العنوان يا أبا الحسن عشت بطلًا وإلى عليين شهيدًا
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2003
مشاهدات 71
نشر في العدد 1567
نشر في الصفحة 24
السبت 06-سبتمبر-2003
انتابني في اليوم الذي سبق الفتيان إحساس غريب وكنت أود الاتصال به وتحذيره حتى يتخذ الاحتياطات الأمنية اللازمة بعد تهديدات شارون للفلسطينيين إثر العملية الاستشهادية بالقدس، ولكن -للأسف- كنت بعيدًا عن واشنطن ولم يكن رقم هاتفه معي، الأمر الذي حال دون اتصالي به وكنت شاهدته للتو يتحدث للقناة الجزيرة محذرًا من انسياق السلطة ورضوخها للتهديدات الإسرائيلية بضرب حركة حماس وتجريدها من سلاحها.. وعلى إثر حديثه ذلك اليوم بدأت وأخي نتذكر الأيام التي كان فيها إسماعيل في أمريكا حيث كنا نقيم جميعًا في مدينة فورت كولنز، بولاية كولورادو للدراسة بالجامعة هناك.
لم أكن أصدق أن أخي وصديقي الذي عشت قريبًا منه كل تلك السنوات في غزة ومصر وأمريكا سيأتيه الأجل بهذه السرعة المفاجئة، وفي وقت الهدنة التي عمل المهندس جاهدًا على إنجاحها طوال الأسابيع التي سبقت اغتياله، حفاظًا على وحدة الصف الفلسطيني، وتمكينًا لحكومة محمود عباس للوفاء بالتزاماتها تجاه المشروع الأمريكي للسلام والمسمى به ب «خارطة الطريق».
كنت تحدثت له منذ أسابيع لشكره على جهوده وسعة الفقه في تفهم ضغوط الواقع الدولي، وتفويت الفرصة على شارون ومحاولاته الدؤوبة للنيل من تماسك الموقف الفلسطيني، وجر فصائل المقاومة والسلطة إلى أتون حرب أهلية قد تطال ويلاتها القوى الفلسطينية كافة، خاصة إذا انفلت الأمر من عقاله وأخذ السلام طريقه إلى صدور الفلسطينيين وقلوبهم.
كان إسماعيل هو صمام الأمان على الساحة الفلسطينية لما يتمتع به من أخلاقيات عالية ومهارات إدارية متميزة، وصداقة للإخوة في كافة الفصائل الفلسطينية وكانت له كذلك حظوة ومكانة لدى الشيخ أحمد ياسين مؤسس حماس والأب الروحي للحركة الإسلامية في فلسطين، وربما كانت مرجعية هذه العلاقة مع الشيخ أحمد ياسين إلى سنوات البدايات الأولى للعمل الإسلامي في غزة، حيث كان إسماعيل يقيم في نفس مخيم الشاطئ الذي يقيم فيه الشيخ أحمد، وقد عملا معًا لسنوات عديدة هناك قبل أن ينتقل الشيخ أحمد إلى حي الصبرا في سكن مجاور المجمع الإسلامي، أما إسماعيل فقد بنى بيتًا بعد تخرجه في الجامعة في حي الشيخ رضوان بالقرب من مدينة النصر «حي الشهداء» وكلاهما بمدينة غزة.
كان إسماعيل في معظم الوقت يتجنب الأضواء ولا يعرف عنه الناس إلا أنه مهندس ناجح يسهل التعامل معه والثقة به... ولكن حركته وقدراته في التخطيط والعمل ظلت بعيدة عن أعين سلطات الاحتلال، وقد عمل في عدة مواقع قيادية خلال سنوات الانتفاضة وتسلم مسؤولية قيادة حركة حماس بعد اعتقال الشيخ أحمد ياسين، وسجلت الانتفاضة الفلسطينية الكثير من إبداعات المقاومة في عهده، وقد دخل السجن لفترة قصيرة نسبيًا خلال عملية الاعتقالات التي وقعت في عام ١٩٨٩، وطالت الكثير من شباب حماس إثر عمليات الاختطاف الشهيرة لبعض الجنود الإسرائيليين.
عندما جاء المهندس إسماعيل أبو شنب إلى أمريكا في أوائل الثمانينيات كان هناك العديد من الطلاب العرب والمسلمين يقيمون للدراسة في ولاية كولورادو حيث يوجد الكثير من الجامعات، وكانت مدينة فورت كولينز، معروفة بجامعتها الشهيرة کلورادو استيت يونيفيرسيتي، وكان يوجد في هذه الجامعة طلاب من العراق وليبيا والسعودية على شكل بعثات تعليمية، إضافة إلى جنسيات أخرى مصرية وفلسطينية وسودانية، ولكن بأعداد أقل. كان من السهل على التجمع الطلابي أن يتعرف على إسماعيل عندما جاء إلى المسجد للصلاة وتنسيق الجهود، ولم يطل الوقت حتى اختاره الطلاب ليكون رئيسًا للمسجد وإمامًا له. فالرجل إذا جلست لا تملك إلا أن تحبه وتسمع له فهو مثقف واسع الاطلاع دينيًا وسياسيًا، متواضع شديد الأدب سمحًا لا تغادر الابتسامة وجهه.
لقد شهدت سنوات الثمانينيات على الساحة الأمريكية صراعات بين مختلف التجمعات الطلابية، وفي إطار هذه الأجواء المحمومة من العلاقات المتوترة بين الطلاب ظهر المهندس إسماعيل ليكون رجل المرحلة بينهم، وكانت مساهماته ملحوظة في التوفيق بين تناقضاتهم وجمع صفوفهم والحفاظ على عافية طاقاتهم، وتوظيفها لما يخدم مشروع الدعوة الإسلامية من ناحية ومواجهة النشاط الصهيوني بالجامعة من ناحية أخرى.
لقد كان المهندس إسماعيل بمثابة السلسلة التي ترابطت بها كل حلقات الطيف الفكري- الإسلامي والقومي لتشكل تجمعًا تتجسد بداخله قدرات فعل واستثمار الطاقات في مواجهة التحديات التي كان يعيشها التجمع الطلابي داخل الجامعة، ولها امتدادات تمس قضايا أمتنا العربية والإسلامية.
إن كل الطلاب الذين عرفوه في تلك المدينة الصغيرة والجميلة فورت كولينز، ويتوزعون الآن على خارطة الوطن العربي والإسلامي، يتذكرون ذلك الشاب الذي كان بينهم نعم الأخ والصديق وكان لهم القاضي الذي يحكم بين خلافاتهم. برجاحة عقل واتزان لن تغيب عن هؤلاء الطلاب تلك الابتسامة الهادئة التي كانت تهون عليهم غلواء الشحناء والتباغض التي كانت تستعر بينهم أحيانًا.. لن ينسى هؤلاء كيف كان يعيش لهم، ويسعى دائمًا للتيسير عليهم، إذا اشتدت هموم الدراسة وشؤون الجامعة. لقد سبقنا إلى هناك وكانت لديه الكثير من الخبرات وكنا نلجأ إليه نطلب مشورته ونستهديه اجتهاداته لن تغيب عن ذاكرة تلك الأيام كل البصمات والمعالم للشاب الذي عاش حياته من أجل إخوانه ووطنه وكان لهم الرمز في التضحية والفداء.
العودة إلى غزة من جديد
بعد حصوله على شهادة الماجستير في الهندسة المدنية، عاد المهندس إسماعيل إلى غزة مرة أخرى، ليعمل محاضرًا بالجامعة الإسلامية، ويساهم في تطوير هذا الصرح الأكاديمي الرائد بالقطاع، ومن المعروف عن المهندس إسماعيل شعبيته حتى في الأوساط غير الإسلامية، ولطالما نجح في انتخابات نقابة المهندسين بدعم أصوات من خارج هذه الدائرة الاعتبارات الكفاءة والمرونة وحب الناس له.
الانتفاضة الأولى: تجليات التخطيط والهندسة
مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في الثامن من ديسمبر ۱۹۸۷ كان المهندس إسماعيل أحد أبرز رموزها بحكم قربه من الشيخ أحمد ياسين وكان بخبرته وتجاوبه والحكمة التي اتسم بها من أكثر من يلجأ إليهم الشيخ أحمد ياسين طلبًا للمشورة والرأي، ولعل إليه يرجع الفضل في تطوير الخطاب السياسي لحركة حماس، فهو يمثل عنصر التهدئة والربط مع الفصائل الفلسطينية الأخرى كان رجل المنطق والحوار ومن أشد المعارضين لأي صراع داخلي ينشب على الساحة الفلسطينية الفلسطينية، وهو مهندس سياسة خط أحمر لا يمكننا -تحت أي ظرف- كان أن نتخطاه.
كان يحظى بتقدير واحترام قيادات الفصائل الوطنية والإسلامية، وكان رهانه دائمًا على ضرورة استمرار تماسك الصف الفلسطيني وتعزيز جبهته الداخلية باعتبارها الضمانة الوحيدة لمغالبة المشروع الاستيطاني الصهيوني وهزيمته. وكان دائم التحذير من مغبة تصدع هذه الجبهة أو شرذمتها، حيث العدو الصهيوني يتربص بنا الدوائر وينتظر مثل هذه الفرصة للإجهاز علينا جميعًا إما في مقاتل جانبية أو عبر ترحيل جماعي، ولذلك كان دائب الحركة للتخفيف من الاحتقانات التي كانت تطرأ بين الفصائل وكانت لديه قدرة كبيرة على نزع فتيل الأزمة في اللحظات الحرجة، إذا ما استعرت الخلافات على الساحة الفلسطينية وخاصة بين الفصائل الوطنية والإسلامية. لقد منحه رصيده النضالي وهيبته في الشارع الفلسطيني المكانة التي جعلته بحق القادر على حل المشكلات، وكانت هذه الفضيلة أو الهبة الربانية خصلة بارزة يعرفها فيه القاصي والداني على أرض الوطن.
كان المهندس إسماعيل إسلامي مخضرمًا عرف حركة الإخوان منذ أن كان طالبًا في الثانوية العامة بمعسكر الشاطئ بغزة، وقد سمحت له سنوات الدراسة في مصر أن يلتقي بقيادات تاريخية من حركة الإخوان المسلمين.
انتفاضة الأقصى: التضحية والاستشهاد.
برز اسم المهندس إسماعيل أبو شنب كأحد القادة السياسيين لحركة حماس، والمتحدث الرسمي باسمها في وسائل الإعلام الغربية والعربية، ونظرًا لقدرته على الحديث باللغة الإنجليزية، فغالبًا ما كان يدلي بالتصريحات الصحف والمجلات ووكالات الأنباء الأجنبية ويعتبر كذلك رجل العلاقات العامة الذي طالما رحب بالوفود الأجنبية التي كانت تتوافد على مقر الحركة في غزة لإجراء حوارات مع قيادات حماس، بهدف التعرف على فكر الحركة ونضالاتها. لقد حرصت حماس -وبجهد متميز للمهندس إسماعيل- في إعطاء حكومة أبو مازن كل فرص التهدئة للمساعدة في إنجاح مساعيها المعلقة على خارطة الطريق. ويهدف سد باب الذرائع والاتهامات للسلطة بأنها لم تقم بواجبها المنع عنف الفصائل ضد الاحتلال، وكان آخرها قبول حركة حماس بالهدنة إرضاء لأطراف فلسطينية وعربية ودولية، وجدت أن المصلحة الفلسطينية تقتضي إعلان الهدنة، ومنح عربة التسوية فرصة التحرك على هدي خارطة الطريق الأمريكية، لعل هذه الفرصة تسهم في وصول العربة إلى غايتها تحقيق السلام وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة عام ٢٠٠٥ كما تبشر بذلك الخارطة الأمريكية للطريق ولكن وكما هو متوقع فإن «إسرائيل»، لم تلتزم وواصلت مسلسل الخروقات والتعديات على الممتلكات والأرواح الفلسطينية، ولم تتوقف المداهمات والاعتقالات للشباب الفلسطيني تحت شتى الذرائع.
لقد قامت «إسرائيل»، بأكثر من ثمانمائة اختراق للهدنة دون أن تسمع بأي احتجاجات أو تنبيه من الطرف الأمريكي الذي احتكر الإشراف على تطبيقات خارطة الطريق، ووجدت الفصائل الإسلامية والوطنية أن الهدنة أصبحت قيدًا يكبل قدرات الفعل المقاوم، ويحرمهم من فرص الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، فقامت بممارسة بعض العمليات مع التأكيد على التزامها بالهدنة، بهدف لفت نظر الإسرائيليين والراعي الأمريكي العملية السلام أن التزام الهدنة من طرف الفصائل لا يعني أن تستمر قوات الاحتلال الإسرائيلي بممارسة العدوان والقتل بحق الشعب الفلسطيني دون أن تدفع ثمنًا باهظًا مقابل ذلك، وإن الهدنة يجب احترامها من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وإلا لا معنى لها ولن يكون بوسع الفصائل الفلسطينية الالتزام بها.
إن الذين يعرفون مخططات «إسرائيل» الاستعمارية مقتنعون بأن حكومة شارون غير معنية بالسلام ولا بخريطة الطريق، وإنما هي تشتري الوقت والهدوء لاستكمال بناء جدار الفصل العنصري، ونهب الأراضي الفلسطينية تحت ذريعة تحقيق الأمن للإسرائيليين عبر شبكة من المستوطنات المقامة على أراضي ومزارع الفلسطينيين.
لقد مضمر المهندس إسماعيل إلى ربه شهيدًا، ويخلفه جيل قوي البأس جبار عنيد سيعلق الكثير مما أصابه من مظالم على سياسات واشنطن الفاشلة تجاه ملف الشرق الأوسط وبالتأكيد يفتش له عن طريق للانتقام.
رحم الله أبا الحسن وأسكنه فسيح جناته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل