; يُسْرُ الإسلامِ وسماحتُهُ - الحلقة الثانية : في الأمور التعبدية | مجلة المجتمع

العنوان يُسْرُ الإسلامِ وسماحتُهُ - الحلقة الثانية : في الأمور التعبدية

الكاتب محمد سلام مدكور

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مارس-1979

مشاهدات 83

نشر في العدد 436

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 13-مارس-1979

يُسْرُ الإسلامِ يتجلى في: الصلاة والحج والزكاة والجهاد.. 

تكلمنا في المقال السابق عن يسر الإسلام وسماحته في العقائد وأعمال القلوب، وبينا أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان يوصي من يوفدهم لتبليغ الدعوة بالسماحة، ويرخص لمن أكره على النطق بكلمة الكفر بالنطق بها ما دام قلبه مطمئنًا بالإيمان، ويرفع السيف عمن ينطق بالشهادة، ولو كان في ساحة القتال، وجعل أساس الدعوة مخاطبة العقول، ورفع الحرج عمن يحس في نفسه ببعض الوساوس، ونهى عن الخوض في الأمور الغيبية، واللجاجة فيها.

وقد وعدنا بالكلام عن يسر الإسلام وسماحته في العبادات وما يتقرب به إلى الله.

* * *

يتميز الإسلام باليسر والسماحة في كل جوانبه. يقول صلوات الله وسلامه عليه: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه». وقد شرع الله العبادات وهو غني عنها ترويضًا للنفس عن الطاعة واحتمال المشاق والمحافظة على الوقت والنظافة وشكر المنعم. ولما كان الإسلام يتميز باليسر والسماحة في كل جوانبه فقد يسر الشارع أمر العبادات على المكلفين حتى لا يقعوا في حرج يوقعهم في التقصير. ويتجلى ذلك في مختلف أنواع العبادات التي كلفنا الله بها والتي هي في مجموعها قليلة محدودة لا تشق على أحد.

جاء في صحيح البخاري أن أعرابيًا من أهل نجد جاء إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه يسأله عن الإسلام فقال: «خمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام رمضان، وإيتاء الزكاة،...» وأخبره بشرائع الإسلام. وكان الأعرابي يسأل في كل واحدة هل علي غيرها؟ فيقول له الرسول: «لا، إلا أن تتطوع»، ثم أدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال الرسول صلوات الله عليه: «أفلح إن صدق».

وفي الحديث دلالة واضحة على قلة التكاليف التي كلفنا الله بها لنتعبده ونتقرب إليه، وضمان الفلاح لمن اقتصر عليها دون التطوع بشيء أكثر من المفروض. فضلًا عن أن هذه العبادات مع قلتها ميسورة سهلة لا مشقة فيها ولا تحتاج إلى جهد ومشقة؛ فالصلاة وهي يتميريتمعماد الدين والتي أكد القرآن عليها وقرنها بالإيمان بالغيب وجعلها من أوصاف المتقين ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ... ﴾ (البقرة: 2-3) هذه العبارة محدودة بالصلوات الخمس التي فرضها الله علينا كل يوم وليلة، وهي تؤدي في زمن وجيز فكل صلاة منها لا تستغرق أكثر من بضع دقائق فأداؤها لا يحول بين الناس وبين تقلبهم في الأرض ومزاولتهم لشئونهم الدنيوية المنشورة لهم، فهي فضلًا عن أنها لا تستغرق زمنًا طويلًا فإنه لا يشترط لصحة أدائها الانتقال إلى مكان معين، وإنما تصح في كل مكان طاهر في مكان العمل أو الراحة أو جانب الطريق أو على راحلة السفر فقد اتخذت الأرض كلها مسجدًا.

على أن أوقات الصلاة موسعة بمعنى أن الوقت يتسع لأداء هذه العبادة، وإتيان غيرها من جنسها كالفوائت وعلى هذا فيتسنى للمكلف أداؤها في الوقت الذي يستطيع فيه أن يتفرغ فترة من أعمال دنياه. ويتفق الأصوليون على أن هذا النوع وقته سبب لوجوبه فلا يصح التعجيل به قبل وقته، ويذهب الجمهور منهم إلى أن أول الوقت هو السبب؛ فالشخص مخاطب ما دام أهلًا في أول الوقت، وإلا فالسبب هو الجزء الذي يكون أهلًا فيه. فالمكلف يجب عليه الأداء من أول الوقت، ويخير في الأداء في باقي الوقت أي أن التكليف يبقى في ذمته من أول الوقت ما دام أهلًا. وعلى هذا فلو كان أهلًا في الوقت ثم زالت أهليته قبل الأداء وقبل انتهاء الوقت كمن تحيض بعد وجوب الظهر مثلًا فإنه يلزمها قضاء الظهر عند زوال المانع لثبوته وينافي الذمة من أول الوقت. بينما يرى الحنفية أن سبب الوجوب هو الجزء من الوقت الذي يتصل به الأداء فإذا لم يتصل الأداء بجزء من أجزاء الوقت تعين الجزء الأخير سببًا وعلى هذا فلا يجب على من طرأ عليها الحيض في مثالنا قضاء.

وقد خفف الله سبحانه أمر هذه العبادة في السفر تيسيرًا على عباده فقصر الصلاة الرباعية على ركعتين وأباح كما في بعض المذاهب جمع كل من الظهر والعصر وكل من المغرب والعشاء تقديمًا وتأخيرًا في بعض الحالات كما أباح لكل مكلف الصلاة بما يناسبه ويتفق مع قدرته يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنبك»... فهل يتطلب يسر أكثر من ذلك؟ وهل في هذه العبادة وهي عماد الدين كما قلنا شيء من المشقة؟ وهل يوقع التكليف بها أخذ في الضيق والحرج؟

على أن مقدمات هذه الصلوات وهي التطهر بالماء لا يشق على المكلف فعلها بحال بل هي تساير الفطرة وتحملهم على النظافة التي هي دعامة الصحة والقوة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ... ﴾ (المائدة: 6)، ومع ذلك فإن الشارع أعفى المكلف منها إذا شق عليه ذلك ﴿... وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا... ﴾ (المائدة: 6).

وقد شرع الله اليسر في كثير من صور التطهر فرفع عنا بعض الأغلال التي كانت على من قبلنا إذ كانوا يقطعون موضع النجاسة ولا يكتفي منهم بغسلها ولكنه سبحانه تيسيرًا لنا وتخفيفًا علينا اكتفى منا بغسلها، بل شرع نضح الماء على موضع النجاسة في بول الصبي الذي لم يأكل الطعام لتعسر الاحتراس منه، كما شرع دلك الحذاء مما علق به لتتحقق فيه الطهارة من غير غسل.

* * *

وفريضة الصوم ميسرة أيضًا؛ فهو شهر واحد في السنة يدور مع فصولها، ويقتصر الصوم فيه على النهار فقط دون الليل، وشرع الرسول تعجيل الفطر كما شرع السحور وأمر بتأخيره، ونهى عن صوم الوصال كما رفع الشارع الحرج عن الصائم إذا فعل شيئًا من شأنه أن يفطر الصائم وكان ناسيًا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إذا أكل الصائم أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه».

ومع هذا اليسر فقد خص الشارع أصحاب الأعذار التي يشق معها الصوم ببعض جوانب من الترخيص يقول الله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: 185) وقال الفقهاء إن الشيخ الذي تقدم به السن وشق عليه الصوم، له أن يفطر ويفدي عن كل يوم بإطعام مسكين دون قضاء، وكذلك من كان حملها وإرضاعها متواصلًا، يدل على ذلك قول الله سبحانه ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ... ﴾ (البقرة: 184)... ومعنى يطيقونه أي يقدرون عليه بأقصى جهد، ورد في الأثر عن ابن عباس «رخص للشيخ الكبير والمرأة العجوز لا يستطيعان الصوم أن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا».

وقد قال الإمام محمد عبده إنه يقاس على هذه الفئة من يعملون في الأعمال الشاقة المضنية كعمال المعمار لحاجتهم للاستمرار في العمل طوال أيام السنة لكسب العيش... والله رءوف بعباده، والقدر والطاقة أمر يرجع إلى تقدير الشخص نفسه وصدق إيمانه والله لا تخفى عليه خافية، وإن كثيرًا ما يدفع الإيمان صاحب العذر إلى مقاومة عذره والتحايل على نفسه لإشباع الرغبة في عبادة الله والتقرب إليه... 

ومن يسر الإسلام في فريضة الصوم أنه جعله في بعض المناطق التي لا تغيب عنها الشمس في بعض الشهور والأيام، والمناطق التي لا ترى الشمس لفترات طويلة والمناطق التي تزيد فيها ساعات النهار كثيرًا عن ساعات الليل، يكون بالتقدير، فيقدر أوقات أقرب البلاد المعتدلة إليهم ويكون الصوم، وكذا الصلاة، بالنسبة لهم بحساب الساعات لا بطلوع الشمس أو غروبها إذ لا يمكن تكليفهم بالصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لأنه يشق عليهم ويوقعهم في الحرج الذي يتنافى مع طبيعة الإسلام من السماحة واليسر.

* * *

ومن نظر في تشريع الزكاة يجد الشارع أوجبها على الأغنياء لتطهر نفوسهم من دنس البخل والطمع وتنمي الخير في نفوسهم حتى يكونوا أهلًا لاستحقاق فضل الله ورضوانه. وحق الفقير في مال الغني منه ما هو محدد ويتمثل في الزكاة، ومنه ما هو غير محدد ولا دائم وإنما يلزم الشارع به أصحاب الأموال عند الحاجة فقد روى الترمذي عن فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في المال حقًا سوى الزكاة».

ولا تجب الزكاة في الأموال التي تستخدم في الحاجيات الشخصية كالقوت المدخر للطعام، والملابس الشخصية، والدار الخاصة بالسكن وأدوات النقل الخاصة وكتب الدراسة والأدوات الخاصة بالشخص لصناعته والسلاح الخاص لحمايته وكل ما كان الغرض منه الاستعمال الشخصي. وقد اتفق الفقهاء على أنه لا زكاة في حلي الزينة من غير الذهب والفضة بل ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى أنه لا زكاة في جميع أنواع الحلي التي تستعملها المرأة للزينة أيًا كان نوعها وقدرها فقد روي أن السيدة أسماء بنت أبي بكر كانت تحلي بناتها بالذهب ولا تزكيه، وروى مثل ذلك عن السيدة عائشة وابن عمر.

وإنما تجب الزكاة في الأموال الزائدة عن حاجة الشخص ومن تجب عليه نفقته، إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول. وجعلها في النقد بمقدار ربع العشر فقط أي في كل أربعين دينارًا يجب دينار واحد، كما أن النعم بأنواعها إن كانت سائحة ترعى الكلأ المباح أكثر أيام السنة وكانت معدة للعمل من الركوب والحمل والحرث فلا زكاة فيها كما يرى جمهور الفقهاء خلافًا لمالك لأنها تنتج بعملها ما تجب فيه الزكاة. وعلى وجه العموم فإن مقدار النصاب الذي يجب فيه الزكاة يختلف بحسب كل نوع من أنواع المال.

ومن يسر الشارع في أمر الزكاة أنه فضل إعطاءها للمحتاجين من الأقارب أو المجاورين في الحي تحقيقًا لاصطناع المعروف حتى يتحقق التعاون بين الأقارب وأهل الجهة. وإذا كانت الجهة التي فيها المال المزكى لا يوجد بها من هو في حاجة إلى مال الزكاة جاز نقلها باتفاق الفقهاء إلى من يستحقها في بلد آخر ومن وضع الزكاة في غير موضعها خطأ منه فالمروي عن أبي حنيفة وجمع من الفقهاء أن ذلك يجزئه ما دام لم يتعمد إعطاءها لغير مستحقيها... أليس كل ذلك من يسر الإسلام وسماحته؟

أما فريضة الحج فإن يسر الإسلام فيها يتجلى في أن الشارع قصر إيجابها على من استطاع إليه سبيلًا وجعله مرة واحدة في العمر من غير تحديده بسنة معينة. وقد روي أنه لما نزلت فريضة الحج جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ ولما كرر سؤاله قال الرسول عليه السلام: «لو قلت نعم لوجب ولم تستطيعوا»... وفضلًا عن هذا التيسير في الحج فقد يسر الشارع شعائره وأعماله؛ فشرع فيها الفدية والكفارة لمن شق عليه أداء بعضها، وأعفى الحاج من ترتيب الأعمال إذا نسي ذلك، روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال: «اذبح ولا حرج» فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي الجمرات فقال: «ارم ولا حرج» فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج».

* * *

والجهاد يتجلى أمر اليسر فيه، بأن الله سبحانه لم يفرضه إلا على القادر المستطيع. ومع هذا فقد آثر النبي لمن جاءه يريد الجهاد معه أن يجاهد في خدمة والديه المحتاجين لخدمته... وكان الواجب على المجاهدين في أول الإسلام أن يقف الواحد للعشرة من الأعداء فيجالدهم ولا يفر منهم يقول الله تعالى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ... ﴾ (الأنفال: 65) فلما شق ذلك على المسلمين يسر الله عليهم وكلف المؤمن الواحد أن يقاوم الاثنين من الكفار لا يفر أمامهما يقول سبحانه ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ... ﴾ (الأنفال: 66) ثم خفف عنهم ذلك بوعده الكريم ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 66).

ومما يتجلى فيه تيسير الشارع فيما كلف به عباده أن بعض الواجبات جعله الشارع واجبًا على سبيل الكفاية على معنى أنه إذا فعله بعض المكلفين سقط عن الباقي... فالجهاد في جميع صوره واجب على الكفاية. يسقط عن المسلمين القادرين بفعل البعض الذي يندفع به العدوان. وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلاة على الجنازة وتشييعها ورد السلام وإغاثة اللهفان وتعليم المتعلم وإرشاد المستفسر وتطبيب المريض وما إلى ذلك كما أن هناك واجبات خير الشارع فيها على المكلف ليختار الأيسر ومنها كفارة الظهار وكفارة اليمين وكفارة الصوم.

* * *

 ويتجلى يسر الدين في إجابة رسول الله لقوم جاءوا يسألون عن عبادته وكأنه تقالوها. فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني...» كما يتجلى في قوله «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» وهم المتشددون في غير موضع التشديد. وقد جاء رجل إلى رسول الله فقال: لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فما كان رسول الله في موعظة أشد غضبًا من يومئذ، وقال: «إن الدين يسر».

وإلى لقاء في مقال قادم نتكلم فيه عن يسر الإسلام وسماحته في التعامل وفي مخالقة الناس.

الرابط المختصر :