العنوان 83 عامًا على الاحتلال البريطاني.. خلفيات ودوافع الاحتلال البريطاني لفلسطين
الكاتب محسن محمد صالح
تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2001
مشاهدات 60
نشر في العدد 1475
نشر في الصفحة 44
السبت 03-نوفمبر-2001
• حملة نابليون على مصر وفلسطين فتحت عيون بريطانيا على المنطقة فأخذت تبحث عن موطئ قدم فيها.
• فكرة إسكان اليهود في فلسطين ازدادت قوة وشعبية في القرن التاسع عشر.. ولقاء هرتزل مع وزير المستعمرات البريطاني عام ١٩٠٢م جدد الصلة بين الصهاينة والإنجليز.
• فكرة «الدولة الحاجزة» تكرست في توصيات مؤتمر لندن الاستعماري المنعقد سرًا في الفترة من ۱۹۰٥. ۱۹۰۷م.
• أهمية فلسطين الاستراتيجية ظلت ماثلة في السياسة الاستراتيجية البريطانية طوال فترة الاحتلال.. وازدادت بعد احتلال العراق.
• وجود حركة صهيونية منظمة ذات نفوذ في الغرب هيا للمشروع الاستيطاني اليهودي عناصر النجاح.
في نهاية سبتمبر ۱۹۱۸م أتمت بريطانيا احتلالها لفلسطين، وبدأت خطواتها الجادة في تنفيذ المشروع الصهيوني، يحاول هذا المقال توضيح خلفيات ودوافع الاحتلال البريطاني لفلسطين، الذي مرت عليه مؤخرًا ذكرى ٨٣ عامًا.
بعد عشرة أيام فقط من صدور وعد بلفور، وفي ۱۲ نوفمبر ۱۹۱۷م كتب وليم بيل مبعوث وزارة الخارجية الأمريكية الخاص للشرق العربي متوقعًا أن تسعى بريطانيا لإقامة دولة حاجزة Buffer State في فلسطين، موضحًا أن «إنشاء دولة في فلسطين- قد تنمو لتصبح في المستقبل دولة يهودية صرفة- قد يؤدي إلى إدخال عنصر جديد في الشرق، ودولة أخرى تواجه الإسلام، دولة تحمي قناة السويس، وشعب مدين لبريطانيا بدين أبدي» (1).
وقد يختلف البعض مع وليم بيل أو يتفق حول أبرز العوامل التي دفعت بريطانيا للقيام باحتلال فلسطين، والسعي لإنشاء كيان يهودي على أرضها، لكنه- على ما يبدو- من الخطأ حصر أسباب وخلفيات الاحتلال البريطاني لفلسطين من خلال دراسة العوامل والظروف الخاصة التي مرت في أثناء الحرب العالمية الأولى (۱۹۱٤- ۱۹۱۸م)، لأن ذلك قد يقود إلى نتائج غير دقيقة وربما مضللة، فمثل هذا الحصر قد يركز على المصالح الآنية البريطانية، ويضخم الحركة الصهيونية وتأثيرها في السياسة البريطانية، دون أن يبرز حقيقة «الأطماع» الاستعمارية البريطانية، والمصالح الإستراتيجية بعيدة المدى، والخلفيات الدينية والحضارية التي ألتقت مع الأماني اليهودية بالعودة إلى فلسطين.
تراكمت ترسبات عدائية عميقة في الوجدان الغربي الأوروبي تجاه العالم الإسلامي، نتيجة الصراع المرير الذي استمر زمنًا طويلًا، وأدى إلى انحسار النفوذ الغربي «المسيحي» عن بلاد الشام وآسيا الصغرى ومصر وشمال إفريقيا وأجزاء من أوروبا نفسها.
ولم تكن أشكال الصراع والتنافس الديني والعسكري والسياسي والحضاري- بين الطرفين لتهدأ طوال القرون الماضية، ابتداء من الفتوح الإسلامية الأولى على عهد الراشدين، مرورًا بالدولتين الأموية والعباسية والصراع في الأندلس والحروب الصليبية، والصراع العثماني الأوروبي.
ورغم أن الصراع اتخذ أشكالًا مختلفة، وتفاوت في القوة والحدة بين فترة وأخرى إلا أن جذوته لم تنطفئ.
