; يا أخي في الله.. هل تقف مع نفسك وقفة؟ | مجلة المجتمع

العنوان يا أخي في الله.. هل تقف مع نفسك وقفة؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003

مشاهدات 79

نشر في العدد 1539

نشر في الصفحة 47

السبت 22-فبراير-2003

يا أخي في الله: هل وقفت مع نفسك وقفة جد ومحاسبة قبل أن يضيع عمرك وتنقضي فرصك وتندم ولات ساعة مندم؟ وقد قال رب العزة سبحانه ﴿وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا (7) فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا (8) قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا (9) وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا (10) ﴾ ( الشمس: 7- 10).

وقال صلى الله عليه وسلم: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم»، قبل أن تحاسبك الأيام ويوقفك التاريخ؟ قبل أن تحاسبك الأمة على ضياعها وعلى تأخرها؟ قبل أن تزدريك الأجيال المتعاقبة على الجهل والخنوع والنفاق والشقاق والفرقة والضياع الذي خلفته.

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله                                                       

                                                                       وأجسامهم قبل القبور قبور

وإن أمرءًا لم يحي بالعلم ميت                                                              

                                                                  وليس له حتى النشور نشور 

يا أخي في الله: هل فكرت فيما تحتاجه أنت وأسرتك وأمتك، من وقت لكي تعمل، ومن جهد لكي تنهض، ومن عزم حتى تفوز، ومن فكر حتى تسود، وليس النجاح متوقفًا على الخطة الدقيقة، والظروف المواتية وحسب، ولكنه متوقف كذلك على اللحظة المناسبة، وقد كانوا يحذرون من الرأي الفطير «المتعجل»، ومن الرأي المتأخر أيضًا، والتوفيق في الأمر، أن يكون نتاج عقل بصير وفكر نابه محيط ووقت حكيم يلحظ الأمر بشواهده الأولى، ويعرف الأزمات من سحبها الداكنة، ونذرها المنطلقة، ولا يجلس حتى إذا وقعت مصيبة عاتب القدر، وقد رأى أن كل شيء في الكون له مقدماته ونذره، فقبل النهار الصباح، وقبل الليل غياب الشمس، وقبل المطر سحاب وغمام، وقبل العواصف هبات الرياح. وقبل الفشل الكسل والخمول وفقدان الغايات ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ (سورة الرعد: 8)، ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ ﴾ (المزمل:20)، ولهذا كان أعظم الناس تعرضًا للخسارة والإخفاق أولئك الغافلون ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: 179)، ولقد كان من دعاء الصديق رضي الله عنه: «اللهم لا تدعنا في غرة ولا تأخذنا على غرة، ولا تجعلنا من الغافلين«، وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يدعو أن يرزقه الله البركة في الأوقات، والسداد في الأعمال، والفقه في الأحوال، ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه.

 ومن الصور الإسلامية والتعاليم التراثية النيرة في ذلك معرفة المسلمين لقيم الأشياء ونفعها حتى أنك تسمع «ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة».

هو الجد حتى تفضل العين أختها                                                 

                                                                         وحتى يكون اليوم لليوم سيدا 

فهل آن الأوان يا أخي أن نطرد شبح الغفلة ونعود إلى التذكرة واليقظة، ونودع الضياع والغفلة، فإن الحسنات يذهبن السيئات، ولرب ساعات تأتي بنفحات تهب على العليل فترد له عافيته، وعلى النائم فتوقظه للجد والعمل، وعلى الخائب فتعطيه دفعة من الدروس والعبر، ويرفع الله بها من الوهدة، وينقذ من الفتنة، ويرفع بها درجات عباده، ويفتح الباب على مصراعيه لتنهض الجموع التائهة، وترتفع الهمم الخامدة، والمؤمن دائمًا أبدًا طارد للغفلة متحفز للعمل الذي يراقب الله فيه ويعلم أنه محاسب عليه ولن يعيش هملًا، أو يترك سدى، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن بين مخافتين، بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه»، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم، ومن الحياة قبل الموت.

فكن صارمًا كالوقت فالمقت في عسى

                                                وخل لعل فهي أكبر علة 

ولهذا كان من وصايا الصالحين العاملين لإخوانهم ما هو أخذ باليد ومنبه للفكر ومذكر بالرب:

يا أخي: «لا تعش بغير غاية، فالله لم يخلقك عبثًا ولم يتركك سدى، وصدق صدق الله العظيم ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة: 36).

يا أخي: ليكن الله غايتك وهو حسبك وناصرك ومعينك ومثبتك على الحق، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ﴿ۚفَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة الأعراف: 157) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ (محمد: 2).

يا أخي: إنما تحرص في الحياة على أمرين رزقك وأجلك ولا سلطان لأحد عليهما إلا الله، فلا يمنعك الحرص عليهما أن تعمل للحق ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (العنكبوت: 60)، ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: 36) ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات: 22) ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ﴾ (الأنعام: 2) ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: 34).

يا أخي: إنما تنهض الأمم بالتضحية، وتقوم الدعوات على الوفاء، فإن كنت تعيش لأمتك في سبيلها، وإن كنت مؤمنًا بدعوتك فاجتهد في الوفاء لها، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 95) ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾

(الإسراء: 34).

يا أخي: لا تقل ما لا تفعل فقد قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2)، ولا يغرنك أن يحسبك الناس عاملًا، وليكن همك أن يعلم الله منك صدق ذلك، فإن الناس لن يغنوا عنك من الله شيئًا. 

يا أخي: لن يستطيع أي صاحب أن يكون لك في غير هذه الحياة الدنيا: ﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ (35) وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ﴾ (37) (عبس: 34:37)، هناك صاحب واحد ينفعك في حياتك ويلازمك في آخرتك، هو العمل الصالح، فاحرص على أن يكون صاحبًا لك في كل حال، وتذكر قول ربك سبحانه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (الرعد: 28-29) ﴿ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49).

يا أخي قلبك محل نظر الله منك فاحذر أن تدنسه بخصومة إخوانك المسلمين فإنها حجاب في الدنيا وعذاب الآخرة: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾ (الشعراء: 88-89).

يا أخي: اجتهد أن تؤمن بفكرة يخضع لها أملك وعملك، تعيش بها وتموت بها، واسمع قول الحق سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119) 

يا أخي: أعتقد أنك ينبغي أن تعمل لغايتك حتى تنتج الخير وتدفع الشر، وأن تقوم بما يُفرض عليك من تكاليف، فإن فاتتك الأولى فلا تفوتك الثانية.

يا أخي: لا تيأس والله معك، ولا تعجز والحق في يمينك، ولا تلتفت إلى الخطوب ما دمت على الطريق المستقيم».

إذا اشتملت على اليأس القلوب                                          

                                                                      وضاق لما به الصدر الرحيب

وأوطأت المكاره واطمأنت                                                

                                                                      وأرست في أماكنها الخطوب

 ولم تر لانكشاف الضر وجها                                 

                                                                        ولا أغنى بحيلته الأريب

 أتاك على قنوط منك غوث                                               

                                                                    یمن به اللطيف المستجيب

وكل الحادثات وإن تناهت                                       

                                                             فموصول بها الفرج القريب

 وأخيرًا نسأل الله العون والتوفيق والسداد، آمين آمين.

الرابط المختصر :