العنوان يا حكام المسلمين: تعالوا إلى كلمة سواء.
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أكتوبر-1984
مشاهدات 64
نشر في العدد 686
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 09-أكتوبر-1984
منذ مدة ونحن نشهد حملة ترويض وترهيب للشباب المسلم تقودها بعض أجهزة الإعلام العربية تدعو للابتعاد عن «السياسة ووحولها» والانصراف إلى الدعوة «لمكارم الأخلاق وتفقيه الناس» ولست أدري أي قاسم مشترك يجمع بينها وأي مدير أعطاها إشارة الانطلاق، المهم عندنا أننا أمة تعلمت الصبر شعارها «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» وتعلمت أن النصر مع الصبر، وروضت جسدها على سهام العدو والصديق، وتتقي الأول وتنصح الثاني لأنها ترتبط معه بروابط الأسرة الواحدة في أرض مشتركة يحكمها قانون واحد، فالعدو اللدود شيء والابن الضال شيء آخر، فذاك السم الزعاف وهذا البلسم الشافي، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
والذي يؤسفنا فعلًا أن هذه الأجهزة تدعو المسلمين للانقطاع إلى «الإسلام المسيحي» ليكون مطية النزوات والنزعات وحليف سياسة الحزب الواحد أو البطل القائد وإلى رفع شعار «مملكتي ليست في هذه الأرض» و «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» حتى إذا ما طأطأوا رؤوسهم نصبت عليهم «سلطة بابوية» باسمها تحكم وبفتواها تشنق وتقتل وتأكل السحت وتنتهك العرض وتملأ الدنيا جورًا وظلمًا ثم لا تلبث أن تدخل معها في صراع كلما دعتها قوتها وسيادتها لمنازعتها السيطرة على ضمائر الناس.
مقولة الولاء لغير أولي الأمر
من هنا نخلص إلى أن هاجس ولاء الشعب لغير أولي الأمر ليس جديدًا على حكام البلاد الأوروبية، وإن ارتقى اليوم إلى قمة الأولويات في سلم هموم بعض حكامنا وبطانة السوء من أهل النفاق السياسي وجيش النفعيين وبيادق الاستعمار مهمتهم أن يوغروا صدر الحاكم على الطبقة المثقفة الواعية من رعيته بحجة أن لهؤلاء تنظيمات سرية ومخططات لقلب نظام الحكم وأنهم لا يعترفون له بولايته عليهم ولا يعطون قيادتهم إلا لمن ارتضوه لهم إمامًا.. وبالتالي فإنهم دولة داخل الدولة والقضاء عليهم ضمان سلامة الحكم واستقرار البلاد.
ركائز الحملة
حملة الترويض والترهيب هذه تعتمد على ركائز ثلاث:
- شيوع أفكار التطرف عند الإسلاميين.
- السرية السياسية المعتمدة لدى بعض الجماعات الإسلامية.
- عدم أهلية الإسلاميين لممارسة السياسة وإدارة الحكم.
ونقول بدءًا أن التطرف ليس من الإسلام في شيء، وأنه ملحوظ عند غير الإسلاميين أكثر مما هو عند المتفلتين من عقال العمل الإسلامي، وأنه ظاهرة اجتماعية كما هي سياسية وعسكرية دافعها عدم الرضى عما هو عليه الحال ورفض ما هو قائم بسلوك متمرد وأشكال مختلفة تبدأ بسلسلة الانقلابات العسكرية، وتنتهي بالارتكاس في حمأة الفسق والمجون ومسخ خلقة الله إلى الجنس الثالث... فمن أحب أن يرجع إلى دراسة شيوع أفكار التطرف فليرجع إلى أصولها وجذورها.
والسرية السياسية تتناسب عكسًا مع الحرية الدستورية فمن أراد تضييق مجالها فعليه أن يرفع سيف الإرهاب الحكومي عن الناس ويدخلهم في دائرة الحرية القانونية، أما عدم الأهلية لممارسة السياسة وإدارة الحكم فهي مقولة قديمة قدم الظلم والقهر والطغيان أيام كانوا يفصلون «الآلهة» فمن خرج من فمها فهو من الحكماء ومن خرج من ذراعها فهو من طبقة الجيش ومن خرج من قدمها فهو ممن كتب عليه حياة العبيد، ومن أراد أن يتخطى هذه «الأقدار» فما جزاؤه إلا أن يصلب أو يقتل أو يحرق.
الحكم يدوم مع الكفر ولا يدوم مع الظلم
قيل «إن العدل أساس الملك» ذلك أن أفضل قواعد القانون هي تلك التي تقيم نظامًا يرتكز على العدالة.
وعندما يكون القانون منطلقًا من العدالة والنظام الاجتماعي المقبول، فإنه لا يطبق بالإلزام والإكراه ولكن بالطاعة الاختيارية... وحينها لا يحتاج الحاكم لسبعة أجهزة مخابرات تتجسس على الشعب وعلى بعضها بعضًا، ولا يحتاج إلى «حزب الحكومة» مهمته تسيير المظاهرات وسوق العمال والفلاحين إليها بالترغيب والترهيب.
وعندما يكون القانون موجهًا للجميع لا يستهدف طبقة دون أخرى ولا يوقف بمراسيم رئاسية صلاحيتها «أربع ساعات» لا تذاع إلا بعد انقضاء مدتها «القانونية» ولا يفصل هذا القانون على مواصفات الطبقة أو الحزب... يكون إذ ذاك قانون الشعب الذي يلتزمه لأن به خلاصه وانتهاکه ظلم للفرد والمجتمع.
وعندما نرى الحاكم مشبعًا بحب السلطة حتى الثمالة، وأن القائد والحاشية متحرران من الالتزام بالقانون، عندها نقول إن الحياة الدستورية قد انتهكت وأن حرية الحاكم قد نهبت على أنقاض حرية الرعية، وأنه لا بد من الدعوة إلى تلقيح الناس ضد هذه المظالم والتصدي لهذه الفوضى الدستورية بوسائل الحوار والتثقيف والعودة بالتدريج للنظام الدستوري المتفق عليه، أو كما يقول مونتسكيو: «إيقاف السلطة بالسلطة».
هذا التصدي لا يريده الإسلاميون كما أرادته الثورة الفرنسية أو البلشفية باصطناع سلطة بديلة، ولكن بإعادة السلطة إلى مواقعها وترشيدها من مغبة الإسفاف والفوضى حتى يعرف الشعب ماذا يريد الحاكم ويعرف الحاكم ماذا يريد الشعب عبر قنوات واضحة ومفتوحة على مصراعيها من غير مزاودة ولا منافقة ولا تكسب.
دستورية المجتمع المسلم
والإسلاميون يعتقدون أن أي مجتمع مسلم يستمد سلطته من الدستورية الحقة القائمة على ركائز أهمها:
1-الإيمان بالله ومراقبته في السر والعلن... امتثالًا لقوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18)، وهذه الرقابة ليست على الأملاك والأفواه والأقلام، تمارسها أجهزة المخابرات والجواسيس وأسلاك الهاتف، إنما هي رقابة على الضمير في السر والعلن لأن الرقيب هو المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (سورة النساء: 1).
وأن هذه الرقابة العتيدة لا يمكن إنكارها ولا التنمص منها حتى ما بعد الموت، قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق: 19).
2- الثقة بين الحاكم والمحكوم والاعتراف المتبادل بحقوق وواجبات كل منهما.
حُكي أن رجلًا جاء إلى المأمون ينصحه فأغلظ له القول فقال له المأمون: «أرفق، فإن الله بعث من هو خير منك لمن هو شر مني وأمره بالرفق، إنه بعث موسى وهارون إلى فرعون وكانت وصيته لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه: 44).
والثقة بالفرد تقتضي الاعتراف له بحقوقه الفردية العامة وحقه بالممارسة والمراقبة والاختيار.
وهذه الثقة تقتضي بدورها الاعتراف له بحريته الفردية في إطار القانون، وضمان المساواة وتكافؤ الفرص وإعطاءه حقه في الاقتراع واختيار ممثليه وعرض أفكاره أمام الشعب والسلطة في إطار الأدب الإسلامي وحرية القانون.
3- الإيمان بفضيلة الحوار ونبذ العنف والتنازع... لأن التنازع فشل وذهاب ريح المسلمين، ولأن البقاء يومًا في ظل حاكم خير من مائة عام بدونه... ولما ورد عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» عندما جاءه يهودي يطالبه بدين قائلًا: «أنتم آل عبد المطلب قوم مطل» وكان الفاروق عمر «رضي الله عنه» حاضرًا، فغضب لهذا الموقف العنيف وعمد إلى سيفه، فأنبه الرسول «صلى الله عليه وسلم» قائلًا: يا عمر: كان الأجدر بك أن تأمره بحسن الطلب وتأمرني بحسن الأداء.
المواطنة الصالحة والديمقراطية الحقة
نظرية الإسلام في التشريع تعتمد على أن المشرع المطلق هو المتصف بالخصائص المطلقة التي لا تتوفر إلا في ذات الله عز وجل فإذا أعطيت هذه الصلاحية لبشر ما بإطلاقها فإنه سيفسد الناس والتشريع معًا، وفي هذا الصدد يقول المقنن الفرنسي:
السلطة المطلقة مفسدة مطلقة.
فالإسلاميون إذ يحاربون الاتجاه نحو السلطة المطلقة بقوانين الحق والحرية فهم يهدفون إلى استقرار المجتمع وحفظ توازنه ويسعون لبقائه تحت مظلة السلم وفي ظلال نسائم الحرية، حيث يحس كل فرد أنه في نعمة هي من حقه، واجبة الدفاع عنها من خلف قائده الذي ارتضاه وليًا لأمره، والإسلاميون جزء من هذه الأمة لهم ما لغيرهم من حقوق وعليهم ما على غيرهم من واجبات يتمتعون بحقوق المواطنة كما يتمتع غيرهم ويسعون لتنظيم معارضتهم كما تسعى بقية القوى الاجتماعية.
هكذا نفهم الديمقراطية والحرية تصورًا وممارسة فلا ينكرها علينا إلا ظالم أو عسكري مغامر أو سلطان متجبر.
فلماذا يعترف لكل الأحزاب -اليمينية منها والشيوعية- بهذا الحق ويحرم منها من لا يريد اتباع الشرق ولا الغرب.
كلنا يعلم أن الشيوعية لا تؤمن بالحرية السياسية جملة وتفصيلًا ومع ذلك يعطى لها دورها في العمل السياسي وحقها مصان ضمن التركيبة الدستورية في كثير من البلاد.
- فالشيوعيون لا يسمحون لغيرهم بدخول الحياة السياسية في كل بلاد المعسكر الشيوعي.
- والشيوعيون لا يؤمنون بحرية الفرد... لأنهم لا يثقون بالفرد أصلًا وإنما بالتنظيم الحزبي.
- والشيوعيون لا يؤمنون بالحوار وسيلة للتفاهم... بل العنف الثوري والتخطي لكل ما هو مألوف في سبيل تنفيذ القرار.
- والشيوعيون لا يقرون تركيبة المجتمع الذي نبتوا فيه... لأن ولاءهم الأول لمعقل الشيوعية الدولية حتى إن بدت لنا أسماء تتبادل مواقعها بين ما يسمى الشيوعية الوطنية والشيوعية السوفياتية فكلهم عتاة على كل حكم غير حكم الطبقة وسياسة الحزب الواحد.
أما ما تسمى بالأحزاب اليمينية فعلّتها أكبر، فهي تتبع دولًا وأحزابًا دولية وتنتهج مناهج التغريب والتبعية، فهذا يدعو إلى الفرنسة وآخر إلى الليبرالية بلا كوابح، وآخر إلى انتهاج سبل الماسونية والروتاري بلا رادع ولا حاجب.
كل هذه الأحزاب تمنح في بلادنا مكانة قانونية ليس إيمانًا بنزاهتها ولكن يقينًا أنها تتحرك من مواقع عالمية ومعسكرات دولية.
ونحن نفهم -كما يفهم غيرنا- أن المفهوم السياسي لسيادة الدولة هو انعتاقها من التبعية تجاه أي سلطة أخرى، وأن أي دولة لا تكون مستقلة سياسيًا حتى تمتلك حرية ممارسة السلطة... فكيف نفهم -كما لم يفهم غيرنا- منع المسلمين أبناء البلاد من ممارسة الحياة السياسية وإعطاءها لأحزاب تبيعة ولاؤها لغير أولي الأمر ولا سلطة للحكومة عليها من قريب أو بعيد.
لكل أولئك تعطى الحقوق إلا للمسلم...
- لأنه لا أحلاف له ولا سادة يحمونه من الناس... ولكن الله مولاه والكافرون لا مولى لهم.
- لأنه يدعو إلى الله وتحكيم شرعه ولا يرى في السياسة إلا وسيلة لا يهمه من مارسها بقدر ما يهمه كيف تمارس.
قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (يوسف: 40).
«اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي رأسه كزبيبة ما أقام حكم الله فيكم».
- لأنه يصبر على الأذى ويدعو بالصلاح للإصلاح بالحكمة والموعظة الحسنة.
لأنه هو وحده الذي دافع عن استقلال بلاده ونافح المستعمر الغاشم، أنف على المساومات الرخيصة والصفقات الدنيئة والمؤامرات على الناس... فهو وحده الذي حمل شعار:
«شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتمي».
ونال به استقلال بلد ابن باديس بينما وقف الحزب الشيوعي الجزائري ضد الاستقلال وضد «الرجعية»... وهذه الحقائق لا ينكرها شخص واحد من وهران إلى عنابة.
- لأنه وحده الذي يسد الثغور ويستر عورات المسلمين ويأنف سياسة الابتزاز السياسي والإرهاب الحكومي المنظم الذي مارسه وما زال يمارسه مئات بل آلاف من أصحاب أبي رغال.
هذا المسلم الوديع، يعرف حقه ويتلطف في طلبه لا يعطي ولاءه للشرق ولا للغرب فلماذا يحال بينه وبين ما يصبو إليه؟ و ينكر عليه دون غيره من الناس أن يتنفس، فضلًا عن أن يتكلم أو ينظم صفوفه؟!
ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم
تلك كلمة الفاروق عمر «رضي الله عنه» وجزاه عنا خير الجزاء، قالها مخاطبًا حكامه وولاته.
«ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تبعدوهم عن نسائهم فتعنتوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم».
والمقصود هنا ليس الكفر الاعتقادي إنما الكفر اللغوي وهو الخروج عن النظام المألوف ودفعه لارتكاب الذنب وجحود النعمة، والتمرد على قواعد السلوك المقررة والنظم الإلزامية العامة، فأية حكومة تبغي البقاء يجب أن تتطور باتجاه تقريب السلطة من الشعب وتوجيه ممارستها لصالح الجماعة، ومجابهة غرائز السيطرة بالكفاءات المتوفرة المخلصة وتكافؤ الفرص.
وأية حكومة رشيدة عليها أن تركز بقاءها على معادلة:
الحكم السلطة = الحكم الكفاءة
أي بمعنى أن المقام الأول في تولي الحكم يعود للكفاءة وتأتي السلطة تبعًا لهذا، وكلما اقتربت الحكومة من الكفاءة زاد عطاؤها وازدادت تقاربًا من الشعب وتنازلت عن استخدام السلطة لازدياد الثقة بها.
ولكي تستطيع أي دولة تحقيق النظام لا بد لها من حفظ السلام، وإقامة المؤسسات وتنظيم الهياكل والمسؤوليات وخلق ذهنية لدى الشعب على تقبل قوانين الحق والعدل ورفض الجور والظلم ونقد الفساد من خلال النظام والقانون.
ولكي يتم هذا وذاك لا بد من قبول المعارضة العلنية بتنظيماتها الواضحة ضمن الإطار العام، والسماح لها بتدريب صفوفها على الممارسات النظيفة والنقد المحتشم البناء ولا بد من إيجاد نوع من الصلات بين الحكومة والمعارضة تتبادل فيها الأفكار وتتوضح معها المبهمات.
ولكي يتم الحد الأدنى من الوفاق بين السلطة والمعارضة يحتاج الفرد لشيء من الثقافة السياسية ودرجة من الاطلاع تحت مصابيح الحرية حتى يشعر أنه جزء من هذا المجتمع وأنه يتحمل نصيبًا من مسؤولية السلطة.