العنوان المجتمع الثقافي (1167)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
مشاهدات 100
نشر في العدد 1167
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 19-سبتمبر-1995
ومضة
يزيد تعداد المسلمين على ألف مليون، ويتوقع أن يصل العدد إلى ألف وخمسمائة مليون بحلول عام ۲۰۲۰ ،كما ذكرت التقارير التي تضمنتها ملفات مؤتمر السكان الذي عقد في العام الماضي، ولعل هذا الهاجس المرعب هو الذي أوحى بفكرة المؤتمر آنف الذكر، وأملى الكثير من أهدافه ومراميه.
ومع ذلك فهذا العدد الضخم لم يحظ بشرف العضوية الدائمة لمجلس الأمن، بل إن أحدًا لم يفكر أو يطالب بالحصول على هذه العضوية.
هل لأن المسلمين لم يبلغوا مرحلة الرشد التي تؤهلهم للمشاركة في تسيير السفينة الكونية؟ أم لأنهم أهون وأقل شأنًا من أن يصلوا إلى تلك السدة العالية؟ أم أن امتلاك أسلحة الدمار الشامل، لابد منها للوصول إلى كرسي العضوية المقدسة؟
أنا أعتقد أن السبب الحقيقي يكمن في:
أن نادي الدول المسيحية، لا يسمح - مختارًا - للمسلمين بتحقيق مثل هذه الخطوة المؤثرة، لأن ذلك يفقده كثيرًا من امتيازاته ويكشف بوضوح العديد من ممارساته المجحفة والظالمة، ويعيد التوازن للمركب العالمي الذي يراد له أن يبقى مختلًا لصالح الدول التي تمتهن القرصنة، وتتعيش على امتصاص دماء الشعوب، وتحاول أن تغتال الأمل الذي يراود أحلام المستضعفين قبل أن يصبح حقيقة ملموسة.
إن الحق في مجتمع الغابات يؤخذ ولا يعطى، وأن المسلمين على الرغم من عددهم الكبير، وقدراتهم المالية والنفطية الهائلة، وما تذخر به أرضهم من موارد وطاقات، وحيث إنهم لا ينتظمهم عقد جامع ولا سوق مشتركة ولا تكامل اقتصادي أو عسكري، فإنهم لا يستطيعون انتزاع حقوقهم ونيل مطالبهم في عالم تحكمه شريعة القوة، وتدير دفته وتمسك بزمامه مخالب الوحوش المفترسة.. لكن مادام تيار النهضة الشاملة يتصاعد مع وجود الأمواج العاتية، وقافلة العودة إلى الجذور تتابع سيرها رغم الحصار المفروض، فإننا سنمتلك قريبا القوة التي تعيد لنا حقوقنا بإذن الله .
إفرازات الشيوعية بعد السقوط
بقلم: يحيى بشير حاج يحيى.
ماذا يحدث إذا سقطت وسائل التجميل من مساحيق وأربطة شد عن عجوز مترهلة دفعة واحدة؟وماذا يحدث إذا توقف حصان خشبي عن الجري في ملعب للأطفال، وقد تفككت أوصالة نتيجة صدمة مفاجئة لم تكن في الحسبان؟
هذا بالضبط ما حدث للشيوعية عندما سقط الستار الحديدي وافتضح الدور الإعلامي الذي كانت تقوم به فيما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي؟! ولعل وكالة الاستخبارات الروسية «كي. جي. بي»، تأتي في المقدمة، فعلى الرغم من تغيير اسمها، واتخاذها لإجراءات تهدف منها تنظيف صورتها، إلا أن ذكريات الرعب التي ملأت قلوب الجميع لا تزال تسيطر على نفوس الناس، وهذه الوكالة لا تزال تعيش هاجس تآمر الآخرين، فتتخذ منهم موقف التربص والتخوف والتحفز، ففي تقرير لها توصي بزيادة عمليات المكافحة للتجسس، وحظر اتصالات العلماء الروس مع الغربيين ...و....و.. ويظهر كما تقول إحدى المتخصصات في شئون هذه الوكالة أن «كي. جي. بي» تستطيع أن تغير اسمها، ولكنها لا تستطيع تغيير عقول الناس العاملين فيها. وعلى الرغم من أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، فإن الشيوعية حرمت الناس داخل الستار الحديدي من الخبز ومن الحرية معا !!
فقد بلغت نسبة الفقراء في روسيا في الربع الأول من عام ۱۹۹٥ كما أشارت إلى ذلك صحيفة الشرق الأوسط في عددها ٥٩٨٥ أكثر من اثنين وأربعين بالمائة من إجمالي عدد السكان، وأعلن مدير مركز مستوى المعيشة لدى وزارة العمل الروسية في لقاء صحفي أن نسبة الأشخاص الذين تبلغ مواردهم دون الحد الأدنى لمستوى المعيشة في ازدياد ملموس؟!
وتتفاوت نسبة مستوى الفقر فيما تبقى من الجمهوريات، كما تتفاوت نسبة القدرة الشرائية للموارد النقدية،وتعد موسكو أسعد حظًا من غيرها إذ يوجد فيها فقير واحد مقابل كل غني، أما البقية فيعيشون في مستوى الكفاية، وهذا يزيد بمقدار عشرة في المائة عن متوسط مستوى المعيشة في روسيا كلها؟
وكان لابد لهذا الفقر من إفرازات تحملها الأخبار مع مطلع كل صباح، فالناس الذين سلبت إرادتهم في ظل الهيمنة الشيوعية، وأصبحوا جزءًا من ألية النظام ما يزالون يصدقون ما تنشره الصحف، إذ استغل بعض المحتالين الصحف لنشر إعلانات عن وجود شركات تتعهد بتوفير العمل لقاء مبالغ زهيدة، وقد كسب هؤلاء المحتالون مبالغ كبيرة، ولا يوجد من يحاسبهم سواء في مصلحة الضرائب أم في رجال الشرطة.
ومسلسل الاحتيال عن طريق الإعلان أقرب طريق للثروة في روسيا فقد انتشرت شركات توظيف الأموال انتشارًا واسعًا، وفقد المودعون أموالهم دون أن يجدوا من يساعدهم على استعادتها لا في القضاء ولا في الحكومة، ولا حتى في مكتب رئيس الدولة الذي تنهال عليه البرقيات دون جدوى، ويلجأ آخرون إلى قتل ضحاياهم للحصول على أموالهم وممتلكاتهم ،كما فعل السفاح ألكسندر بوريليف الذي سرح من الجيش لأسباب صحية، وعمل صحفيا في تغطية أخبار النوادي الليلية، فقد كان يدس مادة مخدرة في الشراب الذي يقدمه إلى ضحاياه، ثم يقوم بقتلهم، وتبين بعد التحقيق أن الغاية من القتل هي الاستيلاء على أموالهم، فقد كان يسجل بيوتهم بمعونة مكاتب العدل والشرطة باسمه بعد دفع رشوات معينة، وتم التعرف عليه لكون البيوت قد سجلت باسمه في جميع حالات القتل؟!
وإذا كان ألكسندر بوريليف يكتفي بقتل ضحاياه والاستحواذ على ممتلكاتهم، فإن دزور مانجليف يقتل ضحاياه ويأكل لحومهم وهو مسئول عن مقتل ١٥٠ شخصًا معظمهم من النساء والأطفال، وقد اعترف أن للحم النساء مذاقًا خاصًا، وأنه أكل جثة ٤٧ امرأة؟! وبعض هذه الجثث صنع منها ولائم لأصدقائه وجيرانه، وسبق له أن فر من أحد السجون لقاء رشوة قدمها إلى الحرس؟!.