وخلال تلك الفترة كانت فلسطين تمثل إحدى أهم بؤر الصراع، خصوصًا في أثناء الحروب الصليبية- لما تتميز به من قدسية عظيمة، وبما تملكه من موقع استراتيجي مهم، فهي تقع في قلب «العالم القديم» وفي قلب العالم العربي والإسلامي، كما تعد أداة الوصل بين آسيا وإفريقيا- وفي أوائل القرن السادس عشر الميلادي وبعد أن خبت نار الحروب الصليبية- بدا أن هناك نوعًا من التحول في طبيعة اهتمام أوروبا الغربية بفلسطين، إذ أخذت تنتشر فكرة «إعادة» توطين اليهود في فلسطين، أو ما يمكن تسميته «الصهيونية غير اليهودية». وأحدثت الحركة «البروتستانتية» التي ظهرت بوصفها حركة إصلاح ديني في تلك الفترة بعثًا للفكر العبري اليهودي، حيث ركزت على الإيمان بالعهد القديم «التوراة»، وبالتالي الإيمان بالعهد الألفي السعيد والمسيح المنتظر وهما من مقومات المبادئ اليهودية. وساد اعتقاد بين البروتستانت الذين أصبحوا يشكلون الأغلبية في عدد من دول غرب أوروبا أن اليهود سيجمعون من جديد للإعداد لعودة المسيح المنتظر.
وتطور الاهتمام بالتوراة باعتبارها كلمة الله، وأصبحت المرجع الأعلى للسلوك والاعتقاد، وعندما ترجم العهد القديم وطبع ونشر باللغات الأوروبية، أصبح الكثير معًا فيه يُحفظ عن ظهر قلب، وارتبطت فلسطين في الأذهان باعتبارها أرض الشعب المختار «اليهود» وأصبح اليهود هم «الفلسطينيين» الغرباء الموجودين في أوروبا، وصار العهد القديم بالنسبة لهؤلاء «مادة تاريخية أعطت لليهود حقًا تاريخيًا في فلسطين» (٢).
وفي إنجلترا سادت «البيوريتانية» Puri tanism في أوائل القرن السابع عشر، وهي تمثل أشد أنواع البروتستانتية تطرفًا، وحوت قدرًا كبيرًا مما يمكن أن يدعى «تهودًا». Judaizing وفي سنة ١٦٢١م ظهر أول كتاب معروف في بريطانيا حول توطين اليهود في فلسطين تحت عنوان «البعث العالمي الكبير»، أو «عودة اليهود»، للمحامي البريطاني السير هنري فنش وفي الأربعينيات من القرن السابع عشر أصبحت فكرة ضرورة إعادة فلسطين إلى ما اعتبر «أصحابها اليهود» شائعة (۳).
ولا يتسع المجال لتتبع الخلفية الدينية لتأييد العالم الغربي- وخصوصًا البروتستانتي لهذه الفكرة، غير أنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الأمر تجذر وتكرس بمرور الزمن في عقائد الغرب وأدبه وفكره وفنه، وظهر في كتابات عدد من المشاهير أمثال مارتن لوثر (١٤٨٣ - ١٥٤٦م) وإسحق نيوتن (١٦٤٣ ۱۷٢٧م). وجان جاك روسو (۱۷۱۲. ۱۷۷۸م)، وبريستلي (١٧٣٣- ١٨٠٤م)، وغيرهم (٤).
وفي بريطانيا كان الحافز الديني ظاهرًا في القرن التاسع عشر في عدد من الشخصيات أمثال اللورد شافتسبري صاحب شعار «وطن بدون شعب لشعب بدون وطن»، وشارلز هنري وتشرتشل وجورج جولر، ولورنس أوليفنت وغيرهم (٥).
كما لم يغب هذا العامل- بعد ذلك- حتى بين رجال الدولة الذين أصدروا «وعد بلفور»، في ٢ نوفمبر ۱۹۱۷م، فقد ظهر في شخص لويد جورج رئيس الوزراء الذي أثر في نفسه البعد التوراتي للحركة الصهيونية، وما تعلمه منذ صغره حول النبوءات عن إرجاع اليهود إلى الأرض المقدسة، وقد ذكر هربرت صمويل أنه سمع لويد جورج غير مرة يقول إنه كان يعرف في طفولته عن تاريخ فلسطين وجغرافيتها أكثر مما كان يعرف عن «ويلز» التي نشأ وترعرع فيها (٦).
ومن المثير قراءة وصفه لاحتلال الجيش البريطاني للقدس، حيث كتب بروح صليبية توراتية «... لكن انتباه محاربيها عام ۱۹۱۷م أنجذب إلى الجبال اليهودية القابعة وراءها، لقد اشتعلت جذوة الحماس الصليبي في نفوسهم من جديد، وأصبح افتداء فلسطين وإنقاذها من براثن العدوان التركي المتهلهل بمثابة عمود اللهب الذي دفعهم إلى الأمام.
إن اتفاقية سايكس بيكو قد التهمتها النيران، وأرض كنعان لم تكن جديرة بالقتال في سبيلها لكي تترك إلى مصير أجاج «ملك العماليق»، ولكي يجري تقطيعها إربًا على مرأى من الرب...»(۷).
كما عبر ملك بريطانيا نفسه «جورج الخامس» عن مثل هذه الدوافع، إذ كان يتوق إلى السيطرة البريطانية على فلسطين لأسباب توراتية، وقد أبدى بعض الملاحظات حول ما سمي «الحرب الصليبية النهائية» (۸). ولم يخيب قائد القوات البريطانية التي احتلت فلسطين أدموند اللنبي رجاء الملك فوقف- في أول خطاب له بعد احتلال القدس في 11 ديسمبر ۱۹۱۷م، يتحدث عن الحروب الصليبية في العصور الوسطى، وختم كلمته بقوله «واليوم انتهت الحروب الصليبية». (۹)
لقد كان هناك العديد من الشخصيات البريطانية التي كانت ترى نفسها بمثابة «الأداة التي أرسلها الرب لتحقيق الوعد وإرجاع الأرض المقدسة إلى بني إسرائيل» (۱۰).
ومن المهم أن نشير إلى أن القناعات والمشاعر الدينية لم تخرج عن إطارها العاطفي الثقافي طوال القرون الأربعة الماضية، ولم تستطع البروز على السطح السياسي، أو التحول إلى برنامج عمل، إلا مع بروز عوامل مهمة أخرى وظروف جعلت تحقیق الأماني الصهيونية أمرًا ممكنًا، وهي بذلك تكون قد وفرت أرضية خصبة، وبيئة مناسبة، واستعدادًا شعبيًا لقبول الفكرة الصهيونية ونموها وتحققها.
بروز العوامل الاستراتيجية والسياسية:
مع نهايات القرن الثامن عشر بدأت العوامل السياسية والمصالح الاستراتيجية تتداخل مع المشاعر والعواطف الدينية بشأن عودة اليهود إلى فلسطين، وكان نابليون بونابرت (۱٧٦٩ - ۱۸۲۱م)، أول من اقترح إقامة دولة لليهود في فلسطين سنة ١٧٩٩م، أثناء حملته المشهورة على مصر، وبمناسبة هجومه على فلسطين وحصار عكا، ورغم أن نص البيان الذي أصدره لليهود هيمنت عليه الروح الدينية، إلا أن بعض الباحثين يرون أن ذلك كان ينسجم مع اهتمامه السياسي باستغلال اليهود في خططه الاستعمارية، والاستفادة من أموال اليهود ورجالهم وتجارتهم (۱۱).
فتحت حملة نابليون على مصر وفلسطين عيون بريطانيا على المنطقة، فبدأت تبحث عن موطئ قدم لها هناك، وبينما كانت بريطانيا تفضل وجود دولة عثمانية ضعيفة مفككة، يسهل اختراقها وتحقيق المصالح الاستعمارية فيها، فإنها كانت تخشى في الوقت نفسه من نمو وتعاظم نفوذ محمد علي، الذي اتسع في العشرينيات والثلاثينيات من القرن التاسع عشر فشمل مصر والسودان وبلاد الشام والحجاز، وظلت منطقة فلسطين تحت قبضته خلال الفترة ۱۸۳۱ - ١٨٤۰م، ولذلك سعت بريطانيا بالتعاون مع الدول الكبرى لضرب قوة محمد على وأجبرته على التخلي عن بلاد الشام بعد هزيمته في نوفمبر ١٨٤٠م، ومنذ تلك الفترة والسياسة البريطانية تلعب دورًا نشطًا في المنطقة (١٢).
وقد رافق ذلك النشاط البريطاني اهتمام ملحوظ على صعيد فكرة توطين اليهود في فلسطين، وأبدى بالمرستون (١٧٨٤ ١٨٦٥م) وزير الخارجية البريطاني اهتمامًا خاصًا بذلك، فقد افتتحت بريطانيا قنصلية لها في القدس سنة ۱۸۳۸م، وفي أول رسالة بعثت لنائب القنصل في القدس، طلب منه بالمرستون توفير الحماية لليهود بشكل عام «وليس لليهود البريطانيين فقط الذين كانوا عددًا ضئيلًا جدً»ا، وظلت هذه القنصلية مركزًا للدفاع عن مصالح اليهود حتى نشوب الحرب العالمية الأولى سنة ١٣- ١٩١٤م (١٣).
وفي أغسطس ١٨٤٠م بعث بالمرستون إلى سفيره في القسطنطينية لورد بونسونبي يطلب منه حث السلطان على تشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين، وإغرائه بما لديهم من أموال وثروات بل وبما يمكن أن يقوموا به من دور في كبح «أي خطط شريرة قد يفكر بها محمد على أو خلفاؤه في المستقبل» (١٤).
ورغم أن فكرة إسكان اليهود في فلسطين قد اتسعت وازدادت قوة وشعبية في القرن التاسع عشر إلا أن الاهتمام السياسي- بعد بالمرستون- لم يستمر بنفس الدرجة ولم تتجدد الصلة الحكومية الرسمية باليهود إلا سنة ١٩٠٢م عندما التقى ثيودور هرتزل (١٨٦٠ - ١٩٠٤م)، زعيم الحركة الصهيونية ومؤسسها بجوزيف تشمبرلن (١٨٣٦. ١٩١٤م) وزير المستعمرات البريطاني، الذي لم تكن تهمة النبوءات التوراتية ولا الاعتبارات الإنسانية بقدر اهتمامه بالإمبراطورية البريطانية (١٥).
وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر عامل جديد أخذ يحتل مكانًا بارزًا في السياسة البريطانية تجاه فلسطين هو العامل الأستراتيجي، أو «المصالح الحيوية بعيدة المدى»، فبعد سيطرتها على قبرص سنة ۱۸۷۸م وعلى مصر سنة ۱۸۸۲م أصبحت بريطانيا الدولة الاستعمارية الوحيدة التي لها قواعد في شرق المتوسط، كما كانت قد استكملت دوائر نفوذها جنوب الجزيرة العربية وإمارات الخليج العربي (١٦).
ثم إن ازدياد ضعف الدولة العثمانية، وفقدانها العديد من أجزائها واحتمال تفككها وسقوطها، والخشية من احتمال ظهور قوى إسلامية أو عربية قوية مكان الدولة العثمانية، بحيث يهدد المصالح الغربية مستقبلًا، بالإضافة إلى بروز التنافس الاستعماري الفرنسي والروسي والألماني على المنطقة، فقد أضفى ذلك على مسألة السيطرة على فلسطين بعدًا إستراتيجيًا مهمًا بوصفها دولة «حاجزة» تؤمن المصالح البريطانية، وتحمي الجناح الشرقي لقناة السويس التي تعد الشريان الحيوي للمواصلات البريطانية، كما أن هذه الدولة إذا ما تشكلت نتيجة هجرة اليهود إليها واستيطانهم فيها، فإنها ستمنع عمليًا أي اتحاد عربي أو إسلامي في المنطقة، وتكون رأس رمح لضرب أي نمو حضاري قوي في المنطقة أو على الأقل فإنها ستوفر مشكلة طويلة معقدة للعالم العربي والإسلامي تستنزف جهوده وطاقاته، وتبقيه إلى أبعد مدى ممكن في فلك والضعف والحاجة للعالم الغربي، وبالإضافة إلى ذلك، فإن وجود اليهود عنصرًا غريبًا ومعاديًا السكان المنطقة، سيجعل اليهود في حالة تحالف مصيري مع العالم الغربي، بحيث لا يستطيعون إلا أن يعتمدوا عليه لاستمرارهم وقوتهم وبقائهم، وهكذا تحققت قاعدة النقاء إستراتيجي راسخ بين التبعية الطرفين.
لقد كان اللورد كتشز (١٩١٦-١٨٥٠م) من أوائل من أبرزوا أهمية العامل الاستراتيجي، فقد دعا حكومته إلى «تأمين فلسطين حصنًا لبريطانيا في مصر وحلقة وصل برية مع الشرق» (۱۷).
وتكرست فكرة الدولة الحاجزة في توصية مؤتمر لندن الاستعماري المسمى مؤتمر كامبل بنرمان، الذي عقد سرًا في لندن ما بين (۱۹۰۷-۱۹۰5م) بدعوة من حزب المحافظين البريطاني، واشتركت فيه مجموعة من كبار علماء التاريخ والاجتماع والزراعة والبترول والجغرافيا والاقتصاد وناقش سبل تحقيق المصالح الغربية والهيمنة على المنطقة الإسلامية وغيرها ورفع المؤتمر توصياته إلى رئيس الوزراء «كامبل بنرمان»، وأكد فيها أن إقامة حاجز بشري قوي وغريب في المنطقة شرقي البحر المتوسط، وعلى مقربة من قناة السويس قوة عدوة لشعب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها، هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة (۱۸).
وقد أدركت المنظمة الصهيونية العالمية- التي أعلن عن تأسيسها في مؤتمر بال بسويسرا في ٢٧- ۲۹ أغسطس ۱۸۹۷م بزعامة هرتزل- المصالح والأطماع الغربية في فلسطين، كما أدركت أن مشروعها لن يكتب له النجاح إلا برعاية دولة كبرى وحمايتها، ولذلك عرضت مشروعها لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين في ضوء المصالح التي يمكن أن تجنيها القوى الاستعمارية الكبرى (۱۹).
وهذا ما أكده هرتزل لتشميران عندما التقاه سنة ١٩٠٢م، وقال له إن قاعدتنا يجب أن تكون فلسطين، والتي يمكن أن تكون دولة حاجزة، بحيث تؤمن المصالح البريطانية (٢٠).
وبوجود المنظمة الصهيونية العالمية- بوصفها قوة يهودية فاعلة ومتزايدة النمو والنفوذ، ولها قواعد نشطة ومنظمة وتتولى أمرها قيادة على مستوى من الدهاء، وتملك وسائل ضغط سياسي واقتصادي وإعلامي متنام في العالم الغربي- فقد تهيأت الأداة والقاعدة اليهودية المناسبة التي تجعل تحقيق المشروع أمرًا ممكنًا.
وفي أثناء الحرب العالمية الأولى كان الدافع الاستراتيجي قويًا وبارزًا في أطروحات الساسة والمفكرين البريطانيين.. فمن الشخصيات البريطانية «الصهيونية غير اليهودية» التي بذلت جهودًا ملحة في إبقاء المسالة الصهيونية حاضرة بارزة تشارلز سكوت «رئيس تحرير جريدة مانشستر جارديان» وهربرت سايدبوثام «المعلق والناقد العسكري في الصحيفة نفسها، والذي كانت لمقالاته شهرة واسعة»، وقد ركز الأثنان على أهمية فلسطين الاستراتيجية (۲۱)، وقد اعتبر سايدبوثام أن فلسطين هي «مفتاح مصر»، وأن الدفاع عن مصر يتطلب أن تقوم بريطانيا بإيجاد دولة حاجزة في فلسطين، وأن العنصر الوحيد المناسب الصالح لذلك هو اليهود، وأن الدولة اليهودية الحاجزة ستكون مصدر قوة عظيمة سياسيًا وعسكريًا (۲۲).
كان العامل الاستراتيجي حاضرًا في أذهان رجال الدولة الذين أتخذوا قرار احتلال فلسطين وأصدروا وعد بلفور مثل لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني (٢٣).
كما صرح اللورد كيرزون الذي خلف بلفور في وزارة الخارجية بأن الدافع الرئيس وراء تصريح بلفور كان استراتيجيًا، على أن المسألة الاستراتيجية لم تكن متعلقة فقط بالدولة الحاجزة ومنافعها، وإنما بكسب تأييد اليهود أنفسهم أيضًا إلى صف بريطانيا والحلفاء بوصفه أمرًا حيويًا لكسب الحرب العالمية فقد كان ذلك يتضمن معاضدة يهود أمريكا للحلفاء ودفعها للحرب، ويقطع الطريق على محاولة الألمان كسب اليهود لصالحهم، إذ كانت هناك اتصالات بينهم وبين المنظمة الصهيونية كادت تؤدي إلى تبني الألمان للقضية الصهيونية (٢٤). هذا ما أكده وليامز ٹومبسون من أنه قرار «استراتيجي أملته ظروف الحرب» (٢٥). كما أشار إليه لويد جورج في شهادته أمام لجنة بيل الملكية سنة ١٩٣٧ (٢٦).
وفي المؤتمر الدولي المنعقد حول القوى العظمى في الشرق الأوسط ۱۹۱۹-۱۹۳۹م (۲۷) كان هناك اتفاق عام على أن العامل الرئيس الذي جذب بريطانيا وفرنسا إلى المنطقة هو العامل الاستراتيجي بخلفياته المتعددة كنقطة اتصال ومواصلات، وكمنطقة حاجزة، وكقاعدة، وقد ورد ذلك في الخلاصة التي خرج بها المؤتمر، والتي تولى كتابتها برنارد لويس الذي أشار أيضًا إلى أن العامل السياسي يأتي ثانيًا ولكن بفارق بعيد، كما تم إعطاء بعض التقدير لعامل استراتيجي سياسي يتلخص في عدم ترك المنطقة «فارغة»، بحيث تملؤها قوى أخرى «معادية أو منافسة» مع إعطاء بعض الاهتمام لحرص بريطانيا وفرنسا على حفظ مواقعهما الاستعمارية، بحيث تشعران بالحاجة إلى حمايتهما من «القوى المثيرة للاضطراب»، التي يعتقدون يقينًا أنها ستخرج من وسط المسلمين في الشرق الأوسط، إلا إذا وضعت البلاد وسكانها «بأمان» تحت سيطرة استعمارية، أو على الأقل تحت نفوذ استعماري وأشار لويس إلى العامل الديني ذاكرًا أن قيمته قد انخفضت في القرن العشرين عن قيمته في القرن الذي سبقه، أما العامل الاقتصادي فقد اتخذ موقعًا ضئيلًا جدًا، حيث كان الأمر قبل الاحتلال يبدو عالي التكلفة، ولذلك حرصت القوتان على أن تكون النفقات بأقل قدر ممكن (۲۸).
وفي ختام الإشارة إلى المسألة الاستراتيجية، لا بد أن نشير إلى أن أهمية فلسطين الاستراتيجية ظلت ماثلة في السياسة العسكرية والأمنية البريطانية طوال فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين ۱۹۱۷ - ۱۹۱۸م وقد زادت هذه الأهمية بعد السيطرة البريطانية على العراق عام ۱۹۱۷م، وفرض الحماية البريطانية على إيران عام ١٩١٩م، فأصبحت فلسطين نقطة اتصال مهمة في حزام النفوذ البريطاني من مصر إلى الهند، كما زادت أهمية فلسطين مع بروز الثروة النفطية في العراق، حيث تم مد أنابيب البترول إلى ميناء حيفا المطل على البحر المتوسط فضلًا عن توفيرها الحماية الشرقية المتقدمة لقناة السويس، بالإضافة إلى الموانئ وقواعد الطيران المهمة فيها، وقد برزت هذه الأهمية في العديد من المذكرات والتصريحات والتقارير الرسمية (٢٩).
المشكلة اليهودية في أوروبا:
ومن الأمور الجديرة بالإشارة في خلفيات تبني بريطانيا- بل وأوروبا- للفكرة الصهيونية والسعي لاحتلال فلسطين ما يعرف بالمشكلة اليهودية في أوروبا، والاتفاق مع الحركة الصهيونية على عدم إمكانية دمج اليهود في المجتمع الأوروبي، أو القدرة على استيعابهم، ووجود بذور الكراهية والعداء تجاههم، أي ما يعرف به «اللاسامية»، فكان المشروع الصهيوني- الغربي بإنشاء وطن لهم في فلسطين مخرجًا للمشكلة كما وجدت أوروبا الغربية- وخصوصًا بريطانيا- فيه حلًا لإيقاف سيل الهجرة اليهودية إليها من أوروبا الشرقية، ووجدت في هذا الحل أيضًا نوعًا من «التكفير» والتحلل من «عقدة الذنب»، بسبب المظالم التي أوقعها الغرب المسيحي باليهود، بل إن الأمر اتخذ في أحيان أخرى شكلًا «لا ساميًا»، تمثل في السعي للتخلص من اليهود نتيجة مشاعر الكراهية والاحتقار والعنصرية، فكان البعض صهيونيًا لا من خلفية دينية أو حبًا في اليهود ولكن من خلفية الالتقاء مع الحركة الصهيونية على ضرورة خروج اليهود من أوروبا وإيجاد مأوى مناسب لهم.. وقد مثلت الحركة النازية فيما بعد نموذجًا مثاليًا لهذه الفكرة، وكانت «مأساة» اليهود في ألمانيا أحد العوامل التي أسهمت في تحقيق الحلم الصهيوني (٣٠).
وهكذا تهيأت للمشروع الاستيطاني الصهيوني عناصر نجاح متعددة، بوجود حركة صهيونية منظمة ذات نفوذ في أوساط اليهود والدوائر السياسية والاقتصادية والإعلامية في أوروبا وأمريكا، وقوة استعمارية طامعة في المنطقة، وضعف، «عثماني» فتح الشهية على تقسيم تركة «الرجل المريض» وأرضية من المشاعر الدينية والعاطفية وحتى العنصرية التي اتفقت- مع الفكرة الصهيونية، وسعي غربي لتحقيق هيمنة حضارية على المنطقة العربية والإسلامية.
لكن الظروف لم تتهيأ عمليًا لمثل هذا المشروع إلا عندما أعلنت الحرب بين الدولة العثمانية وبريطانيا في ۳۱ أكتوبر ١٩١٤م عند ذلك أعلن أسکویت (۱۸۰۲ - ۱۹۲۸م) رئيس الوزراء البريطاني أن «الحكومة العثمانية هي التي قامت بتوجيه الضربة القاضية إلى السيادة العثمانية ولسنا نحن» (۳۱).
وما كانت الحرب تندلع بين الطرفين حتى كان هربرت صمويل اليهودي الصهيوني وعضو الوزارة في حكومة أسكويث يحادث زميله إدوارد جري وزير الخارجية في يوم 9 نوفمبر ١٩١٤م حول مستقبل فلسطين وإمكانية تحقيق أمال اليهود بإنشاء دولة يهودية (۳۲) ثم قام صمويل بتقديم مذكرة سرية إلى الحكومة البريطانية في يناير ١٩١٥ حول الموضوع نفسه، طالب فيها باحتلال بريطانيا لفلسطين، وفتح باب الهجرة والاستيطان لليهود، بحيث ينمو عددهم ليصبحوا غالبية السكان، ويعطوا درجة من الحكم الذاتي حسبما تسمح الظروف وعدد مصالح بريطانيا من وراء ذلك مدعيًا أنها ستقوم بدورها التاريخي الحضاري بتعمير منطقة متخلفة، وأن ضم فلسطين إلى الإمبراطورية البريطانية سيضيف رونقًا وبهاء للتاج البريطاني، مضيفًا أن هناك تعاطفًا واسعًا في العالم البروتستانتي مع أفكار إعادة العبريين تحقيقًا للنبوءات، وأن ذلك سيسهل على العالم المسيحي زيارة الأرض المقدسة، وأوضح أن في السيطرة البريطانية على فلسطين قطعًا للطريق على امتداد النفوذ الألماني، وحماية لقناة السويس والحصول على دعم يهود العالم (۳۳).
وهكذا نجح صمويل- الذي أصبح فيما بعد أول مندوب سام لبريطانيا في فلسطين (١٩٢٠. ١٩٢٥م) - في إبراز الأبعاد الحضارية والدينية والاستراتيجية والسياسية للاحتلال، وقد لقيت مذكرته تجاوبًا من إدوارد جري وزير الخارجية ولويد جورج وزير الذخيرة والعتاد، لكن الأمر يكن ملحًا في تلك الفترة، كما أن الاتصالات كانت قد بدأت مع الشريف حسين لضمان موافقة الجانب العربي، ومع نهاية سنة ١٩١٦م تغيرت الوزارة البريطانية، وتولى لويد جورج رئاسة الوزارة، كما تولى بلفور وزارة الخارجية، ضمن طاقم مؤيد للحركة الصهيونية، فكانت خطوة مهمة نحو التنفيذ العملي للفكرة الصهيونية (٣٤) حيث جرى احتلال فلسطين.
الهوامش:
(۱) حسن صبري الخولي، سياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين «القاهرة: دار المعارف، ١٩٧٣م»، ج۲، ص ٤٧ – ٤٩. ومحمود حسن منسي، تصريح بلفور «القاهرة دار الفكر العربي ١٩٧٠م»، ص ٢٢٤. وص ۲۲۷.
(۲) ريجينا خلف، الصهيونية غير اليهودية جذورها في التاريخ الغربي، ترجمة أحمد عبد الله عبد العزيز، سلسلة عالم العرفة رقم ٩٦ الكويت المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ديسمبر ۱۹۸5م، ص ۳۲۲۹.
(۳) المرجع نفسه، ص ٥٢ وص 1، وأيضًا:
Albert H. Hyamson, Palestine under the Man- date 1920-1948 (GreatBritain: Methuen,1950), pp.1-2.
(4) ريجينا شريف، مرجع سابق، ص۸۱.۷۹.
(5) المرجع نفسه، ص ۱۳۸۹، ص ۱۳۷ ۱۳۹، وص ١٤٣١٤، وأيضًا 11-8 Hyamson, op.cit.
(6) Herber Samuel, Great Britain and Palestine London: The Jewish Historical Society of Eng- land, 1935), p.9.
(۷) بريارة حداد المواقف البريطانية في فلسطين بين عامي ۱۹۱۸ و۱۹۲۰، مجلة شؤون فلسطينية عدد ١٧ يناير ١٩٧٣ ص ۱۱۸.
(8) R. Meinerzhagen. Middle East Diary 1956- 1917 (London: The Cresset Press, 1959), p.11
(9) أميل الغوري، فلسطين عبر ستين عامًا «بيروت دار النهار للنشر، ۱۹۷۲، ص 28.
(۱۰)einerthagen, op.cit 6. Italic added.
(۱۱) ريجينا الشريف مرجع سابق، ص ۱۱۰.۱۰٦).
(۱2) علي حسين خلف الأطماع الاستعمارية البريطانية في فلسطين مجلة شؤون فلسطينية عدد ٦٧، يونيو ١٩٧٧م، ص ٨٦ز
(13)Hyamson, op. cit, p.7.. Ibid. p.8.
(١٤) وأيضًا: ريجينا خلف مرجع سابق، ص ۱۳۲ ۱۳۳۰
(۱٥) ريجينا خلف مرجع سابق، ص 103-151.
(١٦) كامل محمود خلة، فلسطين والانتداب البريطاني ۱۹۲۲ - ۱۹۳۹) طلا «طرابلس ليبيا: المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان (۱۹۸۲)، ص ٤١.
(۱۷) بريجينا الشريف، مرجع سابق، ص ١٤٥.
(۱۸) ملف وثائق فلسطين، إعداد وزارة الإرشاد القومي الهيئة العامة للاستعلامات «القاهرة الهيئة العامة للاستعمالات ١٩٦٩م»، ج 1، ص ۱۲۱.
(١٩) لمزيد من التفاصيل حول الحركة الصهيونية وفكرها وتطورها، انظر: عبد الوهاب المسيري، الأيديولوجية الصهيونيةسلسلة عالم المعرفة رقم (٦١٦٠)، جزءان «الكويت المجلسالوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر، ۱۹۸۲م، يناير ۱۹۸۳م»، وأسعد عبد الرحمن المنظمة الصهيونية العالمية «بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ۱۹۸۲م»
(۲۰) وثائق أساسية في الصراع العربي الصهيوني، إعداد سمير أيوب «بيروت، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع١٩٨٤»، ج۱، ص ۲۰۸.
(۲۱) بربارة حداد، مرجع سابق، ص ١١٦.
(22) Herbert Sidebotham, England and Pales- (22) tine: Essays Towards the Restoration of the Jewish State (London:Constable and Company, 1918), PP 173-201
والفصل الذي اقتطفنا منه كتبه سايدبو نام قبل صدور وعد بلفور، حسبما أشار هو في بدايته.
(۲۳) بربارة حداد، مرجع سابق، ص ۱۱۸.
(٢٤) عبد الوهاب الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، لا، «بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر، (۱۹۸۰)، ص۸۰.۷۸ وحكومة فلسطين تقرير اللجنة الملكية الكتاب الأبيض رقم ٥٤٧٩. النسخة العربية الرسمية القدس حكومة فلسطين ۱۹۳۷)، ص ۲۳ اشتهر هذا التقرير باسم رئيس اللجنة بيل Peel تقرير بيل.
(٢٥) كامل خلة، مرجع سابق، ص 59.
(٢٦) تقرير بيل، ص ۳۲.
(2۷) عقد هذا المؤتمر من ٢4-26 مايو ۱۹۸۲ في تل أبيب بإشراف مركز شيلواح Shaloah لدراسات إفريقيا والشرق الأوسط وجامعة تل أبيب، ونشرت أبحاثه سنة ۱۹۸۸ (انظر الهامش التالي:
Bemerd Lewis, "Epilogue to a Period," in(TA) The Great Powers in the Middle East 1919-1939 , Edited by Unel Dann (New York &London: Holms&Meier,1988).p.421.
(۲۹) انظر مثلاً في الوثائق البريطانية المحفوظة في (lic Record Office (PRO في لندن في ملفات وزارتي الدفاع والطيران: The Strategical Importance of Pales tine, Memorandumby Committee of Imperial Defense, July 1923, Secret, AIR 586/5; Subjects No.5 and No.26 in AIR19/9; and Appreciations on the Middle East in W.O. 1594/106B.
(3۰) حول هذا الموضوع انظر: ريجينا الشريف مرجع سابق، ص 14-17، وص 15-17، وبربارة حداد، مرجع سابق ص ۱۱۹-۱۱۸، وعلى محافظة العلاقات الألمانية الفلسطينية ١٩٤٥.١٩٤١، «بیروت المؤسسة العربية الدراسات والنشر ۱۹۸۱»، ص۲۰۸-۱۹۰.
(3۱) بربارة حداد، مرجع سابق، ص ١١٦ H. Samuel, op.cit. p. 12-13. (Y)
(۳2) المذكرة محفوظة في الوثائق البريطانية في Public (Record Office (PRO في لندن في ملفات الحكومة البريطانية بعنوان The Future of Palestine, Memorandum by H Samuel, Jan 1915, Secret Cat 43/123/37
(٣٤) ريجينا الشريف مرجع سابق، ص ١٦٢، وبزيارة حداد، مرجع سابق، ص۱۱۷.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل