العنوان يوم الجمعة الدامي في إندونيسيا.. من يقف وراءه؟
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
مشاهدات 63
نشر في العدد 1327
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 24-نوفمبر-1998
• أصابع الاتهام تشير إلى اليساريين المتشددين وعملاء العسكريين
أحداث الشغب الدامية التي وقعت في 13 من نوفمبر الجاري، من يقف وراءها؟ ومن المدير الحقيقي لأعمال السلب والنهب هذه التي جاءت مستغلة المظاهرات الطلبة، ومحاولة إفشال جلسة مجلس الشعب؟
هذا هو السؤال الذي طرحه المراقبون عقب وقوع تلك الأحداث.
ويشير البعض بأصابع الاتهام إلى أصحاب التوجهات اليسارية المتشددة، وأطراف أخرى قد تكون مربوطة بعسكريين أو «سوهارتويين» قدماء أو غير ذلك.
وتأتي أعمال الشغب هذه بعد أسبوعين فقط من ظهور حقائق جديدة عن أعمال شغب وقعت في شهر مايو الماضي، وسبقت سقوط سوهارتو، وكان لقطاعات في الجيش -حسب تقرير لجنة التحقيقات- يد في تحريك الغوغائيين لتشويه صورة الطلبة، واستغلال الجو العام لأغراض أخرى.
أمين رئيس -رئيس حزب «أمانة الشعب» المعارض- وصف الوضع بأنه على وشك التدحرج نحو حرب أهلية، لذا دعا إلى حوار بين الطلبة وأعضاء المجلس التشريعي، وذلك قبل أن يعود «الهدوء المتوتر» إلى جاكرتا مع بداية الأسبوع الثاني.
وقال رئيس: «إن الوضع أصبح مضطربًا والفوضى تعم البلاد»، داعيًا الطلبة إلى ضبط النفس، وذلك قبل ساعات من انتهاء اجتماعات المجلس.
أحداث يوم الجمعة أثبتت أن أي طرف داخلي أو خارجي سيعيد استخدام مثال شهر مايو الماضي باستغلال مظاهرات الطلبة في إشعال اضطرابات لهدف ما، وفي المقابل، فإن الجيش الذي حوكم أفراده الذين قتلوا أربعة طلاب في مايو الماضي قام بمهاجمة المتظاهرين، برغم أن الطلبة استنجدوا أو حاولوا إقناع جنرالاته بالتوقف عن إطلاق الرصاص؛ لأن الذي أثار الجنود وقذفهم بالحجارة والزجاجات الحارقة كانوا مجهولين ومن خارج نطاق الطلبة، ولا يعرف توجههم!
ومهما تكن نتيجة قرارات المجلس، فإن الاضطرابات والقتل والحرق قد شوهت الصورة، بل زاد غضب الناس على الرئيس حبيبي الذي اعتبره الكثيرون أفضل من كان في حكومة سوهارتو، ويصلح لرئاسة البلاد.
بعض أصحاب التوجهات الإسلامية يرون أن هناك أطرافًا لا تريد للبلاد أن يستقر، ولا تريد للمجلس أن يمرر القوانين قد حركت المظاهرات الطلابية التي كان معظمها بقيادة تجمعات يسارية، وبخاصة أن المطالب نفسها التي دعت إليها هذه التوجهات منذ بداية حكم حبيبي قد عادت وظهر معها الحديث من جديد عن تحويل مطالب الطلبة إلى مطالب شعب إندونيسيا بهدف الإطاحة بالرئيس حبيبي، وقد عرضت عدة سيناريوهات من قبلهم لاستبداله.
اليساريون.. والجيش
من جانبه وعد حبيبي باتخاذ الإجراءات اللازمة ضد المسئولين عن الأحداث، وعبر عن تعاطفه مع عائلات القتلى، ولم يستثن القوات المسلحة من مواجهة قرار بسبب ما حدث في الاضطرابات، وبخاصة أن الطلبة ما زالوا يتظاهرون بأسلوب هادئ في عدة جامعات بعد أن عاد الهدوء للعاصمة، مطالبين باستقالة رئيس الجيش الجنرال ويرانتو.
