العنوان ومن أحياها.. قصة قصيرة
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر السبت 20-يونيو-2009
مشاهدات 67
نشر في العدد 1857
نشر في الصفحة 46
السبت 20-يونيو-2009
جاءتني وعلى قسمات وجهها سكن الحياء، تتردد في الكلام، وشعرت أنها جاءت لأمر آخر غير الذي أباحت به.. أتذكر ما من مرة جاءت إلى العيادة إلا عاملتها كابنتي وأرضيتها بالرعاية الكاملة.. أتذكر حينما جاءت من الهند لأول مرة عروساً صغيرة مثقفة تتحدث الإنجليزية ليس لها أهل ولا عشيرة ، كانت أنهار الغربة تجري دموعا على وجنتيها حينما أخبرتها حينذاك أنها حامل فتذكرت أهلها في جبال كشمير، وشعرت بثقل حمل الحمل والولادة وحيدة
لم يكن في وسعي وأنا الغريب مثلها، إلا أن أفتح لها صندوق مواهبي في أن أطمئنها ودعوت الله أن تنزل السكينة على قلبها.. وتتابع حملها إلى ثلاث مرات.
هل يا ترى هذا هو الحمل الرابع ؟ لم تشأ أن تذكر لي غير الأمر الذي اختفت وراءه الحقيقة وذهبت.
في اليوم التالي طلبني زوجها على الهاتف فأباح بما طوت صمتها عليه.
- نعم، هي حامل ولكنها تريد إجهاض الجنين.. كان هذا هو كلام زوجها.. أخبرته أن هذا الأمر يحتاج إلى نقاش معهما لا يسعه الهاتف.. كان علي أن أبذل قصارى جهدي في النصيحة بعد أن أعرف السبب، موضحا لهما رأي الشريعة الإسلامية وكذلك القوانين التي تسمح لي أن أذكرها وأن أنكرها في الوقت نفسه، والاختيار لها أعلم أن من حقها في هذا البلد قانونا إذا وجد السبب أن تجهض نفسها قبل الأسبوع الرابع والعشرين، لكن من حقي كطبيب مسلم ألا أساعدها على ذلك، وإنما أحيلها إلى أحد الأطباء الآخرين..
كان الأرق هو صديقي اللدود في ليلي أتقلب ذات اليمين وذات الشمال محملقا إلى لا شيء.. لا ترحل عني أطياف الأجنة الصغيرة البريئة وهي تقطع أو تشفط أو تمزق إربا.. كما لم يبرح خيالي صورتها وهي تنتفض مما يحدث.. وأكاد أجزم أنها مساقة للأمر بضغط من الزوج؛ لما أعلمه عنها من سلامة الفطرة وارهاف ..الحس فكرت أن أراها بمفردها وأطلب من زوجها الانتظار بعيداً حتى أحدثها وتحدثني دون ضغط، وفعلاً نفذت ذلك، وكشفت عليها وكان حملها حوالي ستة عشر أسبوعًا، وشعرت بالأمان، وفتحت لي مكنون صدرها، وأفرغت أنا وسعي.
- زوجي يدفعني.
- لعله رأى منك انشغالا عنه بالأولاد... رتبي وقتك وأعطيه حقه.
- تربية الأولاد في الغربة صعبة.
- تود دي إليه ليشاركك في أعباء التربية، ابحثي عن صُحبة تعينك.
- جسمي ترهل.
- مارسي رياضة في البيت، واستخدمي نظاماً غذائياً مفيداً.
- أريد مهلة بلا حمل.
- أمامك وسائل التنظيم، فلنختر منها ما يناسبك بعد هذا الحمل.
- المصروفات.
- أين يقينك برزق الله؟ يا عزيزتي حتى الحكومة البريطانية تعطي معونة للأطفال...
- لم يتعد الحمل ۱۲۰ يوما وقت نفخ الروح.
- فتحت كتاباً وأريتها صور الأجنة الصغيرة في أعمارها المختلفة والعلماء أفتوا بحرمة الإجهاض دون سبب أكيد من ضرر عليك وتشتد الحرمة بعد نفخ الروح. ونحن على أية حال على بعد أيام من ذلك، وقد تتعدين هذا في انتظار رؤية الناصحة والاختصاصية؛ لأن الأمر لا يعنيهم ما دام قبل ٢٤ أسبوعاً.
كانت تتحسس جنينها بين الحين والآخر وأشعر من أسئلتها بحيرتها التي كانت تظهر على ملامح وجهها ، ودموعها المحبوسة.
- نفسيتي متعبة.
- ذلك لأنك تفكرين في إسقاط الحمل وللأسف قد تتعبين أكثر حينما تجهضينه وتبدئين في استيعاب ما حدث واتهام نفسك بالقتل ؛ لأن القرار قرارك في النهاية وليس قرار زوجك.
أحسست أن جدالها الأساسي مرتبط بالحفاظ على العلاقة الزوجية، وإن كنت أشعر من إيماءاتها أنها أضمرت أمرا اتفقنا على مضض طبقا للقانون أني سأرسلها إلى جهة أخرى للنصيحة والتصرف معها، وإذا غيرت رأيها عليها أن تخبرنا.
ومرت أسابيع وأسابيع في زحمة العمل بين صراخ الأطفال.. وأنين الكبار.. وشكوى المسنين.. ناديت اسمها للكشف، وأخذ قلبي يدق سريعا، ونفسي يتردد بصعوبة في انتظار معرفة ما حدث.. وجمعت أمري حتى لا أظهر مشاعري بضيق أو عدم احترام.. ودخلت على مشرقة المحيا وإن كان فيه بعض الذبول، ودون أن أفكر نظرت إلى بطنها قبل أن يخرج من في أي كلام... أسعدني رؤية بطنها كبيرة...
- إذن استمر الحمل ؟
- نعم وأنا الآن في الشهر السابع.
- ماذا حدث؟
- لقد أرضيت ربي وأقنعت زوجي وهو يرى الآن كيف أن ذلك هو الوضع الطبيعي الذي كادت فكرة الإجهاض أن تشرخ إناءه شرخا هائلا .. لقد أخذت بنصيحتك واقتربت منه فاقترب مني، وربطتنا السعادة.
لم أستطع حبس دموعي وأنا أضع كفي الأيمن على بطنها أشعر بركضات الجنين كأنها تصافحني وتشكرني وشعرت بصلة عجيبة بيني وبين ابنها الذي كأنني أنقذته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل