; (76) دولة و 54 مليون كتاب في: معرض القاهرة الدولي السابع والعشرين | مجلة المجتمع

العنوان (76) دولة و 54 مليون كتاب في: معرض القاهرة الدولي السابع والعشرين

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1995

مشاهدات 69

نشر في العدد 1136

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 31-يناير-1995

·       عادة كل معرض.. العلمانيون يستغلون المعرض للزحف تحت القانون والهجوم على الإسلام.

·       الناشرون: انخفضت حركة البيع والشراء لأكثر من 80 % مقارنة بالأعوام السابقة.

·       دعوة محمومة للانطلاق بالمجتمع المدني بعيدًا عن "عراقيل" الدين.

تحالفت عدة عناصر في تهميش الدور الاحتفالي الذي يقدمه معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، والذي انتهت فعالياته في الأسبوع الماضي، يأتي على رأسها ارتفاع أسعار الورق من "300 دولار إلى 750 دولارًا للطن"؛ الأمر الذي انعكس على أسعار الكتب بما لا يتلاءم مع القدرة الشرائية للقارئ المصري، وثمة عناصر أخرى زادت من كساد المعرض لهذا العام من أهمها تزامنه مع امتحانات نصف العام الدراسي حيث لم تتمكن جماهير الطلاب من الحضور طوال أيام المعرض، علاوة على ارتفاع أسعار الحجز للناشرين، الذي لم يقل لأي ناشر عن "سبعة آلاف جنيه" على الأقل، حتى إن باعة الكتب "على الأرصفة" بما يسمى "سور الأزبكية" قد وصل الحجز "للكشك" الواحد الذي لا يتجاوز "مترين × مترين" لأكثر من "1200 جنيه".

أدى ذلك إلى كساد واضح في حالة البيع والشراء حيث يقول الناشرون: إن معدلات البيع هذا العام قد انخفضت عن العام الماضي بنحو (80 %) على الأقل، هذا إضافة إلى أن المعرض قد تزامن أيضًا مع "الأوكازيون" الشتوي للملابس، مما زاد من تشتت المستهلك بين متطلبات العقل والبدن.

ولكن هناك عدة ملاحظات جوهرية تتضافر على إدانة حادة للمعرض هذا العام، بما يفضح العقليات "المعتلة" التي تكمن وراءه والتي تحاول جر البلاد إلى حالة من الصراع المحموم.. نجملها بحياد كامل.. ونترك للقارئ العزيز تكوين رؤيته ورأيه.

الممارسات الأمنية الضاغطة، حتى إنني لم تسلم حقيبتي من التفتيش الدقيق.. وحتى "المصحف الشريف" لم يسلم من تقليب أوراقه بعد فتحه وفحصه، رغم إبراز هويتي وعضويتي لاتحاد الكتاب بمصر.. الأمر الذي زاد من ضيق رواد المعرض خاصة النساء، وحدث ولا حرج عن الإجراءات الأمنية الخاصة بالندوات واللقاءات.

خلو الندوات ذات العناوين الكبيرة من المتخصصين تقريبًا أو إسنادها لغير أهلها تمامًا، مما شكل مفارقة مضحكة مبكية في معظم الندوات.. فمثلًا:

  • ندوة "آليات العمل السياسي" في اليوم الثاني من أيام المعرض كانت قاصرة على الشيوعيين فقط.
  • ندوة "قضايا المرأة والقرن الحادي والعشرين" جمعت "شلة" من غلاة العلمانية اللائي ملأنها بالمغالطات والثرثرة الهشة التي انحصرت في إعلان الحرب على الحجاب، والنقاب والختان.. حتى إن إحداهن قد طالبت بتجريم هذه التصرفات وزفت إلى الناس أن "مجلس الشعب المصري" يقوم حاليًا بدراسة مشروع قانون بتجريم "ختان الإناث" باعتباره ضرورة لحماية الطفل من العدوان عليه!!
  • ندوة "التغيرات الاقتصادية ضمن تحديات الدخول إلى القرن القادم".. خاصة المحور المتعلق منها "بالبنوك الإسلامية" لم يشارك فيها مفكر اقتصادي إسلامي واحد، رغم إتاحة الفرصة لمشاركة غير المسلمين والشيوعيين.. وهكذا.

الزحف تحت القانون

تعمد منظمو المعرض صدم مشاعر الناس، والزحف تحت القانون بخبث.. وذلك بتنظيم ندوات طويلة لمن طالتهم يد القانون لخروج أعمالهم عن الدين والشرعية والأخلاق، لفسادها وانحرافها.. فمثلًا:

  • تم تنظيم ندوة في لقاء مفتوح مع المخرج "يوسف شاهين" لتقديم رؤيته الإبداعية السينمائية، فاستغل كل وقت الندوة للدفاع عن نفسه، والهجوم على الآخرين، لتبرئة نفسه من تناوله الأثيم لقصة "سيدنا يوسف" في فيلمه "المهاجر"، الذي أدانه القضاء وحكم بمنع عرضه وتداوله.
  • تنظيم ندوة تحت عنوان "كاتب وكتاب" في اليوم الثامن للمعرض لرواية نجيب محفوظ "أولاد حارتنا" التي أجد نفسي في غنى عن الكتابة عنها.. التي حكم القضاء مؤخرًا بمنع تداولها وطباعتها واعترض عليها من قبل مجمع البحوث الإسلامية لمخالفتها الصارخة للدين.. لكن.. وعلى الرغم من ذلك تولى منظمو المعرض كبرهم.. وقاموا بتنظيم ندوة.. لم يقم واحد من المشاركين فيها لصلاة الجمعة، حيث عقدت من الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الواحدة من يوم الجمعة 20 يناير الجاري.

أما اليوم السابع فقد كان من أسوأ أيام المعرض وأكثرها هجومًا على الإسلام، تحت ستار "نقد التراث" في إطار محاربة "الإرهاب".. فتمت مناقشة ثلاثة كتب من الكتب التي تعالج هذه القضية من زاوية أحادية علمانية مبتورة، مثل كتاب "كابوس الإرهاب وسقوط الأقنعة" لإبراهيم نافع، وكتاب "استيقظوا أو موتوا" لوحيد حامد، وكتاب "ممولو الإرهاب" لعبد القادر شهيب.


الثقافة السرية

شارك في هذه الندوات من الشيوعيين والناصريين: عبد الستار الطويلة، وإبراهيم عيسى، وعادل حمودة، وفتحي عبد الفتاح.. حيث قال أحدهم: لا بد من فصل الدين عن الدولة، حيث لا تستطيع دولة ما أن تنطلق في عصرنا الحاضر في ظل "عراقيل" الدين التي لا تنتهي.. كما قال آخر: لا بد من "تخليص" "السوق" من "ثقافته السرية" التي تتمثل في زعمه في الزي الإسلامي، والشريط والكتاب الإسلامي وخطباء الزوايا، الذين يمثلون أشد وقود حيوي لدفع الإرهاب وتغذيته!!

وحول مناقشة كتاب د. مصطفى سويف "نحن والمستقبل" الذي يطالب بعلمانية الدولة في إطار من الاستلاب والزيغ الحضاري.. قال د. جابر عصفور في تعليقه: إن هذا الكتاب يأتي ضمن المنهج التأسيسي "لطه حسين" في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" الذي صدر عام 1938 م لرسم الخريطة الفكرية والاستراتيجية لمصر التي لا بد أن ننتقل بها من حاجز ينتمي إلى ماضٍ متخلف "يقصد الإسلام" إلى مستقبل متقدم.. وقال عصفور: لا بد من فكر نهضوي لمواجهة الفكر السلفي، وتطهير البيئة الاجتماعية من كل المعوقات التي تحول المجتمع إلى مرجعية متخلفة فتعوق التقدم، وتمثل أدوات قمع للفكر المدني!!

وعلى هذا "العوج" دارت كل الندوات تقريبًا.. خاصة الندوة التي تناولت "مؤسسة المجتمع المدني.. هل تقوم بدورها"، والتي أدارها د. ميلاد حنا!

ثمة ملاحظة أخيرة.. وهي إزاحة عدد من الأصوات التي كانت تعد من "معالم" معرض الكتاب فيما مضى.. نظرًا لمواقفها الصادقة من دين أمتها وقضاياها.. وعلى رأس هؤلاء الشيخ محمد الغزالي، والدكتور محمد عمارة، ود. محمد سليم العوا.. وغيرهم.

ونقف في ختام هذه الجولة مع لمحتين من داخل قاعة الندوات:

  • اللمحة الأولى: حين قال أحد مسؤولي هيئة الكتاب -الشاعر المنجي سرحان-: المعرض هذا العام تركيز دعائي فج، تخلى فيه عن دوره الثقافي المطلوب تمامًا، واهتم بنواحٍ أخرى غير مطلوبة، وهي أنشطة احتفالية كان يجب أن تكون على هامش المعرض "كالأفلام"، و"القهاوي الثقافية"، و"الأمسيات"، و"أضواء المسؤولين".. كل هذا استهلك وقت المعرض.. فضاع "الكتاب" في "معرض الكتاب".
  • اللمحة الثانية: ذلك الاستحسان الذي لقيه الشاعر المصري "إسماعيل عقاب" حين ألقى قصيدته "الخوف جولتنا الأخيرة" قائلًا: هذه قصيدة مهداة إلى أصدقاء آخر الزمان.. "بيل كلينتون"، و"إسحاق رابين"..

وقال فيها موازنًا بين صدور أبياتها وأعجازها:

لم يعد يكفيك إشقائي ونفيي بعد ما سطرت أنقاضي بضعفي وتسللت إلى حلقي دخانًا ونشرت الرعب قدامي وخلفي ورميت النار تلهو في حصادي ونشرت الريح كي تنهى وتسفي وتطامنت بأني قابع في طعنة مهزومة في نصل سيفي أنت لا تبغي دمي بل كل ديني وانتصاراتي وأحفادي وطيفي شهقة الموت تدوي في رمادي لو أوى مستنزفي في ظل نزفي

وانتهى معرض القاهرة الدولي السابع والعشرون للكتاب ويظل "العلمانيون" يمكرون!!


المشاركون

شارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام 76 دولة وقام (2300) ناشر بعرض حوالي (54) مليون كتاب في "25 صالة عرض".. ولكن رغم هذه الأعداد.. تظل الثقافة "قارئ وكتاب".. وكان القارئ هذا العام مقهورًا والكتاب تائهًا..

 

الرابط المختصر :