العنوان التعليق الأسبوعي (292)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1976
مشاهدات 78
نشر في العدد 292
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 23-مارس-1976
يوم الأقصى أو «العمق العقائدي» للقضية
يوم الجمعة الماضي. خرجت من المسجد الأقصى- بعد أداء فريضة الجمعة- مواكب ومظاهرات فلسطينية شعبية ضخمة تهتف بالإسلام وتنادي بتحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وطفق المصلون- بعد الصلاة- ينددون بالعدو الصهيوني المحتل ويدخلون في نفسه الرعب. ويصيبون كيانه بالجزع وعدم الاستقرار.
ومتى يحدث ذلك؟
هذه الوثبة الشعبية حدثت في وقت تنظم فيه أمريكا والكيان الصهيوني والقوى الممالئة لهم- ومن هذه القوى حكام عرب تعرفهم بسيماهم وتعرفهم في لحن القول مأتما لفلسطين والشعب فلسطين.
وقت تهيئ فيه أنظمة- معروفة في المنطقة- نفسها لنفض يدها من قضية القدس. ونفض يدها بالتالي من كل ما يتعلق بالقدس من معان وقيم ومبادئ.
تحدث الوثبة الفلسطينية الشعبية في نفس اللحظة التي يحد فيها جزارون كثر في لبنان سكاكينهم لذبح الشعب الفلسطيني.
إن لهذه الوثبة دلالات عميقة ومتنوعة.
- أولاها أنه لا تستطيع أمريكا ولا يستطيع الكيان الصهيوني ولا يستطيع حاكم عربي أن يئد شعب فلسطين. بقرار أو موقف أو بضربة في الظهر.
لا ننكر أن سحق الشعب الفلسطيني أمنية تمددت في أذهان «بعضهم» فظن أنها هي أفق الخلاص والراحة والاستجمام!!! بل ظنها أسلوبًا علميًا في تناول القضايا!
بيد أننا في نفس الوقت ينبغي أن نذكر أن مصائر الشعوب لا تبرم ولا تقرر بواسطة الذين لا يعلمون من الحقائق العظيمة إلا أماني وأن هم ألا يظنون.
- ثانيها: زرع اليأس في صدور هؤلاء الذين يتمنون أن يغمضوا عيونهم لحظة. ثم يفتحوها فإذا الشعب الفلسطيني قد تلاشى وتبخر وإذا أرضه قد أصبحت «مقرًا دائمًا» لإخوة القردة والخنازير.
إن فشل المحاولات الرامية إلى «إعدام» الشعب والقضية معناه زرع اليأس في نفوس أصحاب المحاولات.
وتأييس الأعداء. هدف مطلوب وملح.. ولكي يكون اليأس مثل الجبال ضخامة ورسوخًا فإنه يجب استمرار الكفاح والنضال.
وأنه ليسرنا أن ييأس خصومنا ويلفهم القنوط لفًا كاملًا.
- ثالثا: العمق العقائدي للقضية.
فمن المؤكد أن سبب انفجار الثورة الجديدة كان عدوان اليهود على حرمة المسجد الأقصى. حيث دخله يهود. يعبثون فيه تحت ستار أداء العبادة!!
ومن المؤكد.. أن هذه القضية. إنما هي قضية عقائدية في الدرجة الأولى. لا دخل للعلمانية. أو الاشتراكية. أو الماركسية فيها. وهي قضية -من زاوية أخرى- أكبر من النزعة الوطنية المجردة. ومن هنا فإن «العمق العقائدي» للقضية مسفر جدًا.
- إن المسجد الأقصى نصوص صريحة في الكتاب والسنة.
- إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- توجه- وفق المنطق العقائدي- لفتح بيت المقدس. ففتحه.
- إن صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- نهض لتحرير الأقصى من أيدي الصليبيين بدافع المعتقد الديني الإسلامي.
- في جانب السلب: لم يأت اليهود إلى فلسطين إلا بدافع تعاليم التوراة المحرفة بهدف إنشاء «ملك إسرائيل».
وكل هذه الوقائع تقطع بأن الصراع بيننا وبين يهود. هو صراع عقائدي.
ولئن أقصى الإسلام -عمدًا- من هذا الصراع. ولئن مثل هذا الإقصاء أكبر خدمة يمكن أن تقدم لليهود. فقد حان حين وضع القضية في إطارها الصحيح. إننا ننادي بإسقاط كافة الرايات. حتى يخلص الموقف كله لراية الإسلام وحدها.
ووضع القضية في إطارها السليم -ونعني به الإسلام- يحقق مجموعة إنجازات هي جد ضرورية.
۱- يحقق الاهتداء إلى الطريق الحقيقي. ويوفر الأسلوب المضمون لتحرير الأقصى وفلسطين.
۲- يمكن الفلسطينيين من الإفادة من إمكانات العالم الإسلامي. البشرية والإعلامية والمالية والاستراتيجية. يضاف إلى ذلك «التأييد المعنوي» والتحرك تحت غطاء شعبي كاد تعداد أفراده أن يبلغ مليارا من البشر.
۳- يفرض على العالم الإسلامي القيام بواجبه إزاء قضية تتصل بعقيدته وقيمه بأقوى الأسباب.
والصراحة تملي علينا توجيه نقد حاد لمسلمي العالم.
في يوم الأقصى كنا نتوقع أن تخصص خطبة الجمعة في مساجد العالم الإسلامي لهذا الموضوع. ويشد الخطباء انتباه المسلمين إلى المسجد الأقصى. وعدوان اليهود عليه وعلى الشعب الفلسطيني. وكنا نتوقع أن يقود أئمة المساجد المصلين عقب صلاة الجمعة في مواكب مهيبة. إغزازا لمسرى الرسول. وتأجيجًا للشعور العام بمعاني العقيدة والإيمان. وحملًا للسلطات على اتخاذ موقف قوي إزاء ما يجري في فلسطين المحتلة.
كنا نتوقع أن تبادر الهيئات والجماعات الإسلامية إلى تنظيم حملات إعلامية وفكرية وثقافية مكثفة. تعرف العالم بالقضية وتكشف عنصرية اليهود وطغيانهم وهمجيتهم. ولكن.. لم يحدث شيء من ذلك.
صحيح أن أصواتًا من العالم الإسلامي ارتفعت في الأمم المتحدة تطالب مجلس الأمن بمنع اليهود من ممارسة عبثهم بمقدسات المسلمين. وصحيح أن منظمات دولية تحمل شعارات الإسلام قد نددت بالاستعمار الصهيوني. لكن كل ذلك كان دون المستوى المطلوب.
والقول بأن للقضية عمقا عقائديا يعني-مباشرة- اتخاذ موقف عقائدي عملي مجابه للعدو.
وقبل أن ننهي هذه الكلمة نحذر من استغلال الوثبة الشعبية في فلسطين المحتلة فقد تستغلها بعض الزعامات المتفاهمة مع العدو ابتغاء إنشاء كيان جديد يشق وحدة الفلسطينيين ويدعي تمثيلهم. ويوثق علاقته بالأنظمة المتأمركة المتطورة في صفقة تصفية القضية الفلسطينية. والأمر الذي يحبط كل استغلال هو: مد الوثبة الشعبية بمزيد من الوقود والتنظيم وكافة الإمكانات حتى تصبح ثورة يستحيل قمعها واستغلالها وترويضها.
في دوامة لبنان
في لبنان دوامة وأوضاع معقدة، وتجاه هذه الأوضاع والدوامات, لا بد من الاحتفاظ بسكينة العقل والمحافظة على صفاء النظرة لكي يسير التحليل في طريق أكثر صوابًا.
ومما يعين على ذلك: كف النظر والاهتمام عن «الانبهار» بما يجري, والاندهاش مما يفعل السحرة.
نعم.. لندع لاعبي السيرك يقومون بأدوارهم, ثم ننصرف نحن إلى التعرف على حقيقة الموقف.
فمهما نوع لاعبو السيرك أدوارهم وأزياءهم وفنون سحرهم لا ينبغي أن يصرفنا ذلك عن «مقصود» اللعبة وهدفها وغايتها.
ومقصود اللعبة هو:
- ضرب المقاومة الفلسطينية والشعب الملتف حولها.
- إعداد لبنان وتهيئته إعدادا يتناسب -في تقدير أكابر المجرمين- مع المرحلة التالية.. مرحلة التصفية النهائية القضية المركزية في المنطقة.
- تطويق مطالب مسلمي لبنان ابتغاء «تصغيرها» وتفتيت الإجماع المنعقد عليها.
- تجديد مهمة «العسكر» في الحكم أو على الأقل في الإشراف والوصاية على النشاط السياسي وتوابعه.
ومن قرأ - مثلا- «الدور السياسي للجيش الأردني» يدرك المعنى الآنف, وهذه الأهداف الثابتة لدى الخصوم صممت وسائل محددة لتحقيقها.
ومن هذه الوسائل: الحرب الأهلية في لبنان, وانقلاب الأحدب والدور السوري.
فأهداف الحرب الأهلية في لبنان هي: إحباط مطالب المسلمين العادلة وتصفية الوجود الفلسطيني.
ولقد أعلن ذلك صراحة بيار الجميل وسعيد عقل وغيرهما.
وأهداف انقلاب الأحدب ماشية في نفس الخط, ومن أجل ذلك سارع نصارى متعصبون - مثل سعيد عقل وقادة في حزب الكتائب- إلى تأييد حركته.
أما أهداف الدور السوري فتتركز في لجم القوى الإسلامية -السنية بالذات- وفي فرض وصاية على المقاومة الفلسطينية.
وأهداف الأهداف - إن صح التعبير- هي: الاستعداد لتنفيذ المخطط المرسوم للمنطقة.
فعندما اقتربت القوى الإسلامية اللبنانية من تحقيق أهدافها ومال الميزان العسكري لصالحها تدخلت سوريا فأوقفت التقدم, ثم كانت الوثيقة الهزيلة التي أحبطت أهداف المسلمين.
