العنوان يسِّر عليهم ولا تعسر
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011
مشاهدات 3
نشر في العدد 1981
نشر في الصفحة 58
الجمعة 23-ديسمبر-2011
من الحياة
هجائية الحب (۲۸) «حرف الياء»
لما أغلظ أحد الأعراب في خطابه لرسولنا الرؤوف الرحيم ﷺ، وهم به بعض الصحابة رضي الله عنهم، قال لهم دعوه، ثم رفق به، ولان، وأكرمه، ويسر عليه، وبذل له المعروف فأنقاد الأعرابي إلى الحق وحقق النبي ﷺ المقصود والمراد، وقال للناس كلمة رائعة مؤثرة حكيمة، ليت كل الآباء يسمعونها، لتكون أساساً تربوياً رئيساً يحكم علاقاتهم بأولادهم، قال: «لمن حوله إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل له راحلة، أنفلتت منه، فذهب الناس في طلبها سراعاً من كل جانب، فلم يزدها ذلك إلا نفوراً فقال صاحبها للناس، دعوني وراحلتي، فلم يزل يناديها، ويأخذ من نبات الأرض ليعطيها، فلم يزل كذلك حتى أخذ بزمامها» (أخرجه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك).
هذا رسولنا الرحيم الرؤوف الذي وصفه ربه بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159).
ولما بال الأعرابي في المسجد، وأنتهره الناس أنكر ﷺ على الناس ذلك، وتركه حتى قضى بوله، ثم دعاه، وعلمه برفق، وقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا القذر، إنما بنيت للصلاة والقراءة والذكر والعبادة.
مع معاوية بن الحكم
لما تكلم معاوية بن الحكم السلمي في الصلاة -وكان حديث عهد بها- وهم الصحابة رضي الله عنهم بزجره، لكن النبيﷺ تعامل معه برفق ولين حتى قال معاوية نفسه عن رسول الله ﷺ في هذا الموقف: «فبأبي أنت وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني» قال -أي النبي ﷺ-: «هذه الصلاة لا تصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (رواه مسلم).
والذي أبهر معاوية بن الحكم هنا في شخصية النبي ﷺ هو رفقه ولينه، لأنه نصحه بعيداً عن أعين الناس في لطف وستر.
ومن النصوص الجامعة في اليسر والرفق واللين المؤكدة لهذا التوجيه قوله عز وجل: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125).
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: (۸۳).
ولقد أثنى الله تبارك وتعالى على رسوله لتحليه بالرأفة والرحمة وهما من مؤهلات التيسير، حيث قال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128).
ما أحوج الآباء إلى أن يتدبروا الآية القرآنية الآنفة الذكر، وأن يقتدوا بمنهج نبيهم ﷺ، فلقد كان ﷺ سهلاً ليناً قريباً من الناس، مجيباً لدعوة من دعاه، قاضيا لحاجة من استقصاه، جابراً لقلب من سأله لا يحرمه، ولا يرده خائباً، وإذا أراد أصحابه منه أمراً وافقهم عليه، وتابعهم فيه، إذا لم يكن فيه محذور، وإذا عزم على أمر لم يستبد به دونهم، بل يشاورهم، وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليساً له إلا الحسنى، ولم يعبس في وجه أحد، ولم يغلظ القول لأحد، ولم يتصيد لأحد أخطاءه، ولم يمسك على أحد فلتات لسانه، ولم يؤاخذ أحداً بما يصدر منه من هفوات، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويتحمل أذاه ﷺ.
ذلك لأنه خير من يتبع هدي ربه، فقد وجهه ربه سبحانه بقوله: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125).
يقول العلّامة السعدي -يرحمه الله- في تفسيره أي ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل ربك المستقيم -المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح- بالحكمة أي كل واحد على حسب حاله وفهمه وقوله وإنقياده وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.. فإن كان المدعويرى أن ما هو عليه حق فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لإستجابته عقلاً ونقلاً، ومن ذلك إقناعه بالأدلة، دون أن تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها.
فإذا كان هذا هو منهج الدعاة مع الخلق، أفلا يكون هو المنهج الأمثل مع أولادنا؟! إن كثيراً من الآباء يعتنقون الشدة منهجاً في توجيه أولادهم وتربيتهم، فيأتي ذلك بنتائج سلبية وخيمة في معظم الأحيان، ومع ذلك يصر هؤلاء الآباء على إعتناق القسوة والشدة، فهل جربوا منهج التيسير؟!
وقولوا للناس حسناً
من آليات منهج التيسير مع أولادنا أن نحسن لهم القول، فقد أمرنا ربنا سبحانه بذلك، حيث قال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: (۸۳).
ومن إحسان القول أمرنا إياهم بالمعروف ونهينا إياهم عن المنكر، برفق ولين وحب.
ومن إحسان القول تعليمهم العلم، والبشاشة في وجوههم، والسلام، والقول الطيب.
كن حليماً معهم
قال الحق عز وجل عن رسوله ﷺ، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159).
ففي هذه الآية الكريمة أمتن الله على رسوله برحمته به وبأصحابه، فألان النبي ﷺ جانبه لأصحابه رضي الله عنهم، وأخفض لهم جناحه وترفق بهم، وعاملهم بحسن خلقه، فاجتمعوا عليه وأحبوه، وأطاعوه.
ثم بيّن الله تعالى أنه لو كان ﷺ غليظاً قاسياً لا نفضوا من حوله، لأن هذا ينفرهم ويبغضهم وتلك طبيعة البشر.
فليعلم الآباء أن الأخلاق الحسنة واللين والرفق مع الأولاد تجذبهم نحو المربي، وترغبهم في طاعته وإلتزام أوامره، وعلى العكس من ذلك فإن الأخلاق السيئة من الوالد تنفر أولاده منه وتبغضهم فيه.
فإذا كان هذا هو التوجيه الرباني للرسول المعصوم فكيف بغيره؟!
أليس من الواجب أن نقتدي بأخلاقه الكريمة، وأن تعامل أولادنا والناس كما كان يعاملهم باللين وحسن الخلق؟!! إن في التيسير على أولادنا إمتثالاً لأمر الله وطاعته وجذبا لأولادنا نحو جادة الطريق.
وفي اللين جذب
نحن إن تدبرنا -نحن الآباء- أمر الله عز وجل لموسى باللين مع طاغية الأرض فرعون عليه لعنة الله، لأدركنا أن في اللين جذباً لأولادنا وعوناً لهم على الهداية، قال الحق عز وجل الموسى وأخيه هارون عليهما السلام: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه: 43-44).
فقد أمر الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام بالرفق والأدب في اللفظ، أي بالقول السهل اللطيف، لعله بسبب ذلك يتذكر ما ينفعه فيأتيه، أو يخشى ما يضره فيتركه، فإن القول اللين الطيب داع لذلك، والقول الغليظ منفر لصاحبه.
ولنتأمل بداية دعوة موسى لفرعون بكلمة «هل» الدالة على العرض والتشاور، لا على الأمر الصارم، ثم إنها دعوة للتزكي والتطهر من الأدناس، ولم يقل موسى لفرعون: «أزكيك»، بل قال: تزك بنفسك، ثم دعاه إلى سبيل ربه الذي أنعم عليه ومن ثم وجب عليه أن يشكره.
وفي العفو يُسْر
فمن حُسن الخلق أن نعفو عن أولادنا، وأن نتحمل جهلهم إذا جهلوا، سواء أكان جهلهم جهل عقل أم قول أم سلوك، فمن عفا فقد نال الخير والفلاح، فذلك من توجيهات الله تعالى التي ألتزم بها رسولنا الكريم ﷺ في تعامله مع الخلق. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 32-33).
وكذلك قال ربنا عز وجل موجهاً رسوله ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199).
فعاشر أولادك -أيها الأب الكريم- بخلق جميل، وتواضع لهم، وصاحبهم، ولن لهم في قولك وعملك، وساعدهم على تحقيق مرادهم فإن كان في قلبك شيء ينفرك منهم فبادر إلى إزالته، واعلم أنهم أفلاذ أكبادك، يحتاجون منك إلى رفقك ولينك ورحماتك.
وطّن نفسك على الصبر
معروف أن الأولاد -وخاصة الأطفال والمراهقين- لا يدركون معالم الحياة، ولا يخبرون أسرارها، وتنقصهم خبرات كثيرة، فإذا سلمنا نحن الآباء بذلك لعلمنا أنهم يحتاجون منا إلى الصبر الجميل، ومن ثم نتحمل أذاهم، ونقابل الإساءة بالإحسان، مع مراعاة أسس التأديب والتربية، ونتقرب بذلك إلى الله تعالى.
وإذا كان من كمال حُسن الخلق أن تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، هذا مع عامة الناس.. فكيف بأفلاذ أكبادك؟! إن الجزاء من جنس العمل، فمن عفا عن أولاده.. عفا الله عنه، ومن سامحهم سامحه الله، ومن تغاضى عن مساوئهم -دون إهمال تربيتهم- فقد ستر الله عليه، فتكلم مع كل ولد من أولادك بما يناسب الحال، بالتعليم مع الجهال، وباللطف مع الصغار، فاعطف عليهم وارحمهم، ولاعبهم ومازحهم، وتسامر معهم وشاركهم إهتماماتهم وميولهم.
الجزاء من جنس العمل
إذا لم تجد في نفسك إستعداداً للعفو عن ولدك، وكدت تقسو عليه، وكاد صبرك ينفد ولم تطاوعك نفسك كي تسامحه، فتذكر أن الجزاء من جنس العمل، كما قال رب العزةسبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: 60).
فالحسنات لا تستوي مع السيئات، فالأولى ترضي الله، والثانية تجلب سخطه، وكذلك -ولله المثل الأعلى- لا يستوي الإحسان إلى الخلق مع الإساءة إليهم، لا في ذاتهما، ولا وصفهما، ولا في جزائهما.
بل إن الله تعالى أمر بإحسان خاص له مكانة كبيرة، وهو الإحسان لمن أساء إليك
فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أي فإذا أساء إليك مسيء بالقول أو بالفعل فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فصله، وإن ظلمك فاعف عنه وإن تكلم فيك -غائباً أو حاضراً- فلا تقابله بل أعف عنه، وعامله بالقول اللين وإن هجرك وترك خطابك فاجعل كلامك له طيباً، وابذل له السلام، وبذلك تكون قد قابلت الإساءة بالإحسان، ومن ثم تحصل الفائدة، ويتحقق الهدف، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).
لقد كان يدعو كل شخص بما يناسب حاله، وأمر أصحابه أن يدعو الناس بذلك وهكذا شريعته كلها مبنية على اليسر والسهولة في ذاتها وأحكامها وشرائعها، وفي دعوتها للخلق والأمر والنهي، فكيف تنحرف نحن الآباء عن شريعة ربنا في التعامل مع أولادنا؟!
كم في قرآننا من الحث على التيسير.. وكم فيه من الحث على الإحسان والتسهيل.. وكم فيه من الأمر بالعفو والصفح عن الجاهلين.. وكم فيه من النصح للعباد برفق وإرشاد الضالين.. وكم فيه من حث على العفو عن أخطاء المسيئين.