العنوان يزاحمون الفقراء على موائد الرحمن.. «أحفاد أشعب» ينشطون بالجزائر في رمضان!
الكاتب سمية سعادة
تاريخ النشر السبت 28-أغسطس-2010
مشاهدات 56
نشر في العدد 1917
نشر في الصفحة 30
السبت 28-أغسطس-2010
ككل سنة من شهر رمضان المعظم، تخصص الدولة الجزائرية مع بعض الجمعيات الخيرية والمحسنين، موائد إفطار، أو ما يطلق عليها في الجزائر، «موائد الرحمن» للفقراء وعابري السبيل، وتعمل هذه المراكز على توفير وجبات غذائية متنوعة على مدار شهر كامل، إلا أن هناك فئة من الميسورين لا تتوانى عن مزاحمة الفقراء وعابري السبيل على هذه الموائد، بما يعني أن أشعب ترك خلفه سلالة ما زالت متمكنة من
فنون «التطفل»!
للوقوف على هذه الظاهرة اخترنا مدينة «سطيف» (۳۰۰كم شرق الجزائر) كنموذج للحديث عن هذه الفئة من الناس، حيث توفر هذه الولاية ذات الكثافة السكانية الكبيرة (المرتبة الثانية بعد العاصمة) نحو ٢٠ مركزًا للإفطار، أربعة مراكز تابعة للبلدية، ومركزان تابعان للهلال الأحمر الجزائري، ومركز تابع لجمعية الإرشاد والإصلاح، ونحو ۱۲ مركزًا يمولها المحسنون، وبطبيعة الحال تعمل هذه المراكز على استقبال الفقراء وعابري السبيل، إلا أنه –وحسب شهود عيان –فإن عددًا كبيرًا من الانتهازيين من الميسورين وحتى الأثرياء يتسللون إلى هذه المراكز، ما يفقدها معناها الحقيقي، وبالتالي يضيع حق المعنيين في الإفطار في هذه المراكز، على اعتبار أن هؤلاء المتطفلين ينزلون على هذه الموائد في الساعات الأولى من المساء «لتأمين الكراسي».
يقول «مدني»، وهو من مرتادي هذه المراكز التي يدخلها من باب «الفضول» حسب قوله: «أكثر الذين يرتادون مراكز الإفطار هم من الموظفين والعمال والشباب الذين ينتمون إلى عائلات ميسورة، وأنا أسكن في قلب مدينة سطيف وأعرفهم واحدًا واحدًا».
ويضيف: «بعضهم يرتدي ثيابًا رثة حتى لا ينكشف أمره، والبعض الآخر لا يبالي إذا دخل بكامل أناقته لأنه غير مهتم بمن يراه في هذا المركز أو ذاك، بل هناك من يفتخر لكونه من «المشتركين الدائمين» في هذه المراكز، ففي إحدى المرات سمعت واحدًا يقول للشخص الذي يجلس بجانبه: «أنا أفطر كل يوم هنا، فرد عليه: لدي أربع سنوات في هذا المركز»!
ومن طرائف «أحفاد أشعب» أنهم يختارون مراكز الإفطار حسب نوعية الأكل المقدم، فالمركز الواقع بحي ١٠١٤ مسكن بسطيف مثلًا، والذي يموله أحد المحسنين يقدم أطباقًا مختلفة من اللحوم، ما يجعله قبلة المتطفلين الذين ينزلون عليه نزول الجراد على قمح استوى على سنبله، وحسب شاهد عيان آخر، فإن بعض المدرسين والموظفين والعمال يفطرون في المراكز التابعة لمؤسساتهم، خاصة الذين يعملون ليلًا، حيث يوفرون على أنفسهم مشقة العودة إلى بيوتهم، ويفوتون على المحتاجين الدخول إلى هذه المطاعم التي يتعمد بعضها –حسب الشاهد –إلى إغلاق الباب قبل موعد الإفطار حتى إذا قصده الفقراء أو عابرو السبيل اعتقدوا أن الأماكن مشغولة، بل إن هناك مراكز تتعمد إبعاد لافتة «مركز إفطار» عن الأنظار حتى لا يقصدها المعنيون، وتبقى هذه الموائد حكرًا على أهلها أي «منا وإلينا»!
هناك فئة أخرى من المتطفلين، وهي تلك التي لا تعجبها الأطباق التي تعدها العائلة فتتوجه مباشرة إلى مراكز الإفطار.
الانتهازية وتفكك الروابط الأسرية
وعن أسباب هذه الظاهرة قال الأستاذ حرفوش لـ«المجتمع»، وهو باحث في علوم التربية: إن المجتمع الجزائري لم يعد مجتمعًا جماعيًا محافظًا على أواصر العائلة، بل أصبح مجتمعًا فرديًا انعزاليًا، بحيث لا يرغب أفراد العائلة في الاجتماع حول مائدة واحدة؛ لذلك يلجأ بعض الميسورين إلى موائد الرحمة، حيث يلتقون مع أصدقائهم ويجدون راحتهم، أما الفئة الثانية، فإننا لا نستطيع أن ننفي عنها صفة الانتهازية التي تجعل من صاحب وظيفة محترمة يزاحم فقير على الطعام.
وطالما أن هذه المراكز لا تخضع مرتاديها لجهاز «كشف الكذب»، ولا تجبر أحدًا على أن يحلف بأنه فقير أو عابر سبيل وليس «متطفلًا» على الموائد، وطالما أن ملامح الوجه لا يظهر عليها في الغالب أثر التطفل فإن هذه المراكز سيأكل منها الغني قبل الفقير، ويستفيد منها الساكن بقربها أكثر مما سيستفيد منها عابري السبيل.