; علم التاريخ (3) الثقافة في الحضارة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان علم التاريخ (3) الثقافة في الحضارة الإسلامية

الكاتب أحمد الفوزي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

مشاهدات 83

نشر في العدد 414

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 03-أكتوبر-1978

نشطت الحركة العلمية والأدبية في العالم العربي بعد الفتح الإسلامي ووجد العلماء والأدباء التشجيع العظيم من الخلفاء والسلاطين والأمراء والوزراء الذين بنوا لهم المساجد والمدارس وأجروا عليهم الأرزاق والصلات العظيمة؛ الأمر الذي جعلهم يتفرغون للعلم فينتجون هذا النتاج العلمي والأدبي الكبير الذي ساهم مساهمة فعالة وإيجابية في بناء صرح الحضارة الإنسانية، ومن هذا النتاج العظيم علم التاريخ الذي نشط نشاطًا عظيمًا بفضل تلك الروح العظيمة التي بثها الإسلام في نفوس أتباعه، وتقدمت طرق البحث حتى صار المؤرخ العربي لا يروي حدثًا إلا إذا رأه شخصيًا أو سمعه ممن يثق به، ولا يخفى تأثير علم الحديث على هذا المنهج العلمي السديد الذي نراه واضحًا لدى بهاء الدين بن شداد؛ إذ يقول في كتابه –سيرة صلاح الدين:- ما سطرت إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق به خبرًا يقارب العيان.

  • ازدهار علم التاريخ

صار علم التاريخ في العصر العباسي الرابع العلم الرئيسي الذي لا بد لكل مثقف من أن يلم به ويتمثله؛ الأمر الذي حدا بالمؤرخين أن يقعدوا، في المساجد الجامعة يعرضون على الطلبة أحداث التاريخ إلى جانب حلقات القرآن والعربية وغيرها.

  • طرائق المؤرخين..

ولا بد لنا من أن نتحدث عن مجالات البحث التاريخي حتى نستطيع أن نتعرف على مدى النضج الذي وصل إليه علم التاريخ على أيدي الأجداد.

من المؤرخين من أرّخ الأخبار بحسب توالي السنين على طريقة ابن جرير الطبري، مثل أبي الفداء في كتاب المختصر في تاريخ البشر –وابن كثير صاحب البداية والنهاية وغيرهما، وهذه الطريقة وإن كانت تعطينا كل الحقائق والدقائق إلا أنها تشتت الوحدة التاريخية.

ومن المؤرخين من ألّف في التاريخ الخاص، كأن يتحدث عن تاريخ مدينة هامة أعجب بها أو لأنها مدينته نشأ فيها وترعرع مثل ابن العديم الذي صنف بغية المطلب في تاريخ حلب، ثم مختصره زبدة الحلب في تاريخ حلب، ومثل ابن عساكر في تاريخ دمشق وابن تغري بردي في –النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة وغيرهم.. أو أن يتحدث المؤرخ عن شخصية هامة كان لها الأثر العظيم في تاريخ البشرية، مثل ابن هشام في كتابته لسيرة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، ومثل بهاء الدين بن شداد في كتابه سيرة صلاح الدين.

ومن المؤرخين من أرّخ لطائفة معينة متميزة فنراه يتحدث عن أسرة حاكمة كان لها سلطان وجبروت، مثل ابن واصل الحموي الذي صنف كتاب مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، والقفطي في كتابه – إنباه الرواة على أنباه النحاة، وياقوت الحموي في معجم الأدباء وغيرهم.

ومن المؤرخين أيضًا من كتب التاريخ على شكل تراجم للأعلام والأعيان، ومن أهم هذا النوع من الكتب –وفيات الأعيان- لابن خلكان الذي لا يكاد يستغني عنه باحث، وكتاب الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة لابن حجر وغيرهما كثير.

وكتب بعض المؤرخين لقبيل من الناس فقط مثلما فعل أبو صالح الأرمني في كتابه الذي أرّخ فيه للأرمن بالقاهرة وغيرهما من المملكة المصرية منذ أستولى الأيوبيون على مصر.

ومن المؤرخين من اكتفى بمذكرات شخصية سجّل فيها ما رآه في أثناء حياته، ومن هنا أتت أهميتها الكبرى، وذلك لأنها تميزت بالدقة في تصويرها للأحداث، مثل كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ الذي وصف فيه كثيرًا من تاريخ حياته في مصر والشام وما شاهده فيها من معارك بين المسلمين والفرنج، كما ذكر بعض تاريخ أسرته وأشعاره في مناسباتها.

وأخيرًا اختصر المؤرخون مؤلفات غيرهم أن نظموها شعرًا حتى يسهل حفظها والاستفادة منها، مثل أبي شامة الذي اختصر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، والخضراوي الذي نظم سيرة ابن هشام، والديريني الذي نظم السيرة النبوية المطهرة.

وهكذا نرى روعة الحضارة العربية حضارة الآباء والأجداد.

الرابط المختصر :