وفي المقابل، ذكرت مصادر في الشرطة أن رجالها بدءوا يمسكون بخيوط سوف توصلهم إلى «مجموعات معينة» كان لها نية إعادة ما حصل في شهر مايو، وذلك بعد أن اعتقلت ۱۰ شخصيات معارضة معظمها ذات توجهات يسارية، وبعضها من المقربين لميجاواتي.
أمين رئيس وصف نتيجة هذه المظاهرات بأنها قد تكون سببًا لسلسلة من الأحداث تؤدي إلى انقسام في وحدة إندونيسيا في غضون أيام لا سنوات، داعيًا الأحزاب الإسلامية إلى التواجد في هذا الوقت الذي لم يعد فيه «للإنسان قيمة أمام رصاص الجيش».
وفي لقاء تلفازي حذر رئيس من إمكان حدوث انقلاب عسكري من قبل أحد قطاعات الجيش، وبدء عهد جديد مظلم، في الوقت الذي لن يسكت الناس فيه عن ذلك، وعندها «لن يكون للإصلاح معنى، بل سنعيش فترة انحطاط».
الجيش بعد حبيبي كان هدف المنتهزين، وبخاصة الجنرال ويرانتو، الذي طلبت الصحف ووسائل الإعلام منه أن يستقيل، وواجه انتقادات واسعة بعد أحداث القتل، ومن بين المطالبين باستقالته موتاري عبد الجليل رئيس حزب النهضة القومية ومنسق «لجنة المفقودين وضحايا العنف»، والبروفيسور دوام راهارجو، وأمين رئيس، وعبد الحكيم جارودا، ودانيال داعيداي، وفيصل بصري، وجوينان محمد، ومارسيلام، ومودجي سوتريستو، ومزال رملي، وعارف بوديمان، وفكري جفري، وغيرهم. أما عبد الرحمن وحيد فقد رفض فكرة استقالة ويرانتو، ودعا إلى معاقبة المجرمين فقط من أفراد الجيش، مع عدم اعتبار المؤسسة العسكرية مذنبة كلها بسبب ما حصل، بينما يعتبر أمر بقائه بالجيش أو فصله بيد الرئيس حبيبي.
إندونيسيا.. على أعتاب مرحلة جديدة
في مايو من عام ۱۹۹۹م، سيتجه الإندونيسيون إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات يؤمل أن تكون الأولى في ديمقراطيتها منذ ٤٠ عامًا، لكن كيف ستكون قواعد هذه الممارسة؟ وهل ستكون عادلة؟
هذا ما يقلق الإندونيسيين خلال الأيام الحالية، بعد أن اختتمت الجلسة الاستثنائية بمجلس الشعب الاستشاري، والتي ناقشت القوانين السياسية الجديدة التي تعنى بتشكيل الأحزاب وحقوق الجيش السياسية والتقسيم الجديد للمجلس التشريعي بجناحيه.
اختتم المجلس جلسته وسط جو متأزم ومظاهرات واسعة وحراسة من الجيش والشرطة العسكرية، وكانت المليشيات قد واجهت مجموعتين من الطلبة عشية انعقاد الجلسة التي عرفت لأول مرة منذ ثلاثة عقود أن دور الجيش الإندونيسي «دور مؤقت»، وفتحت الباب أمام الحوار الساعي لإرجاعه إلى ثكناته خلال خمس سنوات.
وينتظر من القوانين الجديدة أن تكون أداة لمنع بروز دكتاتور آخر في إندونيسيا، وبدء عهد ديمقراطي حقيقي، وذلك بعد أن حددت فترة الرئاسة بخمس سنوات، مع حق الرئيس في ترشيح نفسه مرتين فقط، بحيث يتنحى في الثالثة عن السلطة، وخلال انعقاد الجلسة كان هناك الكثير من المطالبات الشعبية والحزبية الداعية لمحاكمة سوهارتو بسبب ثرائه غير المشروع، هو وعائلته. ولأن المجلس نفسه الذي انتخب أو عين في عهد سوهارتو فقد برزت انتقادات ضده بأنه غير ممثل لحقيقة ما يريده الشعب، وأنه من بقايا العهد «السوهارتوي».
لقد اتخذ المجلس ۱۱ قرارًا بالإجماع، ومن أبرز هذه القرارات تخفيض عدد المعينين من قبل الجيش بالبرلمان من ٧٥ إلى ٥٥ فقط، وكذلك فتح المجال للأحزاب للوصول إلى البرلمان بشرط تحقيق نسبة ١٠٪ من إجمالي الأصوات.
المتحدث باسم المجلس هورموكو والوزير السابق في وزارة سوهارتو هنأ الأعضاء الألف المشاركين على القيام «بمهمتهم الدستورية»، ولم تبرز الخلافات داخل المجلس إلا عندما رفض حزب التنمية المتحد «ذو التوجه الإسلامي» أن يصادق على منح الجيش 55 مقعدًا من أصل ٧٥ لكن مع إقرار الأغلبية لذلك سمح بتمرير القرار، وكان حزب التنمية قد أيد مطالبات الطلبة بإخراج الجيش من الحياة السياسية بصورة كاملة وبدون تدرج.
وكانت هذه أول مرة في تاريخ المجلس منذ ٣٠ عامًا لا يحصل إجماع كامل بين الأعضاء على قانون معين إذ أيد قرار حضور الجيش السياسي ٧٨٤ نائبًا وعارضه ۱۲۳، بينما كان سوهارتو يحصل على تأييد كامل من المجلس إذا تقدم بأي قرار وبدون معارضة أحد له.
أحد القرارات التي اتفق عليها هو التحقيق في ثروة سوهارتو، لكن الخلاف كان حول كيفية تنفيذ ذلك؛ إذ اتفقت التجمعات الخمسة داخل المجلس على ضرورة التحقيق في ثروة سوهارتو، وعائلته، وأبنائه، وأصدقائه، وهو مشروع تقدم به حسن ماتریوم رئيس حزب التنمية، في الوقت الذي رأى بعض الجنرالات، وعلى رأسهم ويرانتو رئيس الجيش عدم ضرورة إقرار قانون يخص سوهارتو بعينه، بحجة أن المجلس لا يتعامل مع الأشخاص وإنما مع القضايا الاستراتيجية، ولأن الحكومة قد بدأت التحقيق في ثروته وتعرفت بعضها في البنوك الإندونيسية.
رئيس كتلة حزب غولكار في البرلمان مرزوقي داروسمان صرح منذ بداية جلسات المجلس «بأن قضية الفساد المالي يجب أن تحل الآن حتى لو وصل الأمر إلى التحقيق في ثروات أعضاء حزبه والمسئولين الكبار في الدولة».
والواقع أنه ينتظر من القوانين الجديدة أن تكون أداة لمنع بروز ديكتاتور جديد، وبدء عمل ديمقراطي حقيقي، وذلك بتحديد فترة الرئاسة بسنتين لا تتجدد أكثر من 3 مرات.
أما الانتخابات فستشهد منافسة شديدة بين عشرات الأحزاب التي لن تستطيع أن تدخل الحلبة مرة أخرى إذا لم تحصل على 10% على الأقل من مقاعد البرلمان الـ٥٥٠، وتسعى هذه «العتبة الانتخابية» الجديدة -كما سميت- إلى إبراز عدة أحزاب قوية، ودثر الأحزاب الصغيرة، كما يسمح القانون الجديد بانتخاب أشخاص بعينهم لا أحزاب، كما كان الحال من قبل، وهو يجمع بين نظام الدوائر، ونظام الانتخاب النسبي.
وسيعطي المقاعد الـ437 على أساس الدوائر، و68 مقعدًا ستوزع على الأحزاب الفائزة على أساس الأصوات التي حصلوا عليها على المستوى الوطني.
الدستور الإندونيسي لعام 1945 م ينص على تشکیل «مجمع انتخابي» لترشيح الرئيس ونائبه، وهو ما يسمى بـ: مجلس الشعب الاستشاري أو «إم. بي. أر» بالإندونيسية.
وفي عهد سوهارتو كان أعضاء المجلس الألف وسيلة لانتخابه سبع مرات؛ فنصفها بالتعيين من قبله، أما في التشكيلة الجديدة فإن ٦٩ منهم فقط معينون وبقية الأعضاء الـ۷۰۰ برلمانيون أصلًا و منتخبون، وسيجتمع المجلس أو «المجمع الانتخابي» هذا كل سنة بدلًا من كل 5 سنوات للاستماع إلى «خطاب المسئولية الرئاسي» ليقيم أداءه من قبل ٤ إلى ٧ أحزاب أو تحالفات يتوقع لها أن تسيطر على البرلمان.
أما لجنة الانتخابات العامة فستكون أكثر استقلالية حسب ما تنص عليه القوانين الجديدة، ومع أن فيها ممثلين عن الحكومة لكن ممثلو الأحزاب سيكونون حاضرين فيها أيضًا، ورئيس اللجنة لن يكون من الحكومة.
وستؤسس لجان في القرى والمدن والأقاليم تابعة للجنة الرئيسة وحسب نظام الدوائر، فكل دائرة فيها ۸۰۰ ألف نسمة سيمثلها شخصان في البرلمان، وإذا كانوا 1.5 مليون فسيمثلهم 3 أشخاص، وإذا كانوا 2.1 مليون فسيمثلهم 4 وهكذا.
وعن الأحزاب يقول القانون: إن لأي شخص حرية تأسيس حزب مع أنه شرط أن تكون المبادئ الخمسة أحد أساسيات هذا الحزب، وهي محط جدال واسع إذ تأسست أكثر من 6 أحزاب إسلامية تعتبر الإسلام أساسًا لعملها، وليس المبادئ الخمسة أو «البانجاسيلا».
ويرتبط تأسيس الأحزاب بالمحاكم وليس بوزارة الداخلية لإعطاء القانون حق الفصل في القضايا السياسية لا الحكومة وحدها.
وعلى الأحزاب أن يكون لها حضور في نصف الأقاليم الإندونيسية الـ٢٧ على الأقل، وعدد من الفروع فيها، كما يجب على الحزب أن يحصل على مليون توقيع ليحق له أن يرشح أعضاءه في أول انتخاب، وهذه نقطة أخرى مثيرة للجدل، وتحديد عمل الأحزاب التجاري فإنه يفرض عليها توضيح مصادر تمويلها وعدم السماح لأي حزب أن يمتلك أكثر من نسبة 10% من أسهم إحدى الشركات، عدد الأحزاب الكبير حاليًا يعيد للذاكرة ما حصل في الخمسينيات عندما دخل معركة كسب الأصوات ۱۳۰ حزبًا أو أكثر.
لكن الأحزاب التي كسبت مقاعد في أحد المجلسين كان عددها ٢٦ حزبًا، غير أن هذه الصورة قد لا تتكرر بنظام الدائرة الانتخابية الحالي يمهد للأحزاب الكبيرة فقط بالفوز.
الملاحظة الأخرى حول كثير من هذه الأحزاب هي أنها مجرد «مجموعات مصالح»، ولعل الأفضل لكثير منها أن تنشط في «اللوبيات» من أجل قضاياها لعدم امتلاكها للدعم الشعبي الكبير، واللازم.
تشكيلة البرلمان الإندونيسي | ||||
م | من قبل «عهد سوهارتو 32 عامًا» | «بداية من انتخابات مايو 199م» | ||
1 | المعينون من قبل الأحزاب الفائزة | 425 | المنتخبون حسب نظام الدائرة | 427 |
2 | المعينون من قبل الجيش «100 قبل 1995م» | 75 | المنتخبون حسب نظام النسبة | 68 |
3 | - | - | المعينون من الجيش | 55 |
المجموع | 500 | المجموع | 550 | |
التشكيلة الجديدة لمجلس الشعب الاستشاري M. P. R | ||||
م | من قبل «في عهد سوهارتو» | «بداية من مايو 199م» | ||
1 | أعضاء برلمانيون «من البرلمان أصلًا» | 500 | الأعضاء البرلمانيون «مرشحون للبرلمان» | 550 |
2 | المعينون من قبل الأحزاب والجيش والأقاليم والرئيس «فعليًّا من قبل الرئيس» | 500 | مرشحون من الأقاليم | 81 |
3 | - | - | معينون من قبل الرئيس | 69 |
المجموع | 1000 | المجموع | 700 | |