وفي مدينة فولجاجراد سيطر الرعب على الآباء والأمهات بعد اختفاء ثمانية أطفال في غضون عدة أشهر، وأصبح لزامًا عليهم أن يرافقوا أبناءهم إلى المدرسة في الذهاب والإياب وفي أثناء اللعب، بعد أن وقف رجال الأمن عاجزين أمام هذه الظاهرة، وأصبح الأطفال ضحية لانتشار الجريمة بأنواعها في المجتمع الروسي، وحين عجز الأهالي عن اكتشاف المجرم الحقيقي انصب غضبهم على أصحاب السوابق، ومنهم رجل للشرطة متهم باغتصاب صبية صغيرة وآخر من رجال المخابرات «كي. جي . بي».
ولا أحد يستطيع أن يدرك إلى أي حد ستصل إليه إفرازات الشيوعية، إذ لا يزال في قمقمها عجائب وغرائب ونفايات دفنت طويلًا وقد برز بعضها على السطح.
إصدارات
كتاب جديد يكشف حقيقتة لويس عوض: الكاتب المتعصّب يحارب الإسلام بأموال المسلمين!
في عهد الرئيس الأسبق، جمال عبد الناصر استطاع لويس عوض الكاتب الطائفي المتعصّب أن يهيمن على الحياة الثقافية والأدبية في مصر، وربما خارجها، في : بعض أجزاء العالم العربي وقد تمكن «لويس عوض» (۱۹۱٥ - ۱۹۹۰) من خلال سيطرته على القسم الثقافي والأدبي بجريدة الأهرام العريقة، أن يخرج عددًا من التلاميذ الذين ساروا على نهجه، وآمنوا بأسلوبه، فانطلقوا الآن في أكثر من مكان على الساحة الفكرية العربية، يرددون مقولات أستاذهم الراحل حول التنوير والتقدم، ورفض الإظلام والظلامية، والتنوير عندهم يعني اللحاق بالنموذج الغربي فكرًا وسلوكًا، والإظلام في مفهومهم هو الإسلام بمضمونه ومنهجه.
الرجل كان فيما يقول متسقًا مع تربيته وتصوراته، فهو طائفي، تربّى على يد المبشرين في الداخل والخارج، وكان وفيًا للتصور الصليبي الذي يسعى إلى خلع مصر من دينها وتراثها، واتخذ لذلك طريقًا مضمونًا يحقق له غاياته، فانضم إلى الحركة الشيوعية ونادى بأفكارها، وتبنى شبابها من الكتاب والشعراء، وإن كان قد أعلن بعد ذلك أنه لم يكن في يوم ما شيوعيًا، المهم أنه استطاع أن يقدم للحياة الثقافية مجموعة من الأدباء يتمردون على كل ما هو قيم ومضيء في حياتنا الإسلامية، وفي الوقت ذاته استطاع أن يحارب كل أديب ينعطف نحو الإسلام وقيمه، ويطلق عليه نعوت الرجعية والسلفية والتخلف والجمود .. إلخ.
نشأ جيل افتتن بالرجل، ورأى فيه المنقذ من الضلال، وزاد على ذلك أن تلاميذه وشيعته صنعوا يوم رحيله «أسطورة» مدهشة في حياتنا الفكرية وواقعنا الأدبي، دون أن يكون لهذه «الأسطورة» أساس حقيقي أو واقعي العكس هو الصحيح، فالرجل كان في حقيقة الأمر مخربًا للفكر العربي والإسلامي، مزورًا للتاريخ صانعًا من الخونة أبطالًا وقديسين.
وفي وسط جو محموم تهدر فيه أجهزة الدعاية التي يسيطر عليها تلاميذه وأشياعه ببطولات الرجل وعظمته وريادته وتقدميته واستنارته وغير ذلك من أكاذيب ،عكف الدكتور «حلمي القاعود»، بصبر وأناة، على ما خلفه الرجل من تراث وقراه قراءة علمية محايدة، واستطاع بجرأته وشجاعته أن يسبح ضد التيار، ويقدم الرجل في صورة حقيقية، لا تمت إلى الصورة المزيفة التي يرسمها له تلاميذه ومريدوه.. وأخرج سفرًا جليلًا، يقدم فيه الدليل والبرهان على كل كلمة يقولها، وكل نقطة يثيره، مما جعل كتابه وثيقة علمية خطيرة تكشف داعية صليبيًا متعصبًا، سخر قلمه وفكره وتلاميذه لمحاربة الإسلام بأموال المسلمين وفي ديارهم.
إن كتاب «لويس عوض: الأسطورة والحقيقة» الذي ألفه الدكتور «حلمي محمد القاعود»، قد أحدث صدمة للأوساط العلمانية واليسارية، لأنه تجرأ وفضح طبيعة صنمهم الذي يعبدونه من دون الله، وزاد في ذهولهم أنه يعتمد الحجة والبرهنة، من خلال مقولات لويس نفسه وكتاباته التي نشرها على الناس، وعبر ثلاثة أبواب ضخمة، يفسر الدكتور القاعود حياة الرجل وسلوكه، ويقوم أدبه وكتاباته، ويكشف طبيعة فكره وتصوراته.
لقد كان لويس عوض في حياته وسلوكه نموذجًا للشخص النرجسي الذي لا يطيق وجودًا متميزًا غير وجوده، ولا يقبل أن يشاركه أحد في الحياة الثقافية أو الفكرية، وقاده هذا إلى الاستبداد وممارسة الإرهاب ضد من يخالفونه الرأى، أو لا يشاطرونه الفكر الذي يؤمن به أو يتصدون لأخطائه الفكرية وخطاياه الثقافية، ولهذا حارب لويس مجلات «الرسالة» و «الثقافة»، التي كانت تتبنى خطًا قريبًا من هوية الأمة، وظل يعمل ويكتب التقارير حتى تم وقف صدور جميع مجلات وزارة الثقافة باستثناء واحدة، كما طارد الكتاب الذين كشفوا خطاياه مثل العلامة «محمود محمد شاكر»، الذي انتهي به الأمر إلى دخول السجن، ومنع اقتراب أي كاتب تشتم فيه رائحة الإسلام من الصفحات الثقافية في جريدة «الأهرام»... بالإضافة إلى ممارسات أخرى غريبة على كاتب يدعي الاستنارة ويدعو إلى الحرية والحوار.
وقفت دراسة الدكتور القاعود عند إنتاج لويس عوض الأدبي في النثر والشعر، فأثبتت أنه في مجال النقد واللغة، كان كاتبًا انطباعيًا لا يستطيع أن يتعامل مع أي نص تعاملًا علميًا. وكان قليل البضاعة في المجال اللغوي، مما أوقعه في كثير من الخطايا التي كشفها الأستاذ شاكر، والدكتور عبده بدوي، وعباس خضر وجلال كشك وآخرون، وكانت ثالثة الأثافي كما يقولون تأليفه كتاباً في فقة اللغة، أزرى فيه بالعربية وأهلها على غير أساس علمي أو تاريخي، وكان في شعره ومسرحه مثالًا للتمرد على الله والدين، فضلا عن احتفائه بالجنس الفج واللغة الجنسية الرخيصة.
أما فكره وتصوراته بالنسبة للعرب والإسلام، فكانت دليلًا على كراهيته العميقة للجميع، وعبر عن ازدرائه للعرب في أكثر من مناسبة، وزعم أن مصر ليست عربية، وقد حاول أن ينزع التاج عن أعلام الإسلام، ويسلبهم شرف الريادة والتفوق في مجالاتهم، كما فعل بالمعري وابن خلدون ورفاعة الطهطاوي في الوقت الذي نصب الخونة أبطالًا وروادًا من أمثال الخائن المعلم يعقوب الذي التحق بالحملة الفرنسية وحارب شعبه المسلم.. وكشفت الدراسة في هذا السياق عن جريمة أدبية ارتكبها لويس وهي سرقة أفكار الكاتبة «نيكي كيدي» عن جمال الدين الأفغاني، ومستشرقة أخرى حول «يعقوب صنوع».