والموقف السوري شتت القوى الوطنية في لبنان, منها ما يقف مع سوريا ومنها ما يقف ضدها, وشتت القوى الفلسطينية -وإن كانت الكارثة الكاملة لم تقع بعد- فزهير محسن بصاعقته, وبعض قادة جيش التحرير يقفون إلى جانب سوريا بدون تحفظ, حتى ولو كان الخط السياسي خاطئًا, وفتح والقوى الموالية لها تقف في طرف آخر.
وهذا التشتيت يفيد أحزاب الكتائب والأحرار وحراس الأرز إلخ. أي أنه جزء من المخطط إياه.
لقد هدد العدو الصهيوني بالتدخل في لبنان إذا تدخلت سوريا, ولقد أجمعت الأخبار على أن قوات سورية دخلت لبنان فعلًا.
ومع ذلك.. لم يتدخل العدو..
وبطبيعة الحال فإن تدخل العدو مرفوض كما أن وجوده في فلسطين باطل أصلًا.. لكن السؤال هو: هل أحس العدو بأن التدخل السوري لا يشكل خطرًا عليه؟
وفي هذا النطاق: تتزايد احتمالات ترشيح حزب البعث في المنطقة كبديل للناصرية.
بينما القضايا العليا تحتاج للاهتمام.. انشغال رسمي بحفلات الرقص!
وزعت وزارة الإعلام بطاقات دعوة لحضور(حفل غنائي استعراضي راقص) تقدمه الفرقة القومية التشيكوسلوفاكية على مسرح جامعة الكويت.
ووصلت بطاقة لـ«المجتمع» لحضور الحفل الراقص!!
وموجه الدعوة هو وكيل الوزارة.. بصفته. وبدلا من الحضور.. لنا ملاحظات نقدية على موقف الوزارة هذا.
إن وزارة الإعلام ليست مهمتها تشجيع الرقص والدعوة لحفلاته. ولئن كان هذا السلوك على المستوى الفردي يعتبر منكرا فإنه على المستوى الرسمي أشد نكرا.
فإن المسؤولية تدور مع حجم التأثير.. كبرًا وصغرًا. وحين يوضع الاهتمام بالرقص أو يقارن بالاهتمامات الأخرى العليا التي ينبغي أن تكون فإن الأمر لا يحتمل ولا يطاق.
ففي الوقت الذي تدبر فيه جريمة کبرى لاغتيال القضية الفلسطينية في لبنان. ويستبيح فيه اليهود حرمة المسجد الأقصى. وتنفجر الأرض المحتلة بمقاومة باسلة ضد الاحتلال الصهيوني. وفي الوقت الذي نتعرض فيه لفتن شتى. تقضي بأن يكون سلوكنا جادا واهتمامنا كبيرا. في هذا الوقت تقام حفلات راقصة بدعوة رسمية!!
ما هذا؟!! أهو استعجال للبلاء والنقمة؟
إننا في غمرة الأحداث. والتمتع بنعم الله تعالى يجب أن نتذكر جيدا أن أقواما نزعت منهم النعمة واستدرجوا من حيث لا يعلمون بسبب تصرفات كهذه. حسبوها صغيرة وهي رهيبة النتائج وخيمة العقبي.
«المجتمع» في عامها السابع
دخلت «المجتمع» -بحمد الله- وفضله- عامها السابع- ومع بداية عامها السابع نرجو أن يكون مستقبل أيامها خيرا مما استدبرت. إن المسؤوليات المناطة بهذه المجلة متعددة. وكبيرة.
- فنحن نعيش عصر «الصراع الإسلامي» أي في عصر اتخذ فيه الغزو الثقافي والفكري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي من أدوات الإعلام ووسائله جسورا يزحف عبرها إلى ما يزيد.
والمجتمع.. تقف على ثغرة من ثغرات الإسلام في هذا المجال.
- والمرحلة التاريخية التي تعيشها أمتنا تتسم بالتخلف والقعود في الجانب الداخلي الذاتي. وتتسم بالأطماع والتسلط في الجانب الخارجي. بمعنى أن الكفاح الفكري والإعلامي ينبغي أن يقاتل في جبهتين: داخلية وخارجية. والخروج من مأزق التخلف كان لا بد من التوسع في التعليم ومع ارتفاع نسبة التعليم تتضاعف مسؤولية المجلة لأنها تخاطب أناسا ظفروا بحظ من التعليم والوعي ينبغي أن يقدر ويحترم.
ولو ذهبنا نحصي المسؤوليات لما وسعنا المقام.
- مرة أخرى: دخلت «المجتمع» عامها السابع -بحمد الله- وبهذه المناسبة ترسل تحيتها وتقديرها وإعزازها للإخوة في جهاز التحرير والإدارة وللإخوة الذين يزودونها بإنتاجهم. وللإخوة القراء في كل مكان.
والحمد لله من قبل ومن بعد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل