العنوان 700 سنة على تأسيس دولة الخلافة و75 عامًا على سقوطها
الكاتب محمد حرب عبد الحميد
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1999
مشاهدات 67
نشر في العدد 1342
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 16-مارس-1999
نموذج الحكم الإسلامي في الدولة العثمانية
- صلاحيات السلطان.. دور شيخ الإسلام.. ووظيفة الديوان الهمايوني في إدارة الحكم
- في ظل الدولة العادلة نال الجميع حق المواطنة.. يهود الاندلس المضطهدون صعدوا لأعلى المراتب السياسية والاقتصادية.. والنصارى والأروم والأرمن عاشوا أعزة.. لكنهم ردوا الجميل بالخيانة
- لها أخطاء.. لكنها أصابت كثيرًا وأضافت للإنسانية فخرًا وللمسلمين عزًّا
- الحكم العثماني ظل إسلاميًّا.. الشورى ديدنه.. والاجتهاد عماده
- كيف زحف النمط الغربي إلى الحياة الاجتماعية.. وكيف تسربت مظاهر الترف الأوروبي بين الرعية؟
- كيف يمكن اتهام الدولة التي أعطت حق المواطنة لكل الملل بأنها أجفت حق العرب؟!
- الأدب والأمثلة الشعبية ترد
- مخطط اليهود لهدم الدولة بدأ بحركة شبتاي زفي مؤسس عصابة «يهود الدونمة».. والكنيسة وإيران كان لهما دور في إثارة الفتن الداخلية
بقلم: الدكتور محمد حرب
رئيس مركز بحوث العالم التركي.
أستاذ التاريخ العثماني- جامعة عين شمس – مصر
سبعمائة عام مرت على نشأة الخلافة الإسلامية أو الدولة العثمانية و75 عامًا انقضت على سقوطها.. وعلى امتداد هذه الفترة البعيدة صدرت العشرات من الدراسات وعقد العديد من المؤتمرات لدراسة هذا الحدث المهم في التاريخ الإنساني، وما زالت الدراسات والمؤتمرات والبحث والتحليل تتواصل.
لكن الدولة. لأنها كانت دولة خلافة إسلامية فقد تعرضت تاريخها لسهام عاتية من الافتراءات والتشويهات أملًا في إسقاط نموذجها في الحكم وإنجازاتها الإنسانية على الأصعدة كلها، والهدف واضح وهو تثبيت تلك الحقبة من التاريخ في الخانة السوداء.. ولذا فإن تلك الفترة من التاريخ ما زالت في حاجة إلى مزيد من الأبحاث الموضوعية المحايدة التي تضعها في مكانها الصحيح.
المجتمع وهي تسلط الضوء على هذه المناسبة تفتح بذلك الملف مرة أخرى لتذكر العلماء والمفكرين المتخصصين بأهميته حتى يعيدوا قراءته من جديد وفاءً بحق الأجيال.
بدأت الدولة العثمانية بداية إسلامية تمثلت في قيام المؤسس عثمان بن أرطغرل عقب توليه الإمارة، جمع مشايخ الإمارة قائلًا لهم: «إني أملك القوة مع القدرة على الجهاد، لكني أترك لكم تنظيم مجتمع هذه الإمارة حسب ما يقتضيه علمكم» وابتداءً من عام 1299م قام هؤلاء المشايخ بتنظيم شؤون المجتمع العثماني على أساس الكتاب والسُّنّة واجتهادات المجتهدين، وكبرت الإمارة وأصبحت سلطنة ثم سلطنة وخلافة.. أساسها الإسلام والمرجعية الدينية لمؤسسة «مشيخة الإسلام» حتى أصبح شيخ الإسلام شخصية موقرة مسموعة الكلمة لدى السلطان والرعية، وكان كل سلطان عثماني ابتداءً من السلطان سليم الأول يحكم له وصفين: سلطانًا يأمر بالإجراءات التنفيذية، وخليفة يأمر السلطة التنفيذية بتنفيذ ما يرد إليه من مشيخة الإسلام، ساد العدل الدولة العثمانية حتى وصفها الأوروبيون بتعبير «الأمان العثماني».
أما الشورى فقد كانت ديدن الحكم من بدايته حتى نهايته، ومثل الشورى في هذا مثل العدل، ذلك لأن الدولة العثمانية كانت تُدار بواسطة «الديوان الهمايوني»؛ حيث الوزارء وكبار رجال الدولة وكبار علماء الإسلام يمثلون فيه، وبالتالي كانت هناك المساواة في المواطنة العثمانية، والأمثلة كثيرة، وإليكم هذا المثال النادر في التاريخ، فقد أمر القاضي بقطع يد السلطان محمد الفاتح وهو من هو في تاريخ الخلافة، وذلك بسبب اعتداء جنوده على أرض يمتلكها رومي، وكان الحكم سيأخذ طريقه للتنفيذ لولا أن تنازل الرومي عندما وجد سلطان الدولة بهيبته يدخل المحكمة ويقف بجواره أمام القاضي، والقاضي يحكم ولا يلتفت إلى السلطان إنما يعامله على قدم المساواة؛ ذلك لأن الشريعة الإسلامية لا تفرق عند هذا القاضي بين سلطان ورعية.. لقد ولَّد العدل العثماني في نفوس الرعية من يهود ونصارى حب الدولة العثمانية، لأنهم وجدوا فيها العدل والأمان والمساواة، والقائمة طويلة بأسماء الوزراء والولاة وكبار موظفي رجال الدولة من ملل غير إسلامية، وتكفي المعلومة المعروفة أن خير الدين باشا التونسي كان في عهد الدولة العثمانية عبدًا رقيقًا، ثم أصبح وليًا على تونس حتى أنه تلقب بالتونسي، وهو الذي وصل إلى درجة الصدارة العظمى، ومعه خاتم السلطان.
وعندما طلبت ولاية مصر العثمانية من العاصمة إسطنبول أن ترسل لها من ينظم اقتصادياتها أرسل السلطان إلى مصر – وهي أهم ولاية عثمانية- نوبار باشا وهو أرمني نصراني.
ولم تغب قيم العدل والشورى والمساواة إلا عندما قام فريق من أبناء الدولة العثمانية من الذين تلقوا تعليمهم في الغرب، أو تأثروا بالفكر الغربي، واحتلوا مكانة وظيفية كبيرة في دولتهم، فأطاحوا بالنظام العثماني وأبدلوه بالنظام العلماني، ومثال ذلك تلك النخبة المثقفة التي أفرزتها عملية إعادة تنظيم الدولة على النمط الغربي والمعروفة بالتنظيمات.
ولما تطورت هذه النخبة، وسيطرت على المناصب المدنية وعلى الأماكن الحساسة في الجيش؛ قاموا بانقلابهم المشهور عام 1908-1909م، وأسقطوا شعار الدولة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وأبدلوه بشعار الثورة الفرنسية «حرية- إخاء- مساواة»، وكأن الإسلام يفتقر إلى هذه المبادئ.. ومنذ أن تولوا السلطة غابت القيم الأصيلة من الدولة، ودخل هؤلاء في صراع مع بعضهم البعض على السلطة، ثم زجوا بالدولة في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، وهي الحرب العالمية الأولى، ولم تخرج منها الدولة إلا منهارة، والغريب أن كثيرًا من المؤرخين يدينون الدولة العثمانية بإدانات منها: فرض اللغة التركية على بلاد العرب، ونصب المشانق للعرب في بيروت وسورية وهي براء من هذه الجرائم،؛إذ إن هذه الأحداث قد جرت والسلطة في يد العلمانيين الذين استمر حكمهم ما يقارب العشر سنوات والدولة العثمانية منهم براء، وإنما حدث هذا في عهد «حكم الاتحاد والترقي: جمال- أنور- طلعت».
عوامل انهيار الدولة:
عوامل انهيار الدولة كانت ذات شقين: شق خارجي يتمثل في عدم استفادة الدولة من التكنولوجيا الغربية وقت ظهورها وبروز الرأسمالية المتوثبة في الغرب وما تدفع إليه من إنتاج السلاح والغزو والاستعمار، والبحث عن مصادر الطاقة والموارد الطبيعية اللازمة لتشغيل المصانع في العالم الغربي، وقلة احتياطي الذهب والفضة في الدولة العثمانية مع ظهور الذهب بشكل هائل في الأرض الجديدة المكتشفة حديثًا المسماة الولايات المتحدة الأمريكية، وظهور الآلات البخارية في أوروبا.
أما الشق الثاني فهو داخلي، ويتمثل في الترف الذي ساد قصر السلطان، وعدم ترشيد الثروات الهائلة التي كانت في الدولة، ثم انتشار هذا الترف بين الرعية، وكان لأوروبا الأثر الكبير في هذا الترف؛ إذ إن الدولة عندما أرادت أن تصلح من حالها على النمط الغربي أرسلت الشبان إلى أوروبا فعادوا ينقلون مظاهر الترف الأوروبي إلى بلادهم.
وقد كان القصر الذي كان يعيش فيه السلطان، ويحكم منه الدولة بسيطًا جدًّا طالما كانت القيم الإسلامية في الحياة الاجتماعية تسود المجتمع العثماني، لكن عكس هذا حدث عندما وصلت الفكرة الغربية إلى العثمانيين في عقر دارهم، فنقلوا مظاهر الزي الفرنسي بما فيه من التزيينات الذهبية، وأصبح العثمانيون يرتدون ملابسهم محلاة بالذهب تقليدًا للغرب، ويذكر المؤرخون أنه حدث الانتقال في تجارة الذهب من أيدي العثمانيين إلى أيدي الأروام والـأرمن، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن خرجت تجارة الذهب من يد المسلمين.
وإذا نظرنا إلى تعامل الدولة مع الرعية بمختلف أجناسها وطبقاتها فإننا نجد أن الدولة العثمانية تميزت بعدم الانزلاق إلى التعامل مع الشعب على اتساع رقعة الأرض بالميزان القومي، فكم من والٍ بوسنوي يأتي من البوسنة ليدير ولاية مصر –على سبيل المثال- ويحبه المصريون ويعمل هو على خدمة المصريين.
إن حق المواطنة –كما أشرنا من قبل- كان مكفولًا في الدولة العثمانية طوال حكمها، فالدولة التي حكمت وأكرمت اليهود المطرودين من الأندلس، وأعطت لهم حق المواطنة فصعدوا في مراتبها الوظيفية هي التي تعطي حق المواطنة للأروام والأرمن والكرج «الجورجيين» وهي الدولة التي أعطت حق المواطنة وحق حماية المواطن فيها البوغوميل في البوسنة، والكاثوليك في الولايات الأوروبية، والأرثوذكس في اليونان.
وعن اهتمام الدولة المركزية بولاياتها فلا شك في أن المثقف المسلم يعي أن الدولة العثمانية كانت دولة كونفدرالية بالمعنى الحديث، فالجيش والميزانية في يد الحكومة الفيدرالية في العاصمة اسطنبول والولايات حرة في نطاق الدولة في الاهتمام بشؤونها مثل الولايات المتحدة الأمريكية الآن، المستقلة إداريًّا واجتماعيًّا، بينما تدير واشنطن الخطوط الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية والجيش والمباحث الفيدرالية.
الدولة وقضايا المسلمين:
هل تخلفت الدولة العثمانية عن نُصرة قضايا المسلمين في العالم؟
الإجابة: لا.. فعندما حدثت محنة الأندلس وهُجر المسلمون واليهود منها وظَّف السلطان العثماني خير الدين برباروس لحماية الفارين بدينهم وبأرواحهم من الأندلس إلى الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط؛ حيث تقع هذه البلدان تحت حماية الدولة العثمانية برغم أن الدولة العثمانية وقتها كانت في حالة سياسية صعبة؛ لأنها كانت مهددة بالانقسام فقد مات الفاتح وخلف ولدين كان الجنود يحبون أحدهما، أما الثاني فقد كانت له حنكة الحاكم، فتحارب الإخوان «بايزيد» و«جم» وانهزم «جم» ثم هرب إلى مصر؛ حيث صادقه السلطان المملوكي «قايتباي» لكنه لم يناصره على أخيه خوفًا من التدخل في شؤون الدولة العثمانية الداخلية، فتركه «جم» ووقع في يد فرسان القديس يوحنا، الذين حملوه إلى بابا روما الذي أسره وحاول إغراءه بتكوين جيش يكون «جم» على رأسه ليحارب أخاه «بايزيد» وكان هدف البابا هو إنهاك الأخوين حتى تضعف الدولة وتزول من الوجود، ثم ينفرد بالسيطرة على العالم ويصبح النظام العالمي في يده.
نصرة المسلمين:
ترى هل تخلفت الدولة عن نصرة الجزائر أو تونس أو مصر عندما التهمها الاستعمار الغربي؟ الإجابة واضحة.. فالدولة لم تتخل عن نصرة المسلمين في أي مكان في العالم، لقد دافعت الدولة العثمانية وهي في أشد مراحلها ضعفًا عن الجزائر وتونس وليبيا بطرق دبلوماسية ودولية بعد أن عجزت عن الدفاع عنها عسكريًّا، وفي الوقت نفسه كانت إسطنبول تقود حركات مقاومة إسلامية في شمال إفريقيا اشتكت منها فرنسا وإيطاليا، والأرشيف العثماني والأرشيف الفرنسي يحتفظ بوثائق من هذا القبيل.
هل كان الأتراك ينظرون للعرب على أنهم مواطنون على قدم المساواة معهم؟ هذا سؤال يمكن أن نجيب عنه بأن الأتراك الذين نظروا لليهود والنصارى؛ بل وأعطوهم حق المواطنة الكاملة هل كان يمكن أن يقصروا في هذه النظرة للعرب؟ مستحيل.. لأنها كانت مواطنة على مستوى الدولة الإسلامية التي تطبق شرع الله بحذافيره دون أي تدخل من البشر «هذا باستثناء عشر السنوات التي حكم فيها الفكر العلماني الدولة العثمانية، وهي آخر عشر سنوات في عمرها»، والأدب التركي يمكن أن يجيبنا عن هذا السؤال، والأمثلة الشعبية التركية فيما قبل الاتحاد والترقي تقدم لنا صفات العرب في الوجدان التركي: العرب «قوم نجيب عرب»، والعرب في الوجدان الشعبي التركي قوم يتميزون بالذكاء، وكالعرب في الأدب الرسمي التركي هم موطن الإسلام الأول.. منهم ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله القرآن بلغة العرب، ووصف الشاعر الأعظم لدى الأتراك عبد الحق حامد في شعره ومسرحياته: العرب أنهم مثال الإباء والشمم، والعزة، والكرامة، والجهاد، كما وصف المرأة المسلمة بالعفة، والبطولة، والشجاعة، وحرصها على تربية جيل مسلم يحمل راية الإسلام إلى كل بقاع الأرض.. ووصف الشيخ غالب، الأديب العثماني الكبير العرب بكل الصفات العظيمة، وأنهم المثل الإنساني الذي يجب أن يحتذى.
وفي إطار تساؤلاتنا يبرز سؤال مهم عن دور الحروب في تقويض الدولة؟ والحقيقة أن الحروب التي كانت بين الدولة وبين أوروبا أو بين الدولة وبين روسيا، أو بين الدولة وإيران وهي محاور الحروب التي كانت تضمن سياسة الدولة العثمانية كان لها الأثر الأكبر في جعل الأمة العثمانية تقف دائمًا على أهبة الاستعداد وهو ما جعلها دولة ذات هيبة.
وبالإضافة إلى ما وراء هذه الحروب من فوائد جمة للإنسانية كلها ولأوروبا بالذات وللدولة العثمانية أيضًا من نشر الإسلام بعقيدته وسلوكياته واقتصادياته وعدله في أوروبا، ومن تأثير ثقافي وفني متبادل بين العالمين الإسلامي والغربي، ومن ازدهار الحياة الاقتصادية في كل أرجاء الدولة العثمانية، فمثلًا تأثر المعمار العثماني والإسلامي بأقصى ما وصل الغرب إليه من نظام معماري، والذي كان جديدًا على المسلمين فاستفادوا منه، وترجمت أعمال إسلامية إلى لغات أوروبية، ولكن عندما ضعفت الدولة العثمانية عن اللحاق بأسباب التكنولوجيا الحديثة التي عمت العالم الغربي وتأخرت الدولة؛ كانت الحروب وبالًا عليها، خاصة أنه ظهرت في فترة الضعف مظاهر انهيار في كل نظم الدولة.. من مؤسسات عسكرية وعلمية، أبسطها أن علم الرياضيات والتشريح والكيمياء التي كان يدرسها طلاب الشرع الإسلامي ظلت كما هي دون تقدم، ودون العمل بما جرى في هذه العلوم من تطور، وعندما تولى أصحاب الفكر الغربي مقاليد الحكم في الدولة العثمانية وكانت الدولة ليست في حالة تسمح لها بالحرب، اتخذ جمال وأنور «علمانيان» قرارًا بالتحالف مع ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وكان الشبان من «السادة الجدد» غير ذي خبرة لا بالحرب ولا بالسياسة، فقد أهمل أنور ساحة الحرب في الشرق الأوسط، ووجه جنود الدولة العثمانية إلى روسيا لتحرير بلاد آسيا الوسطى من الحكم الروسي دون أن يضع في ذهنه ضعف النظام العسكري في بلاده ودون النظر إلى شتاء روسيا القارس، وأمر الجيوش بدخول روسيا وتحرير الشعوب التركية في آسيا الوسطى؛ ليكون بذلك الدولة الطورانية التي كان قادة الاتحاد والترقي يحلمون بها «الدولة الطورانية هي دولة الجامعة التركية، بمعنى جعل أتراك الأناضول وآسيا الوسطى في دولة قومية واحدة»، فلما هُزمت ألمانيا في الحروب العالمية الأولى؛ انهزمت الدولة العثمانية أيضًا وانتهت.
دور اليهود في سقوط الدولة:
تُرى هل كان لليهود دور في إسقاط دولة الخلافة العثمانية؟ الإجابة بكل تأكيد.. كان لليهود دور في إسقاط دولة الخلافة العثمانية، برغم أنها كانت الدولة الوحيدة التي أوت اليهود الذين فروا من الأندلس، وأعطتهم حق المواطنة وحمتهم، وأوصلت اليهود إلى أرفع درجات السياسة والاقتصاد فيها - كما أسلفنا القول - لكن اليهود لم يحفظوا الجميل للدولة العثمانية، فانتهزوا فرصة ضعفها، وكتلوا أنفسهم للمشاركة في هدمها.
بدأ تخطيط اليهود لإضعاف الدولة العثمانية بشكل واضح ابتداءً من حركة شيتاي زفي مؤسس عصابة يهود الدونمة التي ظهرت في أحرج أوقات الدولة العثمانية في النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي.
ويهود الدونمة هم أولئك الذين قادوا حركة إظهار الإسلام وإخفاء اليهودية، وعملوا في الوقت نفسه على الإطاحة بالمبادئ الإسلامية في الدولة العثمانية في تركيا، ويهود الدونمة هم الذين وفروا الحماية لجماعة الاتحاد والترقي، وهم الذين حاربوا السلطان عبد الحميد، وهم الذين شجعوا سفور المرأة، وهم أول من قالوا: «إن الحجاب ليس من الإسلام إنما انتقل من الروم إلى المسلمين» وهم الذين طرحوا قضية اختلاط الشباب بالفتيات في الجامعات، وهم الذين تبنوا فكرة مسابقة ملكات الجمال في تركيا، وهم الذين امتلكوا وسائل الإعلام في أواخر عهد الدولة العثمانية بل وفي تركيا الحديثة، وهم الذين أفرزوا دعاة العلمانية؛ سواء في الاقتصاد والمالية مثل «محمد جاويد» «ونزهت فائق» وهم الذين أبرزوا منهم أيضًا أعلام الإعلام العلماني في تركيا مثل الكاتب أحمد أمين يلمان وكان صديقًا للرئيس المصري الأسبق عبد الناصر وكذلك «عبد الله أيبكجي» وأخوه «إسماعيل جم أيبكجي» الكاتب الصحفي التركي المشهور، والذي يقوم الآن على رأس السياسة الخارجية التركية وهو وزير الخارجية التركية الآن، وهو من سلالة عائلة أيبكجي اليهودية المشهورة بالثراء والنفوذ، وهي العائلة التي كانت تحمي حركة الضباط الأحرار الذين قاموا بالانقلاب المشهور عام 1908م- 1909م، وهم الذين أوجدوا الفكر الماركسي في أواخر الدولة العثمانية، وهم الذين خدموا قضية قيام إسرائيل قبل أن تقوم.
لكن يبقى هناك عنصر آخر مهم يبين أسباب سقوط الدولة العثمانية يتمثل في الكنيسة وإيران.. أما إيران فمعروف أنها كانت تتحالف مع نصارى أوروبا لتطويق الدولة العثمانية والمشاركة في ضربها، وكان لإيران اليد الطولى في قيام حركات إرهابية طائفية اتصفت بالتمرد على سلطة الدولة العثمانية، وكلفت هذه الحركات الدولة العثمانية الكثير خاصة تلك التمردات التي أطلت برأسها في عهد ضعف الدولة.. ذلك لأن الدولة في إيران كانت عاجزة عن تغيير مذهب المجتمع العثماني، فلجأت إلى إثارة الفتن الداخلية في الدولة والتحالف مع الغرب ضد العثمانيين، أما عن الكنيسة ودورها في إسقاط الدولة العثمانية، فهذه قضية كبيرة.. فقد تسامحت الدولة مع النصارى وأعطت مزايا كبيرة للكنيسة في إدارة شؤون نصارى الدولة، لكن الكنيسة الأرثوذكسية بالذات انتهزت فترة ضعف الدولة، وقامت بإثارة الفتن في الولايات البلقانية التابعة للدولة العثمانية، بعد أن تحالفت الكنيسة مع روسيا في إشعال الفتن في كريت واليونان وبلغاريا وغيرها من أجزاء الدولة العثمانية، وإن الحركة الانفصالية لليونان عن الدولة العثمانية إنما قامت بتخطيط دقيق ومنظم استمر زمنًا طويلًا صبرت فيه الكنيسة الأرثوذكسية صبرًا طويلًا، وخزنت الأسلحة في الكنائس، كما بنت كنائس كثيرة في أماكن بعيدة ومختلفة، ودربت الكنيسة بعض نصارى هذه المناطق على إقامة بعض الجمعيات الخيرية، والجمعيات الثقافية، وجمعيات لإحياء التراث اليوناني القديم واللغة اليونانية القديمة، واستعانت الكنيسة بضباط متطوعين روس ليدربوا الانفصاليين الأروام على السلاح، فلما جاءت اللحظة المناسبة نفذت الكنيسة عملياتها ضد الدولة العثمانية، واستقلت اليونان عن الدولة العثمانية، وللعلم فإن أثينا كانت حتى عهد استقلال اليونان عن الدولة وقفًا على الحرمين الشريفين.
لقد كانت الدولة العثمانية مساحة مباركة في زمن المسلمين وجزءًا رحبًا في حضارة البشر اتسم بالسمو، جاهدت واجتهدت أصابت كثيرًا ولها أخطاء، لكنها أضافت للإنسانية فخرًا وللمسلمين عزًا.