المفارقة أنه عند صدور هذا الكتاب قامت الجهات الثقافية والأدبية بالتعتيم عليه، ولم تنشر عنه جريدة قومية خبرًا واحدًا، مع أن الكتاب وصل إلى أيدي المعنيين.. ولكنهم في الوقت ذاته احتفوا بكتاب تافه حاول أن يعلي من شأن لويس، ألّفَهُ متعصب طائفي على شاكلته.. ولكن الزبد يذهب جفاء، وما ينفع الناس فإنه يمكث في الأرض.
الكتاب: لويس عوض الأسطورة والحقيقة
المؤلف: د. حلمي محمد القاعود
عدد الصفحات:318صفحة- قطع كبير
الناشر: دار الاعتصام-القاهرة- ص.ب470
فاكس:3546031 تليفون:3551748
قصة قصيرة ...
واصفة
بقلم: عبدالله بن عبيد الله
تململت واصفة في وقفتها، وأطلقت زفرة حارة من أعماق صدرها هي واقفة بجانب أبيها عند أحد محلات المواد الغذائية، وبدا لها سوق المدينة أشبه بالسجن الكبير والمنزل سجنها الصغير الذي لا تغادره إلا للمخابئ والملاجئ التي تكتظ عادة بالرجال والنساء والأطفال مع بداية القصف الذي قد يستمر إلى أكثر من ثلاث ساعات متواصلة، وأخذت واصفة تتأمل الناس الذين يستغلون ساعات الهدوء لكي يبحثوا عن لقمة العيش التي تسد رمقهم وتروي ظمأهم انقطعت أفكار واصفة على رؤية قط صغير يتسلل بهدوء وسط زحمة الناس لم تتمالك واصفة نفسها. فأسرعت نحو القط الذي أخذ يحاول الهرب وهي تصر على ملاحقته غير عابئة بصوت أبيها الذي أخذ يتعالى من خلفها لا تبتعدي يا واصفة، لم تأبه واصفة بنداء أبيها بل أسرعت وراء القط الذي زاد من سرعته وابتعد عنها وهي تحاول جاهدة اللحاق به رغم ما يعترضها وسط الطريق، وفجأة أحست واصفة بالأرض تهتز تحت قدميها وتكهرب الموقف كله دفعة واحدة القذائف تنهال على المدينة وأصوات المدافع تصم الآذان، والناس يتدافعون في كل صوب واتجاه كل يبحث له عن مخبأ يأويه ووسط هذا الضجيج أخذت واصفة تتلفت حولها في رعبٍ ذاهل سرعان ما تحول إلى بكاء حاد وهي تصيح بأعلى صوتها «أبي أبي» ولكن هيهات لقد فقدت أباها ولم تعد تراه استمرت في الصراخ والبكاء والقذائف تنهمر على المدينة وصوت بكائها ضاع وسط ضوضاء صفارات الإنذار، ووجدت نفسها فجأة وسط زحمة من الناس تجمعوا في مخبأ قريب استمرت واصفة في البكاء الذي شاركها فيه جميع الأطفال والنســـــــــــاء في المخبأ ولم تدر واصفة كم استمرت على هذا الحال كل ما تذكره أن الهدوء ساد فجأة والقصف أخذ يتوقف تدريجيا، وبدأ الناس في الخروج من المخابئ وأخذوا يتفقدون ضحايا القذف ويتعاونون على نقل الجرحى إلى المستشفيات، ووسط زحمة البشر خرجت واصفة راكضة تبحث عن أبيها والدموع تنهمر من عينها، حاولت أن تتذكر المكان الذي كان فيه حتى وصلت إليه رغم تغير معالم المدينة بعد القصف العنيف، أخذت تدور حولها وهي تنادي على أبيها ولكن لا أثر له استغرقت فترة في البحث حتى لمحت إحدى الجثث التي كان يحملها رجلان إلى جانب الطريق أسرعت إليها لفت نظرها ذلك القميص الذي ترتديه الجثة توقفت عند الجثة وقد غطى الرجال وجهها يا إلهي هذا المعطف إنها تعرفه جيداً، وذلك الحذاء نعم إنه حذاء أبيها اندفعت واصفة نحو الجثة تحاول رفع الغطاء عن وجهها، ولكن أحد الرجلين أمسكها في سرعةٍ وأبعدها عن الجثة رغم صراخها وبكائها الشديد حتى حمل الرجال جثة أبيها وذهبوا بها بعيدا، استمرت واصفة في البكاء والرجل يحاول تهدئتها ولا يدري كيف يتفاهم مع طفلة لم تتجاوز سبع سنين من عمرها إلى أن أنقذه مرور رجل كبير السن ناداها في تعجب واصفة ماذا تفعلين هنا؟ أخبره الرجل بقصتها وكيف أن أباها قد قتل من جراء القصف عندها أخبره الرجل الكبير السن بأنه جارها وسيذهب بها الآن إلى أمها وإخوتها حملها الجار إلى منزلها وعند وصوله وقف الجار مندهشًا أمام المنزل واندفعت واصفة نحو المنزل الصغير وأخذت تتأمله في حيرةٍ إنها لم تتركه حطامًا هكذا أخذت تنادي على أمها وإخوتها ولكن لا مجيب نظرت حولها في فزع وقعت عينها على جثث مصفوفة بجوار المنزل عندها استوعبت واصفة الأمر الذي لم تتحمله فوقعت على الأرض فاقدةً الوعي. استيقظت واصفة من إغمائها على صوت ضجيج في مكان مغلق وأخذت تفتح عينيها في بطء كانت تحس بصداع شديد استندت على يديها وجلست بصعوبة وأخذت تنظر حولها كانت جالسة مع عدد كبير من النساء والأطفال والعجائز والشيوخ وصوت البكاء يتعالى، اكتشفت أخيرا أنها في صالة ألعاب مغلقة لم تجد ما تفعله سوى أن تنضم إلى قافلة الباكين حتى دخل عليهم أحد جنود الحكومة وصاح فيهم قائلًا: هيا بسرعة الكل إلى الحافلات التي بالخارج أسرعوا قبل أن يبدأ القصف، تدافع الناس إلى الحافلات التي سرعان ما امتلأت بهم ومضت مسرعةً إلى خارج المدينة لتلاقي المصير المجهول، ثم وصلت إلى نفس المكان سيارات نقل كبيرة تدافع الناس للركوب فيها وامتلأت الصناديق الخلفية بالنساء والأطفال ووسط زحمتهم كانت تجلس صامتة . بعد أن ملت البكاء لا تفكر في شيءٍ بعد أن فقدت كل من لها على هذه الدنيا وأخيرًا انطلقت السيارات مغادرةً المدينة التي باتت على وشك السقوط في أيدي المعتدين.
مالت الشمس إلى المغيب في ذلك اليوم الشديد البرودة، وبدأ قسيس إحدى الكنائس في إحدى المدن النمساوية شامخًا أمام كنيسته يترقب الطريق بعينين جامدتين حتى تسلل من خلفه مساعده ووقف يقول في رهبة لقد اتصل مندوب اللاجئين التابع للأمم المتحدة يا أبي وقال إن الحافلة ستصل حالا فلقد انطلقت قبل نصف ساعة، هز القس رأسه متفهماً وقال: لا أريد أن أكرر الكلام أريدك أن تكون خير مضيف لهؤلاء الأطفال أريدهم أن يشربوا الدين النصراني من هنا نقيًا صافيًا حتى يكونوا في الغد أكبر قساوسة أوروبا .... قطع القس حديثه عند رؤيته حافلةً مقبلةً مملوءة بالأطفال اليتامى والذين فقدوا ذويهم في خضم الأحداث، وداخل الحافلة بين زحمة الأطفال كانت تجلس هناك فتاة صغيرة صامتة حزينة كانت تدعى في يوم من الأيام.. واصفة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل