; ٤ أسباب وراء دراسات «المجتمع» عن الجامعَة | مجلة المجتمع

العنوان ٤ أسباب وراء دراسات «المجتمع» عن الجامعَة

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1971

مشاهدات 92

نشر في العدد 68

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 13-يوليو-1971

٤ أسباب وراء دراسات «المجتمع» عن الجامعَة

بهذه الحلقة نختتم في هذه الفترة دراستنا عن جامعة الكويت، فلقد دخلت الجامعة -إدارة وأساتذة وطلابًا -في العطلة السنوية الطويلة، كما أنهى مجلس الأمة دورته وأوقف جلساته، ذلك إلى جانب أن كثيرًا من رجال الدولة قد غادر الكويت إلى بلاد أخرى يستجم ويرتاح.

وندرك أن هناك بعض الجوانب لم نتمكن من تقديمها للأسباب الآنفة، وسنتناولها -بإذن الله -بعد انتظام الدراسة في الجامعة، وبعد عودة كثير من المسئولين إلى   البلاد.

وهناك طلبات متزايدة تريد الحصول على جميع الحلقات التي كتبتها «المجتمع» عن الجامعة، وبما أنه من العسير تلبية كل هذه الطلبات، فإننا نعد بأن تلك الحلقات – مع إضافات جديدة -ستطبع في كتاب ليكون في متناول كل من يريد ويهتم بهذا الموضوع.

دومًا نسأل لماذا جرى أمر ما على هذا النحو؟؟

وكيف؟ وندرك أن هذا السؤال من حقنا، ومن مهمتنا ومهنتنا!

وللآخرين -بنفس المنطق ولنفس السبب -أن يسألوا: لماذا كتبت «المجتمع» تلك السلسلة المطولة عن الجامعة؟؟

من حقهم أن يسألوا هذا السؤال، ومن واجبنا أن نجيب عليه، ولقد أفردنا هذه الحلقة لإبداء الأسباب التي وقفت وراء دراستنا عن الجامعة تمدها بالحجة والصبر والاستمرار وطول النفس.

صحيح أن الدراسة نفسها قد تضمنت أكثر من سبب، وأكثر من مبرر.

· فالتقدم العلمي الذي تفتقر إليه أمتنا -ويحتاجه العلم ذاته لذاته -والذي لن يتم

إلا بإزالة العوائق كلها من طريق الأبحاث العلمية، ولن يتحقق إلا بتوفير أنسب الأجواء لتفتح المواهب العلمية وانطلاقها وإبداعها، بلوغ هذا المستوى كان سببًا تضمنته الدراسة في ثناياها.

· ورفع مستوى الخريج كوفاء بالأمانة العلمية في التعليم، وكضرورة لتأهيله بما

يمكنه هو ذاته من القيام بما يناط به من رسالة في المستقبل، هذا -كذلك -كان سببًا تضمنته الدراسة في ثناياها.

بيد أن هناك أسبابًا أخرى هامة لم تذكر من قبل، أو ذكر بعضها في اقتضاب،

ويحتاج إلى مزيد من الإيضاح.

«1» قيم اسلامية

هذه الصحيفة ملتزمة بالإسلام، وهي تنطلق في عملها من تصور إسلامي للمشكلات القائمة، وللحلول المناسبة والممكنة.

ومن هذا التصور أن المرافق الهامة ينبغي أن تناط إدارتها برجال أكفاء مقتدرين على النهوض بها في حسن أداء وأمانة.

هذه قيمة إسلامية لن يصلح أمر هذه الأمة إذا هي أغفلتها -تحت أي مؤثر -ولم تأخذ بها، ولقد أغفلت المجتمعات العربية هذا المعيار الدقيق فهوت إلى القاع.

وإذا كان إغفال هذه القيمة في المرافق الأخرى قد أدى إلى تخلف شنيع فإنه في الجامعة يقود إلى خطر أكبر وأشد تدميرًا.

ولقد تبين لنا أن الجامعة قد تجاهلت هذا المعيار واختارت رجالًا هناك -يقينًا -من هو أكفأ منهم.

واختيار غير الأكفاء لا يتم إلا بتدخل عوامل أخرى ليس من بينها الوفاء لرسالة العلم ولا مصلحة المجتمع، ولا تقدير الكفاءات العلمية.

لقد قلنا: إن الجامعة تقدم الذي هو أدنى على الذي هو خير أثناء اختيار الأساتذة -مثلًا -وهناك شواهد من الصعب -بل من المستحيل -أن تنكرها إدارة الجامعة.

ويوم تختل المقاييس والموازين على هذا النحو الغريب فإن الإسلام يعتبر هذا السلوك مضيعة للأمانة.

وبداية لنهاية الحياة!!

ففي البخاري أن رجلًا جاء يسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

· متى تقوم الساعة؟

· فقال له الرسول: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.

· فقال الرجل: وكيف إضاعتها؟

· فقال الرسول: إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة!

· إذا وسد الأمر لغير أهله، إذا قدم الذي هو أدنى على الذي هو خير، إذا قدم

أستاذ غير كفء لسبب ما، وآخر أستاذ كفء لسبب ما، إذا تدخلت عوامل أخرى -غير الكفاءة -في الترقيات، إذا، إذا، فإن ذلك انهيار حضاري، يطوي الجامعة في أنقاضه.

بيد أنه من العسير أن يقوم وضع كهذا إلا بمقدمات سابقة تؤدي -حتمًا -إليه.

إن هناك خللًا أساسيًا في المسئولية المباشرة عن إدارة الجامعة، وترتب على هذا الخال شلل هنا، وشلل هناك.

وللإسلام في هذا الأمر هدى وله فيه كلمة، فالإسلام يشترط الكفاءة التامة في إدارة المرافق والمؤسسات.

ولقد رفض أن يمكن صحابيًا جليلًا -هو أبو ذر الغفاري -من إدارة عمل لا يقدر عليه.

ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قلت يا رسول اللـه ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.

إن أبا ذر هو الذي قال عنه الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء، أصدق لهجة من أبي ذر» ومع ذلك رفض أن يوليه عملًا.

إنه احترام الكفاءة، وتقدير الخبرة في إدارة الأعمال والمؤسسات وقد يكون الإنسان خطيبًا، ولكنه لا يصلح أن يكون كاتبًا!! وقد يكون فيلسوفًا، ولكنه لا يجيد قيادة سيارة!! وقد يكون أستاذًا نابغًا في علمه، ولكنه لا يصلح للإدارة!!

وهذا هو أول أسباب كتابتنا عن الجامعة.

«2» تراكم الأخطاء

يبدو أن دراستنا النقدية عن الجامعة جاءت متأخرة بعض الوقت، وكان ينبغي أن تتم قبل ذلك بكثير، قبل أن تتراكم الأخطاء، ويصعب -نفسيًا -على من أتاح لها فرصة التراكم أن يعترف بها ويعزم على علاجها.

إن الإنسان أحيانًا ينظر خلفه فيرى أخطاء مثل الجبال ومن ثم يعتقد -وهذا خطأ -إلا سبيل إلى الرجوع، ولا سبيل إلى العلاج فيمضي وهو ينشد:

أنا الغريق فما خوفي من البلل!

وتكون النتيجة مضاعفة الأخطاء وتضخمها.

ولو حدث أنه من أول يوم اختير فيه أستاذ لسبب آخر غير الكفاءة، أو رقي أستاذ وهناك من هو أحق منه بالترقية لو وجه النقد للجامعة بمجرد أن حدث ذلك لما وصلت الجامعة إلى ما وصلت إليه.

والسلطات المركزة في يد واحدة تركيزًا شديدًا، وعقم مناهج الدراسة ونظم الامتحانات، إلخ، هذا أيضًا لو ووجه بالنقد من أول يوم لتهيأ جو أفضل للعلاج والإصلاح.

وبما أن النقد لم يحدث لأول وهلة فقد تراكمت الأخطاء وتكدست.

وحين تصل الأمور إلى هذا المستوى يقف الإنسان -عادة -أحد المواقف التالية:  

· أما أن يعترف بالأخطاء ويعترف بالعجز عن علاجها ويطلب الإعفاء من

المسئولية.

· وأما أن يعترف بالأخطاء ويحس من نفسه -حقيقة لا وهمًا -القدرة على

علاجها ويعالجها فعلًا.

· وأما أن يحاول أن يبرر الأخطاء بمعاذير غير معقولة.

ويلقي على الآخرين التبعة.

والموقف الأخير هو أخطر المواقف، كأن يقال -مثلًا:

إن المدير لا يملك من السلطات ما يمكنه من الإصلاح وأن مهمته هي التنسيق بين الأقسام فقط!!

معنى ذلك أن المدير ليس مسئولًا، وهنا تتضح الخطورة كأشد ما يكون الوضوح.

· فتراكم الأخطاء -فـي ذاته -كما قلنا في افتتاحية العدد الماضي -هو أنسب

مجال لمن يجيدون استغلال الأخطاء في تخريب كيان المجتمع الكويتي.

والذين يصنعون الأخطاء، والذين يصرون عليها، ويحاولون دسها وسترها، هؤلاء يقدمون أكبر الخدمات وأنفعها لغربان الخراب.

· بيد أن نزع تبعة الأخطاء من العنق، وإلقائها -بطريقة ما -على الغير يعطي

المسألة عمقًا أكبر وأخطر، نعني أنه يعطي المتربصين بالكيان الاجتماعي للبلد -وخصائصه ومقوماته وتراثه -مبررات للنقد الهدام لذلك الكيان.

مبرر أن الكيان الاجتماعي من أساسه -وليس المدير -هو المسئول عن هذه الأشياء وقد قيل فعلًا!!

لا مانع من النقد البناء لهذا الكيان الاجتماعي، ولكن بسبب معقول، وليس بمبرر رغبة بعض الناس في نزع تبعة الأخطاء من عنقه -لينجو بنفسه وحدها -وإلقائها على الغير.

إن الدفاع المشروع عن النفس يتمثل في مواجهة أخطائها بشجاعة حين تخطئ ولا يتمثل في توريط الآخرين

· هل صحيح أن مدير الجامعة لا يملك سلطات؟

· هل صحيح أن مهمته تقتصر فقط على التنسيق بين الأقسام؟

· هل صحيح -بناء على ما تقدم -أنه ليس مسئولًا عن الأخطاء المتراكمة في

الجامعة؟  

· ومن المسئول إذن؟

«۳» ثورات الطلاب

إذا كانت الدراسة النقدية لجامعة الكويت قد جاءت متأخرة بعض الوقت -وهذا لا يعني أن محاولات الإصلاح ستفشل، فالجامعة ستصلح ويستقيم عودها إن شاء الله -فإن الانتفاع بالتجربة يفيدنا في اتقاء مشكلات محتملة.

من الأسباب التي وقفت وراء دراسة «المجتمع» عن الجامعة، متابعة الثورات الطلابية التي اجتاحت أوروبا وغير أوروبا.

لا نقول بأن السبب الوحيد لتلك الثورات هو: عقم نظـم الجامعات هناك، فهناك أسباب أخرى لا يزال علماء الغرب ومفكروه يدرسونها ويحللونها.

إلا أننا نستطيع القول بأن نظم الجامعات، وإداراتها العقيمة كانت سببًا قويًا ومباشرًا في اندلاع ثورات الطلاب.

وبالمقارنة فإن جامعات أوروبا أقوى وأمتن من جامعة الكويت، ومع ذلك ثار الطلاب عليها.

والسبب العام الذي أجمع عليه كل الطلاب في مختلف البلدان هو ضرورة الثورة على «البيروقراطية»، وقبل الثورة الطلابية كانت هناك محاولات للإصلاح، ولكن بيروقراطية الجامعات قابلت هذه المحاولات بالاستعلاء والتأفف وعدم الاكتراث.

وجامعة الكويت -بطريقتها هذه -تريد أو يراد لها أن تتجه بقوة إلى الوقوع في دائرة البيروقراطية.

فهل نتركها أو نترك الذين يريدونها كذلك أن يفعلوا ما يريدون؟

هل نترك «عوامل» المشكلات قائمة، ثم نكتفي بالندم من بعد؟

وهل يقدم للكويت خيرًا، هل يهمه أمر الكويت ومستقبل الكويت من يفعل هذا؟

وما معنى العقل، ما قيمة الوعي إذا لم ننتفع بتجارب الشعوب وهي حديثة العهد بوعينا؟

«4» واجب الصحافة

والسبب الرابع الذي كان وراء دراسة «المجتمع» عن الجامعة هو: واجب الصحافة ودورها في المجتمع.

إن واجب الصحافة الجادة في المجتمع الحديث واجب ضخم ورسالة كبيرة، فقد اقتضى تطور الصحافة أن تكون هذه الأداة وسيلة للدراسة والتحليل والنقد والتقويم والتوجيه، وبذلك انتهى عصر صحافة الشعر والمقالات الأدبية، وعصر صحافة المدح والثناء، وعصر صحافة الشتائم والدوي الانفعالي الأجوف.

وصحيفتنا هذه إذ تؤمن بأن كل تلك العصور قد أدبرت أمام زحف الثقافة.

والارتفاع المستمر في نسبة التعليم تؤمن كذلك أن مهمة الصحافة في هذا العصر ليست هي نقل أخبار الممثلين والممثلات، ولا متابعة نتائج أوراق اليانصيب، ولا التقاط آخر أنباء انتخابات ملكات الجمال.

إن الصحافة الجادة المحترمة في المجتمع الحديث هي التي تقوم بمسح شامل لمشكلات المجتمع وقضاياه، وتؤمن بترتيب الأسبقيات في تناول هذه القضايا دراسة ونشرًا.

وباستثناء حرمات الأشخاص، ومقتضيات الأمن الوطني فإن الصحافة -كالطبيب -تشرح كل مشكلات المجتمع، ولا تخجل من مناقشة قضية ما أبدًا، ولكن في ترفع وأدب ووقار.

وجامعة الكويت أضخم مؤسسة تعليمية في البلاد -وفي الخليج كله -ستخرج جيلًا بل أجيالًا تتولى مسئولية الحكم والإدارة والتربية والتعليم والتوجيه، وبقدر ما في الجامعة من أخطاء بقدر ما تتخرج تلك الأجيال موقرة بالأخطاء.

وبقدر ما فيها من سلامة وقوة بقدر ما تتخرج تلك الأجيال وهي سليمة وقوية.

ومن هنا كان نقدنا الدائب للأخطاء، ورغبتنا الملحة في الإصلاح والعلاج.

الرابط المختصر :