العنوان يهود الحبشة والتآمر الدولي
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1985
مشاهدات 73
نشر في العدد 699
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 08-يناير-1985
كنا في المجتمع قد أشرنا قبل شهر تقريبًا إلى قيام إسرائيل بعملية تهريب صامتة لليهود الإثيوبيين، وأن الآلاف من هؤلاء اليهود تمكنوا من السفر بعد إقامة جسر جوي ما بين إثيوبيا وإسرائيل عبر دول أخرى.وفوجئنا في نهاية الأسبوع الماضي بضجة إعلامية واسعة النطاق حول هذا الموضوع وكأنه قضية جديدة مع أن ما عرف باسم عملية موسى مضى عليها عدة شهور وأن هذه الضجة الإعلامية لم تبدأ إلا بعد أن قاربت العملية على الانتهاء واستقر ما يقرب من 25 ألف يهودي إثيوبي في فلسطين المحتلة، وكان الإعلان عن العملية رسميًا قد تم عن طريق قيام مدير دائرة الهجرة في الوكالة اليهودية بتسريب المعلومات المتعلقة بهذه العملية إلى صحيفة نكودا الإسرائيلية. وكانت جميع الصحف الصهيونية قد أشادت بالعملية وأسمتها بالبساط السحري واعتبرت وصول اليهود الإثيوبيين إلى فلسطين المحتلة انتصارا للفكرة الصهيونية.
على أن نقل اليهود الإثيوبيين إلى فلسطين المحتلة له دلالات خطيرة جدًا يمكن أن نبينها في الآتي:
التآمر الدولي:
من خلال عملية التهجير الواسعة النطاق يتضح لنا مدى التواطؤ الدولي لإتمام هذه العملية. فمن المؤكد أن إسرائيل بإمكاناتها لا يمكن أن تنفرد بتنفيذ هذه العملية لأنها على حد قول رئيس الوكالة اليهودية من أكبر موجات الهجرة وأكثرها تكلفة، ومن هنا يمكن أن نفهم التواطؤ الأمريكي الذي تم أثناء زيارة إسحق شامير ومن ثم شمعون بيريز حيث اتفق الاثنان مع الحكومة الأمريكية على تزويد إسرائيل بالمبالغ اللازمة لتنفيذ هذه العملية وقد قامت الولايات المتحدة على الفور بتسليمها 5 ملايين دولار كدفعة أولى على حساب العملية التي قدرت تكاليفها بعشرات الملايين من الدولارات، بالإضافة إلى تكاليف استيعابهم في إسرائيل والمقدرة بمئات الملايين من الدولارات.
ومن جهة ثانية فإن التواطؤ امتد إلى بلجيكا حيث تم اتفاق الحكومة الإسرائيلية مع شركة «ترانز أيروايز» البلجيكية للملاحة الجوية لتنفيذ عملية الجسر الجوي لنقل اليهود الإثيوبيين إلى فلسطين المحتلة، وقد قامت هذه الشركة بالفعل في تنفيذ عملية التهجير الضخمة، ونقلت هؤلاء اليهود إلى إسرائيل عبر العاصمة البلجيكية بروكسل والعاصمة الإيطالية روما، وبعض العواصم الأوروبية الأخرى. وهذا يؤكد على دخول بلجيكا وغيرها من الدول الأوروبية في عملية التواطؤ لأنه ليس من المعقول أن تتم مثل هذه الصفقة بين الحكومة الإسرائيلية والشركة البلجيكية بدون علم السلطات البلجيكية كما لا يمكن أن نقبل أن يمر مثل هذا الجسر الجوي الضخم ولأكثر من شهرين متتاليين بدون علم السلطات المسؤولة في تلك العواصم الأوروبية التي توقف الجسر الجوي في مطاراتها قبل الانطلاق الأخير نحو فلسطين المحتلة.
ولا ننسى هنا الموقف الإثيوبي الذي لا يمكن فصله عن الموقف الأمريكي من حيث المبدأ، فالولايات المتحدة دفعت الأموال وغطت التكاليف وإثيوبيا هيأت اليهود من مواطنيها للرحيل ومن المؤكد أن دفع الرجال نحو الوطن المحتل أخطر بكثير من دفع الأموال.
أما ادعاء عدم علم الحكومة الإثيوبية بهذه الهجرة الجماعية فأمر يدعو للسخرية فأي حكومة تلك التي يجري تهجير عشرات الآلاف من مواطنيها وتدعي أنها لا تعلم عن الأمر شيئًا!!
ولا يمكننا هنا أن نغفل عن تواطؤ كل القوى المتواجدة على الساحة الإثيوبية كالاتحاد السوفياتي وكوبا.. ممن لهم خبراء عسكريون يعلمون كل كبيرة وصغيرة عن المنطقة وما يجري فيها فهل يعقل أن تتم مثل هذه العملية بدون أن يعلم بها أحد!!
ويمكننا القول إن التآمر الدولي الذي تم قبل إنشاء الكيان الصهيوني وبعد إنشائه وأثناء الهجرات المتتالية من الاتحاد السوفياتي التي قدرت بحوالي نصف مليون يهودي روسي منذ عام 1970 هو نفس التآمر الذي يتم حاليًا فوق الأرض الإثيوبية.
منطلق الهجرة:
الهجرة الجماعية لليهود الإثيوبيين إلى فلسطين المحتلة تؤكد لنا حقيقة ثابتة حاول ويحاول الكثيرون طمسها وهي أن هذه الهجرة وما سبقها من هجرات قبل وبعد إنشاء الكيان الصهيوني تنطلق من اعتبارات دينية بحتة، نحاول أن نفهم بعض الشيء هجرة اليهودي الروسي أو الأمريكي أو... ونقبل بعض التبريرات التي يحاول القوميون عرضها علينا، ولكن آنى لنا أن نفهم أو أن نقبل هجرة هؤلاء اليهود السود الأحباش وأية صلة قومية تربطهم بالأرض الفلسطينية، إن التفسير اللا ديني للقضية أصبح من السذاجة بمكان.
وإن تسمية العملية بعملية موسى أعطتها بعدًا دينيًا واضحًا، إن قبول هؤلاء المهاجرين رغم المصاعب الاقتصادية الضخمة بعد ديني ملموس، ويتم من منطلق ديني.
وإن قيام الأحزاب والهيئات الدينية ببذل الجهود الضخمة إلى جانب الحكومة لاستقبال ورعاية يهود الحبشة ذو منطق ديني، والكثير الكثير من الشواهد والأدلة لا يتسع لها المجال هنا تؤكد كلها على المنطلق الديني لهذه الهجرة الحبشية.
وأخيرًا نقول لكل العرب ماذا أعددتم أنتم لمواجهة هذا الخطر؟؟؟