العنوان يوم الفرقان
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2003
مشاهدات 82
نشر في العدد 1577
نشر في الصفحة 49
السبت 15-نوفمبر-2003
في حياة كل أمة أيام فاصلة تحدد مصائرها وتوجه مستقبلها، وترسم معالمها، خيرًا كان ذلك أو شرًا، بعثًا كان أو خمودًا، انطلاقًا أو تراجعًا. وغزوة بدر الكبرى بين المسلمين وكفار مكة والمجتمع الجاهلي كانت علامة تحول، ومفرقًا بين عهدين وفاصلًا بين منزلتين، صار المسلمون بعدها في عظمة وقوة، بعد انكسار وذلة، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ﴾ (آل عمران:۱۲۳) ومن كبت للحق وظهور للباطل، إلى ظهور للحق، وبجر للباطل، ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال:٨) ومن ضعف وجزن إلى فرح ويشرى ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ (الأنفال:١٠).
كانت بدر فرقانًا بين الحق والباطل فعلًا كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ﴾ (الأنفال:٤١) فرقانًا بين عهدين كما يقول العلماء المفسرون: عهد الصبر والمصابرة والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، عهد إعلان تحرير الإنسان في الأرض من عبودية الطواغيت ومطاردة الضلال، إلى هداية الإسلام وإقامة منهج الله في الأرض، فكانت بدر بحق ميلاداً جديداً للإنسان بعد الظلام والجاهلية التي انبثق منها النظام الإسلامي الفريد الذي جاء بالقيم الجديدة التي ينبغي أن تقوم عليها الحياة كلها، ويقوم عليها نظامه الاجتماعي والتشريعي والقانوني.
يقول الأستاذ سيد قطب: الفرقان في بدر الذي أقر هذه الحقائق، لم يعد ملكاً للمسلمين وحدهم منذ غزوة بدر، وإنما صار -شيئًا فشيئًا- ملكاً للبشرية كلها تأثرت به، سواء في دار الإسلام أم في خارجها، سواء بصداقة الإسلام أم بعداوته، والصليبيون الذين زحفوا من الغرب ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه في ربوعه، قد تأثروا بتقاليد هذا المجتمع الإسلامي الذي جاءوا ليحطموه.
وعادوا إلى بلادهم ليحطموا النظام الإقطاعي الذي كان سائدًا عندهم، بعدما شاهدوا بقايا النظام الاجتماعي الإسلامي، والتتار الذين زحفوا من الشرق؛ ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه -بإيحاء من اليهود والصليبيين من أهل دار الإسلام- قد تأثروا بالعقيدة الإسلامية في النهاية، وحملوها لينشروها في رقعة من الأرض الجديدة، وليقيموا عليها خلافة ظلت من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين في قلب أوروبا! وعلى أية حال فالتاريخ البشري كله -منذ وقعة بدر- متأثر بهذا الفرقان في أرض الإسلام، أو في الأرض التي تناهض الإسلام على السواء!.
وكانت فرقانًا بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة، فجرت وكل عوامل النصر الظاهرية في صف المشركين، وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف العصبة المؤمنة، حتى لقال المنافقون والذين في قلوبهم مرض «غر هؤلاء دينهم»... وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو ـ وهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنة ـ لتكون فرقاناً بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر وأسباب الهزيمة، ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد، فيتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية، لا لمجرد السلاح والعتاد وأن أصحاب العقيدة الحقة عليهم أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة مع الباطل غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية؛ لأنهم يملكون قوة أخرى ترجح الكفة، وأن هذا ليس كلامًا يقال، إنما هو واقع متحقق للعيان.
وأخيرًا فلقد كانت بدر فرقانًا بين الحق والباطل بمدلول آخر، ذلك المدلول الذي يوحي به قول الله تعالى في أوائل هذه السورة:
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال:٧-٨).
لقد كان الذين خرجوا للمعركة من المسلمين، إنما خرجوا يريدون عير أبي سفيان واغتنام القافلة، فأراد الله لهم غير ما أرادوا، أراد لهم أن تفلت منهم قافلة أبي سفيان (غير ذات الشوكة) وأن يلاقوا نفير أبي جهل (ذات الشوكة) وأن تكون معركة وقتال وقتل وأسر، ولا تكون قافلة وغنيمة ورحلة مريحة، وقال لهم الله –سبحانه– إنه صنع هذا :«ليحق الحق ويبطل الباطل».
وكانت هذه إشارة لتقرير حقيقة كبيرة، إن الحق لا يحق، وإن الباطل لا يبطل -في المجتمع الإنساني- بمجرد «البيان النظري» للحق والباطل، ولا بمجرد الاعتقاد النظري، بأن هذا حق وهذا باطل، وأن الحق لا يحق ولا يوجد في واقع الناس، وأن الباطل لا يبطل ولا يذهب من دنيا الناس، إلا بأن يتحطم سلطان الباطل ويعلو سلطان الحق، وذلك لا يتم إلا بأن يغلب جند الحق ويظهروا، ويهزم جند الباطل ويندحروا فهذا الدين منهج حركي واقعي، لا «مجرد نظرية» للمعرفة والجدل أو لمجرد الاعتقاد السلبي!. وهذا يؤيد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ (التوبة:٤٦)، وقد أعد الرسول ﷺ العدة من الرجال والسلاح، والقاعدة الصلبة، والأرض التي تحتضن هذا التجمع الإيماني العظيم، الذي خرج عن كل شيء لينصر دعوة الله سبحانه. وقد ظهر هذا في حديثهم حين شاورهم رسول الله ﷺ، وقال: أشيروا علي أيها الناس، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، فقال الرسول ﷺ: أشيروا على أيها الناس فقام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد.
فقال الرسول أيضاً أشيروا على أيها الناس، فقام سعد بن معاذ فقال والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال: أجل: فقال: لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فحارب بنا من شئت وسالم بنا من شئت، إنا لصُبر في الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله.
فسُر رسول الله ﷺ بقول أصحابه، ثم قال: سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم.
نعم... بهذه العزائم المؤمنة وهذا الإيمان المتدفق يُفرق بين الحق والباطل ويدفع الظلم والبغي وتسود العدالة، ويحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. نسأل الله أن يحق بنا الحق وأن يهزم بنا الباطل وأن يرعانا بفضل من عنده ... أمين.