بوش الاعتقاد بأن غزو العراق والإطاحة بنظام حكم صدام حسين سيعمل على إعادة رسم وصياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية. ووسط اشتداد الصراع وعمليات الانتفاضة وعمليات القتل والاغتيال الصهيونية فإن الدبلوماسيين الأمريكيين في تل أبيب والقدس يقومون في معظم وقتهم بالأعمال القنصلية الروتينية وإطفاء الحرائق الدبلوماسية وقال دبلوماسي غربي في وصفه لدور الدبلوماسية الأمريكية في فلسطين المحتلة إنها لم تعد تقوم حتى بالدور البسيط السابق المتعلق بالأمور الحياتية نسبيًّا للفلسطينيين كمساعدتهم في الحصول على تصريح العبور إسرائيل، أو وقف قوات الاحتلال الإسرائيلي عن تدمير أشجار بستان فلسطيني.
إليوت إبرامز
وقد اتجه بوش أكثر نحو التشدد عندما عين إليوت إبرامز، وهو من غلاة المحافظين الجدد الموالين للكيان الصهيوني مديرًا للشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض وقال مسؤول أمريكي كبير مستخدمًا مصطلحًا عبريًّا لمؤيدي حزب شارون في حكومة بوش «إن الليكود - نيكس «مؤيدو الليكود» هم الآن في السلطة ووافق نيومان على أن تعيين إبرامز كان مهمًا من الناحية الرمزية، ليس فقط لأن وجهات نظر إبرامز تشاركه فيها رئيسته كونداليزا رايس ونائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، بل لأن هؤلاء مجتمعين هم «صف قوي»، وكان إبرامز المدان في عام ۱۹۸۷ بتهمة حجب معلومات عن الكونجرس تتعلق بجهود حكومة الرئيس الأسبق رونالد ريجان لمساعدة القوات المعادية للحكومة في نيكاراجوا، فيما عرف وقتها بفضيحة «إيران كونترا» أو «إيران جيت» حيث كانت تباع الأسلحة سرًّا إلى إيران لتمويل متمردي الكونترا في نيكاراجوا وحصل في عام ١٩٩٠ على عفو من الرئيس الأسبق جورج بوش الأب، وفي ذلك الوقت ذكر العديد من المراقبين في واشنطن أن إبرامز لن يعود لعالم السياسة مرة أخرى. وكتب أبرامز في أكتوبر ۲۰۰۰ «إن القيادة الفلسطينية لا تريد سلامًا مع إسرائيل ولن يكون هناك سلام».
وذكر مسؤول أمريكي أن تعيين إبرامز خلق ضيقًا جادًّا في وزارة الخارجية الأمريكية. موضحا أن من المرجح أن يعرقل تعيينه جهود وزير الخارجية كولن باول للعمل مع الدول الأوروبية للضغط على الصهاينة والفلسطينيين لتبني جدول زمني مرحلي يؤدي إلى إنشاء دولة فلسطينية خلال ثلاث سنوات.
خارطة الطريق
والجدول الزمني المعروف باسم خارطة الطريق تعرض لانتقادات من جانب شارون أدت إلى تراجع حكومة بوش عنه بالرغم من أن شارون كان أقره من حيث المبدأ في شهر ديسمبر من العام الماضي. ورحب مؤيدو الكيان الصهيوني في الكونجرس الذين انتقدوا خارطة الطريق بتعيين إبرامز.
وقال العضو الديمقراطي اليهودي في مجلس الشيوخ عن ولاية نيويورك تشارلز شومر الذي درس في جامعة هارفارد مع إبرامز في الستينيات: «يوجد فريقان للسياسة الخارجية في هذه الحكومة حول العديد من القضايا. ومن الواضح أن إليوت أتى من الجناح المتشدد. ولكن هنا تكمن ميول بوش».
غير أن إبرامز فقط لم يعد - وإن كان في منصب لا يتطلب إقرار مجلس الشيوخ له - بل عاد العديد من الشخصيات التي تورطت في المعارك المتعلقة بحرب العصابات في نيكاراجوا المعروفة باسم الكونترا فقد أصبح جون بيوندكستر وهو مستشار أمن قومي للرئيس ريجان الذي أدين عام ۱۹۹۰ بخمس جنح «تم إلغاء الأحكام فيما بعد بعفو من بوش الأب»، مديرًا لمشروع وزارة الدفاع «البنتاجون» الذي يهدف إلى تجميع معلومات حول إرهابيين مشتبه فيهم.
وأصبح أتو ريتش الذي كان مسؤولًا عن إدارة حملة دعاية سرية ضد حكومة نيكاراجوا مبعوثًا خاصًا لشؤون نصف الكرة الأرضية الغربي في وزارة الخارجية.
وذكر مسؤولون أمريكيون أنه تم اختيار إبرامز للحاجة إلى مدير قوي، وانشغال زالماي خليل زاده الذي كان يتولى إدارة القسم بإعادة بناء أفغانستان والتخطيط للمعارضة العراقية.
وقال مسؤول أمريكي كبير: «الجميع يثقون به وهو ليس مجرد مدير جيد، بل قوة فكرية في عدد من المناطق السياسية والجدل الذي أحيط به في الماضي، أصبح في الماضي».
وتحدث العديد من منتقدي إبرامز بإعجاب عن ثقافته وخبراته الإدارية التي سيتم اختبارها ليس فقط في مجال الصراع الفلسطيني - الصهيوني، ولكن أيضًا في حالة وقوع حرب مع العراق، تؤدي إلى احتلال طويل وإعادة تعمير.
وبالنسبة للمساعدين والمعارف تعكس مسؤوليات إبرامز الجديدة حدة طموحاته ومشاعره السياسية. فهو مثل العديد من المحافظين الجدد بدأ حياته كليبرالي ديمقراطي في العديد من القضايا ولكنه شعر بالإحباط من اليسار، ولا سيما في حالته من احتجاجات الطلبة في هارفارد.
وفي الكونجرس الأمريكي عمل مع اثنين من كبار الشخصيات الديمقراطية ذات وجهات نظر قوية معادية للشيوعية، وهما السناتور هنري جاكسون من واشنطن، ودانيل باتريك موينهان من نيويورك، قبل أن يصبح جمهوريا ومؤيدًا لريجن خلال حملته لمنصب الرئيس عام ١٩٨٠ وعينه ريجان في عدد من المناصب في وزارة الخارجية في الثمانينيات. وفيما يتعلق باعترافه بأنه ضلل الكونجرس بخصوص مساعدة الكونترا، دافع إبرامز عن نفسه بقوله إنه كان يتبع سياسة الإدارة آنذاك وقال أيضًا إنه كان ضحية لإساءة استخدام السلطة من جانب المدعي الخاص، وهو ما فهمه الديمقراطيون فيما بعد خلال توجيه الاتهام إلى الرئيس بيل كلينتون. والجدير بالذكر أنه مرتبط بعلاقات عائلية مع حركة المحافظين الجدد فإن زوجته هي ميدج ديكتر وزوج أمها هو نورمان بودهورتز وهما من كبار شخصيات حركة المحافظين الجدد ومن النقاد المتشددين لاتجاه الثقافة الليبرالية.
كيف يعيش اليهود في أمريكا مسيحية
وقبل خمس سنوات كتب إبرامز كتابًا بعنوان «الإيمان أو الخوف: كيف يمكن لليهود العيش في أمريكا مسيحية» الذي يجادل ضد ضياع الإيمان الديني بين اليهود وينتقد الزواج المختلط على خطر على استمراريتهم في أمريكا كما حث اليهود على المشاركة والعمل مع المسيحيين الإنجيليين على دعم «إسرائيل».
كما أنه معارض متشدد لاتفاقيات أوسلو بين إسرائيل وياسر عرفات حتى في الوقت الذي كانت تبدو أنها تؤتي ثمارها وكتب في التسعينيات أن كلينتون أخطأ بالثقة في عرفات، ودافع عن موقفه منذ بداية حكومة بوش إلى أن أصبح هذا موقف بوش في شهر يونيو «حزيران» الماضي.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه العمليات الاستشهادية، وأعمال القتل والقمع الاسرائيلية فإن إبرامز سيكون من بين المدافعين عن منح الكيان الصهيوني دعما ومدى أكبر المواجهة العمل الفدائي كما سيقف -كما يشير مساعدوه -ضد خارطة الطريق التي قدمها بأول بزعم أنها لا تجعل الأمر واضحًا بدرجة كافية فيما يتعلق بإقصاء عرفات، وأنه يجب توقف العمل الفدائي فورًا، قبل أن تقدم إسرائيل تنازلات لا يمكن التراجع عنها بخصوص الانسحاب من الأراضي الفلسطينية.
وتقول ميراف وورمسر مديرة برنامج الشرق الأوسط في معهد هدسون وزوجة ديفيد وورمسر نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون نزع سلاح: «إن تعيين إبرامز إشارة إلى أن المتشددين في حكومة بوش يلعبون دورًا أكثر مركزية في صياغة السياسة. «زاعمه أن المتشددين مجموعة ريدة من نوعها فالصقور في الحكومة هم في حقيقة أناس يعتبرون أكبر المدافعين عن الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط»، في إشارة إلى أن فكرة تشجيع الديمقراطية هي أفضل سبيل لضمان أمن الكيان الصهيوني. ويجادل أصحاب هذه الفكرة بأن إيجاد فلسطين ديمقراطية، وعراق ديمقراطي يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على المنطقة كلها ويذكر أن ميراف وورمسر على علاقة بالمخابرات الصهيونية حيث تشارك في مؤسسة ميموري التي تمول من الكيان الصهيوني لمتابعة ترجمة ما ينشر في الصحافة العربية المعادية كيان الصهيوني والسياسة الأمريكية وبثها في الولايات المتحدة.
وبعض الخبراء والمسؤولين المعنيين بالمنطقة ممن لا يتفقون مع هؤلاء المؤيدين للكيان الصهيوني يشيرون إليهم كـ «عصابة سرية» على حد تعبير مسؤول أمريكي سابق. فهم لا يخفون صداقتهم وارتباطاتهم أو ولاءهم للصهاينة.
واحد معلمي إبرامز هو ريتشارد بيرل رئيس مجلس سياسة الدفاع في البنتاجون الذي قاد مجموعة دراسية من بينهم وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية حاليًا دوجلاس فايث وديفيد وورمسر اقترحت على رئيس الحكومة الصهيونية الأسبق بنيامين نتينياهو في عام ١٩٩٦ بأن يتخلى عن اتفاقيات أوسلو وأن يرفض الأساس الذي قامت عليه وهو فكرة «مبادلة الأرض بالسلام» وأنه «يجب على إسرائيل أن تصر على اعتراف العرب بادعائها بأرض إسرائيل التوراتية ويجب عليها التركيز على إزاحة الرئيس العراقي صدام حسين».
وكتب فيث الكثير عن القضايا الصهيونية - العربية طيلة سنوات مجادلًا بأن للكيان الصهيوني حقًا مشروعًا بادعاء أراضي الضفة الغربية كما له الحق في الأصل بالأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨ التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني.
أفكار رامسفيلد
وردد رامسفيلد صدى تحليلات مجموعة بيرل في تعليق لم يلاحظه إلا القليل من موظفي
البنتاجون في شهر أغسطس الماضي عن «الأراضي المحتلة»، عندما قال «ما يدعى الأراضي المحتلة»، وقال رامسفيلد: «كانت هناك حرب في عام ١٩٦٧ وحثت إسرائيل البلدان المجاورة على ألا تتدخل ... وكلهم تدخلوا وفقدوا الكثير من الأرض لأن إسرائيل سادت في ذلك الصراع. وفي فترة التدخل أقاموا بعض المستوطنات في بعض أجزاء المنطقة التي يطلق عليها بأنها محتلة والتي كانت نتيجة حرب وقد كسبوها».
وعندما جاءت حكومة بوش إلى السلطة في يناير ۲۰۰۱ كانت غير متأكدة من مواقفها وكانت منقسمة، وفي بعض الأحيان انقسامًا مريرًا حول السياسة في المنطقة فقد ضغطت وزارة الخارجية من أجل استمرار المفاوضات والضغط على شارون للحد من إجراءات القمع التي ترتكبها حكومته ضد الفلسطينيين، بينما حبذ البنتاجون ومكتب تشيني مزيدًا من التشجيع للصهاينة، وقليلًا من الاهتمام لعملية التسوية التي قالوا إنها على أية حال لم تصل إلى أي هدف، واختار بوش ألا يتدخل شخصيًّا في دبلوماسية الشرق الأوسط.
وقد وصلت عملية «أسرلة» البيت الأبيض وحكومة بوش إلى حد أن مسؤولين أمريكيين أعلنوا أن القوات الصهيونية ستقوم بتدريب الجنود الأمريكيين على تكتيك حرب المدن حيث ستخوض القوات الأمريكية هذه الحرب لدى غزوها العراق بغرض احتلاله.
وقد شهد العامان الماضيان تحرك اليمين المسيحي المحافظ في الولايات المتحدة بالتحالف مع يهود وصهاينة أمريكا لممارسة المزيد من الضغط على البيت الأبيض لزيادة دعمه للكيان الصهيوني، حيث يلقى هؤلاء التأييد من مجموعة واسعة من الناس ومن الصقور في طاقم وأجهزة الأمن القومي الذين ينظرون إلى الكيان الصهيوني باعتباره الحليف الدائم والثابت للولايات المتحدة الذي يمكن الاعتماد عليه في المنطقة إلى جانب أن اليمين الديني المسيحي الأمريكي يعتقد أن فلسطين المحتلة هي الأرض الموعودة لليهود والكثيرون من المفكرين المحافظين الذين يؤثرون على الحزب الجمهوري الذي يعتبره الرئيس جورج بوش قاعدته قد أصبحوا منتقدين علنًا لجهوده في التوسط لتسوية الصراع العربي الصهيوني وأخذوا يصفونها بأنها مهمة فوضوية تقوض مبدأه المناهض له «الإرهاب» الذي أعلنه بعد 11 سبتمبر.
ویرى محللون أن التأييد المتزايد للصهاينة داخل اليمين الأمريكي المحافظ يدل على تحول عميق داخل الحزب الجمهوري، حيث من المعروف أن اليهود في معظمهم كانوا يصوتون للديمقراطيين، لذلك فإن الرؤساء الجمهوريين كانوا أحرارًا طيلة عقود في الاختلاف مع الكيان الصهيوني، فداويت أيزنهاور رفض دعم العدوان الثلاثي على مصر في عام ١٩٥٦ الذي شارك فيه الصهاينة، كما أن بوش الأب اصطدم مرارًا معهم، ولكن جاري يوبر، وهو من اليمين المسيحي المحافظ ويترأس مركز أبحاث يدعى القيم الأمريكية، يضغط غالبًا من أجل قضية دعم الصهاينة في رسائل البريد الإلكتروني التي تصل كما يدعي إلى نحو مائة ألف مسيحي محافظ كما أن وليام كريستول - وهو يهودي أمريكي . كان يشغل منصب رئيس هيئة موظفي نائب الرئيس الأمريكي الأسبق دان كويل وحاليًا رئيس تحرير مجلة «ذي ويكلي ستاندرد» التابعة الإمبراطورية الصهيوني روبرت ميردوخ الإعلامية يدافع بشدة عن الكيان الصهيوني، وقد أسس مع مجموعة كبيرة من الشخصيات اليمينية والصهيونية الأمريكية العاملة في مجال السياسة الخارجية ما يسمى «مشروع القرن الأمريكي» تضع على رأس جدول أعمالها الهيمنة الأمريكية في العالم، والعدوان على العراق ودعم الكيان الصهيوني. وقد انتقد كريستول سياسة بوش إزاء المنطقة وقال «إننا نعتقد أنك لا تستطيع أن تقوم بعملية سلام يكون فيها أحد الشركاء راعيًا للإرهاب ولا حتى إذا كنت منهمكًا في حرب جدية ضد الإرهاب».
بذور التفكير الجديد
ولا يقف كريستول، وبوير وحدهما فهناك إلى جانبهما الكتَّاب والمعلقون اليمينيون
والمحافظون في صحيفة وول ستريت جورنال وراش ليمبو في محطة إذاعته الشعبية، فكلهم يوجهون نفس الرسالة الحادة في توجيه الانتقاد إلى السياسة الخارجية لبوش.
ومن المعروف أن بذور التفكير الجديد زرعت في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريجان عندما أدت سياسته المناهضة للشيوعية - لدى تبنيه برنامج مبادرة الدفاع الإستراتيجي المعروفة الآن بنظام الدفاع الصاروخي - إلى وقوف مجموعة من المحافظين من أصحاب النفوذ الموالين للكيان الصهيوني من الحزب الجمهوري مثل جين كير باتريك الذي كان سفير ريجان لدى الأمم المتحدة، وريتشارد بيرل المساعد الأسبق لوزير الدفاع في عهد ريجان وهو يهودي مؤيد قوي للكيان الصهيوني، مهد الطريق أيضًا إلى وجود اليمين المسيحي داخل الحزب الجمهوري فالرئيس الأسبق ريجان أعطى المحافظين الدينيين مكانة محترمة في الحزب الجمهوري بإعلانه أمام مؤتمر للوعاظ البروتستانت: «لستم أنتم الذين توافقون لي بل أنا الذي أوافق لكم».
وقد اتسع هذا الاتجاه الذي بدأه ريجان حيث إن الرئيس بوش يتزعم الآن حزبًا جمهوريًّا قد تغير بصورة دراماتيكية ويقول مارشال ويتمان وهو يهودي محافظ ومدافع عن التحالف المسيحي إنه لأول مرة في تاريخ الحزب الجمهوري فإن هناك دائرة انتخابية مهمة موالية لإسرائيل لا بد أن تسترعي انتباه البيت الأبيض.
ويعزو الجمهوريون تأييد المحافظين للصهاينة لعدة عوامل منها تأثير المحافظين اليهود الجدد وبروز اليمين المسيحي الذي يعتقد أن التوراة تعطي تأييدًا للكيان الصهيوني كما أن تكتل الليكود يقيم روابط مع المحافظين وفي أعقاب هجمات ۱۱ سبتمبر فإن محافظين آخرين ممن يؤيدون سياسة خارجية هجومية وجدوا ضرورة في الوقوف مع الكيان الصهيوني كاستراتيجية مهمة في الحرب ضد الإرهاب.
وإن خروج باتريك بيوكانان وأنصاره من صفوف الجمهوريين قد خفف أيضًا أصوات المحافظين الذين يوجهون الانتقاد للكيان الصهيوني وقال ريتشارد لوري رئيس تحرير ناشيونال ريفيو اليمينية إن ذلك الجزء من الحركة المتشكك في إسرائيل والموالي للعرب قد أصبح الآن خارج الصورة، ويدافع بيوكانان عن إقامة روابط أقرب بين الولايات المتحدة والعراق وإيران وأن كتاباته في الماضي تعرضت للانتقاد بزعم أنها معادية للسامية وهي تهمة نفاها بقوة.
وقد أدى العدوان الصهيوني المتواصل بشدة والعمليات الفدائية الفلسطينية إلى شق صفوف الحزب الجمهوري وإيجاد انقسامات بين اليمين المسيحي وتشجيع بعض مؤيدي بوش للدفاع عن دور أمريكي في تسوية الصراع العربي الصهيوني يتولاه وزير الخارجية كولن باول وانتقد المحافظون بشدة الدعوات التي كانت تطالب حكومة شارون المتطرفة بسحب قوات احتلالها على الفور من مناطق السلطة الفلسطينية، مما أدى إلى قيام جمهوريين آخرين بالدفاع عن سياسة حكومة بوش في هذه الأزمة ويقول رئيس لجنة الحزب الجمهوري في ولاية فرجينيا جاري تومسون في اجتماع اللجنة القومية للحزب «إنني محافظ ديني وإنني أنظر إلى باول على أنه بانٍ للائتلاف وإنني أقدر ذلك»؟ ويضيف أن «الرئيس ومستشاريه يقومون بصياغة الإستراتيجية وباول أحد المكونات في ذلك وفي نهاية المطاف فإننا نثق بالرئيس وفي باول لقيادتنا في ذلك».
وكانت سلسلة من البيانات والإيماءات صدرت عن حكومة بوش واستهدفت كبح أعمال شارون القمعية بدعوى الرد على العمليات الاستشهادية ولإعادة تأكيد السياسة الأمريكية التقليدية بضرورة وقف النشاط الاستيطاني اليهودي في الضفة الغربية وكان بوش كرر في خطابه الإذاعي الأسبوعي في شهر إبريل ٢٠٠٢ دعوته لقوات الاحتلال للانسحاب بسرعة من الأراضي الفلسطينية. وقال إنه «يجب على إسرائيل أن تواصل انسحاباتها».
وإن نقاشًا داخليًّا شق حكومة بوش واجتذب لوبي مراكز الأبحاث والمنظمات اليهودية والمسيحيين البروتستانت وغيرهم الذين لهم مصلحة قوية في المنطقة.
وفي الوقت الذي وقفت فيه بعض المجموعات بما فيها «أمريكيون من أجل السلام الآن» ضد سياسات شارون المتطرفة وتأييدًا للمفاوضات، فإن معظم المنظمات والأفراد الذين قاموا بأعمال اللوبي حول هذه القضايا تبنوا خطًّا أكثر تشددًا وأيدوا شارون.
شارون العازف على كمان الإرهاب
وقال مسؤول أمريكي كبير من منتقدي بوش «إن شارون لعب دور الرئيس كعازف الكمان أنا أخوض حريك والإرهاب هـو الإرهاب وما إلى ذلك من الأقوال وقد قام شارون بعمل يتسم بالبراعة والاستبداد».
وعرض الحاخام بيشيل أكستاين، وهـو شخصية بارزة في العلاقات اليهودية المسيحية الإنجليكانية طيلة عقدين وصفًا ينطوي على التعاطف لانحياز بوش إلى الكيان الصهيوني وشارون وقال: إن سياسة الرئيس بوش تنبع من صميمه كمسيحي، ومفاهيمه للصواب والخطأ وللخير والشر ومن الحاجة إلى الوقوف ومحاربة الشر وأضاف: «إنني شخصيًّا أؤمن أن هذه مسألة شخصية جدًا وليست مناورة سياسية من جانبه».
وقالت مصادر عديدة إن السياسات لعبت دورًا. وقال جاري بور وهو ناشط مسيحي بروتستانتي إنه وأمثاله من البروتستانت قد خاضوا حملة انتخابية بقوة تأييدًا لإسرائيل وسياسات شارون المتطرفة. وقال بور: أعتقد أنه كان لنا ولا يزال بعض التأثير. وقال رئيس لجنة الحزب الجمهوري في ولاية كارولينا الشمالية، بيل كوبي - ردًّا على منتقدي بوش من أمثال زعيم التيار الأكثر يمينية في مجلس النواب الأمريكي توم ديلي وليمبو، ووزير التعليم الأمريكي الأسبق ويليام بينيت: «إنني بالقدر الذي أحترم فيه بينيت والآخرين الذين انتقدوا الرئيس فإنهم لا يتحدثون باسم جميع المسيحيين، ويضيف إنني لم أتلقَّ اتصالًا هاتفيًّا واحدًا أو رسالة إلیكترونية بريدية أو أي تعليق من أي كان - بما في ذلك الصحافة - تقول إن شعبنا لا يقف وراء الرئيس». وقال كوبي: «هل أحب عرفات؟ لا وأتمنى ألا يكون عرفات ممثلًا للشعب الفلسطيني ولكننا لا نستطيع أن نجد أي شخص آخر ويجب عليك الآن لأن تبقي قنوات الاتصال مفتوحة».
وكان توم ديلي الذي جعل من الكيان الصهيوني قضية له قال في شهر أبريل ۲۰۰۲ أمام مجموعة يهودية في واشنطن بأن «إسرائيل هي ينبوع الحرية الوحيد» في المنطقة، وأيد احتفاظ الصهاينة بالأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ وقد أشار إلى الضفة الغربية المحتلة بأسماء توراتية يهودا والسامرة.
كما أن الأسقف ريتشارد لاند من المؤتمر المعمداني الجنوبي قال إن البيت الأبيض ومديره السياسي كارل روف يعرفون مدى أهمية الدعم الإنجيليكاني وكونه حاسمًا، لهم ولحزبهم، وهم يعرفون مدى قوة دعم الإنجليكانيين لإسرائيل، وأضاف «إننا بحاجة إلى مباركة إسرائيل بأكثر مما تحتاج أمريكا إلى مباركة إسرائيل لها وذلك لأن الإسرائيل حليفًا أكبر بكثير من الولايات المتحدة هو الله القوي العزيز».
وقال رئيس لجنة الحزب الجمهوري في ولاية نيومكسيكو جون ديندهال إن نقاد بوش على خطأ، موردًا لذلك أسبابًا مختلفة قائلًا إن الرئيس قريب نحو مائة بالمائة في تأييد موقف إسرائيل في هذا الصراع بالقدر الممكن وأعتقد أن هذا هو الصحيح.
هذا ليس الحزب الجمهوري
ويرد جيمس زغبي رئيس المعهد العربي الأمريكي على ذلك بالقول إن هذا ليس الحزب الجمهوري، ويجادل بأن الحكومة الأمريكية أخذت تفقد قدرتها كوسيط نزيه في المنطقة بوقوفها مع إسرائيل». وأضاف يوجد زواج هنا بين اليمين الديني والمحافظين الجدد، وهناك اعتبار سياسي آخر يتعلق بأصوات اليهود الأمريكيين والذين هم بصورة تقليدية في الدائرة
الانتخابية للديمقراطيين.
وقال رئيس لجنة الحزب في ولاية فلوريدا ال كارديناس إن على الرئيس بوش أن يبقي نفسه بعيدًا بصورة حاسمة عن أعمال الحكومة الإسرائيلية من أجل أن تساعد الولايات المتحدة في تحقيق تسوية سلمية دائمة في المنطقة وأضاف أن الرئيس بوش «لا يزال يرى دور الولايات المتحدة في صراع الشرق الأوسط باعتبارها الوسيط الرئيس وهذا يتطلب تماسكًا وصبرًا وتفهمًا للجانبين في المعادلة. إن التخلي عن هذا الدور والوقوف مع جانب واحد سيكون أخطر تحول في السياسة الخارجية الأمريكية خلال ٥٠ عامًا ولن يكون ذلك مناسبًا».
ويقول محللون إن الصراع الفلسطيني - الصهيوني فتح أكثر الانقسامات حدة في
واشنطن حول معالجة الرئيس بوش للصراع. فالمحافظون الجدد والمحافظون المسيحيون وبعض الصقور في الحزب الديمقراطي الموالين للصهاينة يريدون من بوش تأييد شارون ولكن المعتدلين الدوليين في الحزبين يريدون من بوش أن يكبح شارون والضغط بصورة أقوى من أجل مؤتمر سلام مع الدول العربية.
وخلال الاثني عشر عامًا الماضية أو أكثر فإن مؤيدي حزب شارون تحركوا إلى أدوار قيادية في معظم المنظمات اليهودية الأمريكية التي تقدم الدعم المالي والسياسي لإسرائيل وأصدقائها في الكونجرس أيضا وقفوا مع شارون. ففي شهر نوفمبر ۲۰۰۱ فإن ۸۹ عضوًا في مجلس الشيوخ من إجمالي عدده المائة عضو وقعوا رسالة إلى بوش يطلبون فيها من الحكومة الأمريكية بألا تحاول كبح الكيان الصهيوني عن استخدام كل قوته وقدراته، ردًّا على العمليات الاستشهادية. وقال موقعو الرسالة إنهم يريدون إقناع بوش بمنع وزير الخارجية باول من الضغط على شارون وبالفعل فإن كل المشاركين في هذه النقاشات يوافقون بأن عرفات ساهم شخصيًّا في تشدد موقف بوش خلال العامين الماضيين. وقبل أن يتولى منصبه في يناير ۲۰۰۱ قال دبلوماسي عربي كبير إن بوش حث بصورة خاصة عرفات على قبول تسوية شاملة عرضها عليه رئيس الحكومة الصهيونية السابق إيهود باراك في يناير ۲۰۰۱.
وقال ريد رئيس الحزب الجمهوري بولاية جورجيا إنه يرى فرصة بأن الناخبين اليهود وبخاصة الشباب قد يبدؤون بالتحرك إلى الطابور الجمهوري في عام ٢٠٠٤. ويعود سبب ذلك في جزء منه غلي دعم بوش الإسرائيل. وقال ريد إن هناك شيئًا ما واضحًا... إنه ملموس ويمكن أن يكون له تأثير حقيقي -وكان بوش حصل على ۱۹% من أصوات اليهود الأمريكيين في عام ۲۰۰۰. وقال ريد إن بوش قد يحصل على ٣٠ في عام ٢٠٠٤.
وفي الوقت الذي يبقي التيار المسيطر في البيت الأبيض على تجميد الموضوع الفلسطيني - الصهيوني فإنه لا أحد يتوقع أي تحرك من البيت الأبيض قبل البت في مسألة العراق وقال مسؤولون بوزارة الخارجية الأمريكية بصورة خاصة إنهم يشعرون أنه قد تم تهميشهم وأن النقاش داخل حكومة بوش قد انتهى ولو مؤقتًا على الأقل، بعد أن أعلن شارون أن اللجنة الرباعية روسيا والاتحاد الأوروبي وأمريكا والأمم المتحدة التي وضعت مسودة خارطة الطريق هي لا شيء، داعيًا إلى أن لا تأخذوها مأخذ الجد حيث قام بتصعيد النشاط الاستيطاني بحدة في الضفة الغربية، فيما يخطط بعد انتخابه مجددًا لمنصبه الشهر الماضي الاستغلال حرب بوش على العراق لتصعيد حربه على الفلسطينيين.
كل رئيس أمريكي يتضرع لبركات الرب ولكن عهد جورج دبليو بوش هو أكثر العهود التي تقوم على العقيدة بصورة وطيدة العزم في العصر الحديث. ففي النهاية تعد حياة بوش نفسه قصة حول قوة الإيمان في إنقاذ حياة وأسرة وتشكيل مهنة سياسية وحكومة قومية نيوزويك تستكشف رحلته من معربد إلى مستلهم.
متأصل في الانجيل حس نقي للخير والشر
هكذا قالت النيوزويك في عدد ۱۱ مارس ۲۰۰۳