العنوان 12 قاعدة ذهبية لحفظ القرآن الكريم
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2002
مشاهدات 88
نشر في العدد 1495
نشر في الصفحة 56
السبت 06-أبريل-2002
استحضر نيتك... استيقظ مع يقظة الكون... حدد نسبة يومية للحفظ ولا تغير مصحفك
تضيء موائد القرآن في البيوت والمساجد، وتتلألأ أنواره بين السماوات والأرض ويظل شغل الناس الشاغل: كيف نعلم أبناءنا القرآن؟ وكيف ننطقه بلسان عربي مبين غير ذي عوج؟ إليك أيها القارئ بعض هذه القواعد الذهبية لعلها تكون عونًا على سلوك الطريق المستقيم، وعددها ۱۲ قاعدة:
1- الإخلاص: إخلاص النية وإصلاح الطوية أساس القبول لكل عمل، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر: 2-3).
فلا أجر ولا ثواب لمن قرأ القرآن فصاحة وروعة وقد شابها شيء من الرياء والسمعة.. فاستحضر نيتك أولًا، وعلم أولادك ما استطعت معنى النية في الأقوال والأعمال، وقيمة عقدها في كل ما يصنعون.
2- البركة في البكور: من أراد أن يفتح الباب من غير مفتاحه، فقد طلب النور في غير مصباحه فالمؤمن يتيقظ مع يقظة الكون، وعليه أن يستهل إشراق القرآن في نفسه، مع إشراق شمس الله على مخلوقاته، حيث الذهن أصفى، والقراءة أشفى والوقت أكفى، والبركة أعم وأنفع وببركة البكور الذي حبب إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «بورك لأمتي في بكورها» (رواه البخاري)، وببركة القرآن الذي تستهل به يومك الجديد منشرح الصدر نشيطًا، يستقر القرآن في نفسك.
3- الإصغاء والإنصات يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 204). ولعله لا يخفى أن الإنصات مناط الرحمة، فهو الوسيلة المثلى لمخاطبة الخفايا والأسرار والتدبر والفهم والاستغراق والعلم.. وعلى المتعلم أن يدرب نفسه وغيره على هذا الفن الأصيل، الذي لا يقل أهمية عن القول والنطق والإبانة، بل يفوقها أحيانًا، والصمت حيناً يُعد من البلاغة في الكلام.. وعن طريق الإصغاء والاستماع والإنصات يتأتى الاستيعاب والتركيز بلا غموض ولا التواء.
4- تصحيح النطق والقراءة: وسائله في هذا العصر لا تُعد ولا تُحصى.. فهناك الوسائط السمعية والبصرية وهناك القراء المجيدون.. ولكن عليك أن تعلم أن القرآن لا يؤخذ إلا بالتلقي جهرًا، فقد أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفصح العرب لسانًا من جبريل شفاهًا، و«كان الرسول نفسه يعرض القرآن على جبريل كل سنة مرة واحدة في رمضان وعرضه في العام الذي توفي فيه عرضتين» (رواه البخاري).
وكذلك علّمه الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه شفاهاً، وأخذه عنهم الناس جيلاً بعد جيل، وهذا الأساس لا بد منه، مهما كان القارئ فصيحًا في لغته عليمًا بها.. فهناك في القرآن آيات كثيرة قد تأتي على خلاف المشهور من القواعد العربية المعروفة.
ويكون هذا التلقي عن قارئ مجيد.. وإن لم يتيسر في رحلة القراءة كلها.. فعلى الأقل يجب الرجوع إليه في البداية، وعند مواطن الالتباس.
5- تحديد نسبة للحفظ كل يوم: كثيرًا ما يدفع الحماس صاحبه إلى مغالبة نفسه في حملها على حفظ أكبر عدد من الآيات والسور، وبمرور الأيام يعمد إلى اختبار نفسه، فيجد نتيجة غير مشجعة، إذ تبدد حفظه، وطار أدراج الرياح.. فيصاب الحافظ بخيبة الأمل، التي كثيرًا ما تقعد به عن مواصلة الشوط.. ثم تجده يحاول مرات عدة.. وهو غافل عن أنه يعيد الكرة تلو الكرة.. سالكًا السبيل الخاطئ نفسه.. في حمل النفس على ما لا تستطيع.
عندئذ تراه يفقد الثقة في قدرته على الحفظ ثم تتلاشى فورات الحماس الزائدة عنده.. ويسلم نفسه إلى النتيجة المريرة.
من هنا.. يجب على مريد القراءة والحفظ، أن يحدد ما يستطيع حفظه في اليوم، بيسر وأناة، حتى لو كان آيتين أو ثلاثاً.. لا يجاوزها مهما كانت طاقته... وإن غالبه حماسه فليفرغه في الاستعادة والمراجعة حتى يجيد الحفظ تمامًا.
6- صلِّ بما حفظت أولًا بأول: خير وسيلة لتثبيت ما حفظت أنت وزوجك وأولادك، أن تصلي بما حفظته أولًا بأول، خاصة في الصلاة السرية ولا تصل به في الجهرية إلا بعد تمكنك ولا سيما لو كنت إمامًا.. فإن التبس عليك التسميع في الصلاة، فأكمل قراءتك مما تجيد حفظه- دون تنكيس- ثم ارجع عقب الصلاة مباشرة إلى إعادة تثبيت مواطن الالتباس.. عندها بإذن الله تعالى.. لن تنسى هذه الآيات مرة أخرى أبدًا.
ومع تعمقك في الحفظ، وحبذا لو كانت مراجعتك لما حفظت بالترتيب في الفرائض والنوافل، فإن هذا مما يثبت الحفظ تمامًا.
7- عليك برسم واحد لمصحف حفظك:: تعددت طبعات كتاب الله تبارك وتعالى في زماننا هذا بتعدد الديار والأقطار.. ومن ثم اختلفت كثيرًا مواطن الآيات ومواضعها من صفحات كتاب الله عز وجل.. ولأن العين تحفظ مع الأذن والقلب، فإن على الحافظ- سيما إذا كان صغيرًا- أن يتخذ لنفسه مصحفًا واحدًا للحفظ... وليحرص على أن يكون عنده نسخ عدة من تلك الطبعة التي يحفظ منها، ولا يغير هذه الطبعة مطلقًا لأن صور الآيات ومواضعها في المصحف، تنطبع في الذهن مع كثرة التلاوة والقراءة والنظر في المصحف. أما مع تغيير طبعة المصحف، أو الحفظ في مصاحف مختلفة الطبعات فإن هذا التركيز يتشتت إلى حد كبير.. فاحرص على مصحف واحد للحفظ.. وأطلق عليه في بيتك «المصحف الإمام».
8- الفهم طريق الحافظ: من عزَّ عليه فهم القرآن وصعبت عليه معرفته، تعسر عليه حفظه، وكثر فيه غلطه قال صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا مسلم).
لذلك يجب على الحافظ أن يقرأ تفسيرًا ميسرًا للآيات التي يحفظها، ويكتفي للأولاد بمعاني الكلمات والمعنى الإجمالي الميسر لموضوعها من السورة، مع إحاطة عامة بمعنى كل سورة... وليحذر الحفاظ أن يعتمدوا على الفهم في الحفظ.. بل الحفظ هو الأساس خاصة عند القراءات الطويلة، فالحفظ الحفظ. ثم الحفظ حتى يصير سليقة مستقيمة، وفطرة طيعة، تربط الآيات والسور بيسر وسهولة.
10- التسميع والمتابعة الدائمة: المؤمن بالقرآن حالٌّ مرتحلٌ.. لأن القرآن الكريم يختلف كثيرًا عن غيره من المحفوظات. فهو سريع التفلت.. ولعل هذا من أسراره لكي تديم المراجعة والحفظ والقراءة والتعبد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها» (متفق عليه).
فلا تعتمد على الحفظ وحده، مهما كانت درجة حفظك، بل يجب أن تعرض نفسك دائمًا على حافظ آخر، تخلوان إلى ربكما الساعات في التسميع والمراجعة، لأن التسميع للنفس، أو المراجعة من قراءتك وحدك قد لا يلفتان نظرك إلى مواضع الخطأ عندك، لأن القراءة بالعين كثيرًا ما لا تتواكب أو تتوافق مع التسميع من المحفوظ ولا وسيلة لتدارك ذلك إلا بالمراجعة على حافظ مجيد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت»، (رواه البخاري).
11- احذر المتشابهات: من أوجه إعجاز القرآن الكريم متشابهه في المعاني والألفاظ قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الزمر: 23).
وهناك نحو من ألفي آية فيها تشابه يصل أحيانًا إلى حد التطابق أو الاختلاف في حرف واحد أو كلمة واحدة أو اثنتين أو أكثر من مجمل آيات القرآن التي تبلغ ٦٣٢٦ آية.
فاحرص على أن تصطحب مع مصحف حفظك «رسالة» في المتشابهات، ييسر عليك تثبيت الحفظ وعدم الخلط أو الخطأ.. وهناك عشرات الرسائل الميسرة في هذا الباب مثل «أسرار التكرار في القرآن» للكرماني، أو «درة التنزيل وغرة التأويل» للخطيب الإسكافي، أو «البرهان في توجيه متشابه القرآن» للكرماني أيضًا.
12- اغتنم سنوات الحفظ الذهبية: من سن الخامسة إلى العشرين تقريبًا، فهي الفترة الذهبية للحفظ والتركيز وبرمجة اللحاء المخي، والحفظ في تلك السنوات يكون أكثر، والنسيان أقل فاغتنم تلك الصفحة البيضاء بتسطير آيات الله على لوحها الفضي المضيء.
ومع آداب التلاوة تزداد الآيات تثبيتًا وحلاوة.
الحياة تحت راية القرآن (2-2)
احذر من الجفوة والقطيعة مع مصدر الهداية والرقي
القرآن هو الميدان الأول لجمع الحسنات فحدد لنفسك وردًا يوميًا
عبد الحمید محمد
الخطوة الأولى في الحياة مع القرآن الكريم، تلك الحياة التي تبارك العمر وتزكيه وتنميه، هي إدامة التلاوة لكلام الله المعجز.. القرآن الكريم، فكلما كان المسلم على علاقة قوية به ازداد شوقًا للمزيد، إذ القرآن لا يخلق من كثرة الرد، ولا تمله نفوس المؤمنين.
من أجل إدامة الصلة مع القرآن لتدوم الحياة مع الله تعالى تجد الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بدوام التلاوة والتعهد للقرآن الكريم، ويحذر من الجفوة والقطيعة بين المسلم ومصدر الهداية والرقي.. هذه بعض أحاديث تشحذ الهمم لتلاوة القرآن الكريم وتبين أجر المسلم على ذلك وسموه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقرأوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إنني لا أقول آلم حرف ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر، فتلك ثلاثون» (صحيح الجامع 1164).
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن لله تعالى أهلين من الناس قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» (صحيح الجامع 1265) وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها». (البخاري).
الميدان الأول
القرآن الكريم ميدان المؤمن الأول لجمع الحسنات والأجر من عند الله تعالى، وهو الوحيد الذي يجعل المسلم ينتسب إلى الله، وهو ريح المؤمن وطعمه، وهو روح المؤمن في السماء، وذكره في الأرض.
ضرب لنا سلفنا الصالح أمثلة رائعة على علو كعبهم في تلاوة آيات الكتاب الكريم، واستجابوا لتوجيهات النبي الأمين عليه الصلاة والسلام بتعهد قلوبهم بالقرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار حتى إن بعض أولئك السلف الأطهار كان يختم القرآن في ليلة، ومنهم من يختمه في أقل من ثلاث ليال، ومنهم من يختمه في سبع، ومنهم في عشر وفي كُلٍّ أحاديث صحاح «راجع صلاح الأمة في علو الهمة 3/10 وما بعدها».
إلا أننا ونحن ننشد العيش مع القرآن والحياة مع الله، نسعى إلى ربانية نقية خالصة ونحن نعاني من بعدنا عن كلام الله ونتأثر بالبيئة من حولنا، كل ذلك يجعل المسلم يفكر في أمر قلبه ونفسه وآخرته وروحه، ثم في أمر دعوته التي يريد لها القبول على المسلم أن يفكر في ذلك كله ويحدد لنفسه وردًا يوميًا من كتاب الله تعالى لا يفتر عنه ولا يتكاسل ولا يتركه لأي سبب كان. وعلى المسلم أن يقتدي كذلك بسلفه الصالح، ويضرب معهم بسهم وافر في حياتهم مع القرآن الكريم وعلو همتهم في تلاوة كتاب الله تعالى.
إن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه... كلام رب متصف بصفات الكمال والجلال منزه عن النقص والمثال نزل به الروح الأمين على قلب خير الخلق أجمعين فبلغه على أكمل حال. وهذا القرآن ينشئ مسلمًا متصفًا بصفات عليا، تؤهله لأداء دوره الكبير من بعد أن أكرمه الرحمن بالقرآن وجعله نورًا على نور بسند عال وبصورة ناصعة البياض، أفبعد هذا يترك القرآن الحبيب العجيب ولا يتعهده صباح مساء؟ وتسمع دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ونداءه وهو السراج المنير ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: 30).
إن هذا القرآن ليفرق بين المرء وعادته، وينفذ حتى ينصرف بين القلب وإرادته، ويجري في الخواطر كما تصعد في الشجر قطرات الماء، ويتصل بالروح فكأنما يمدها بسبب من السماء، لا جرم أن القرآن سر السماء، فهو نور الله في أفق الدنيا حتى تزول، ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول.
ويظل الحديث عن القرآن ذا شجون لحياة قلوبنا، والرقي بها في معارج القبول، وما من عنصر إلا وهو مقلب صفحة منه حتى لتنتهي الدنيا عند خاتمته فإذا هي البداية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل