; ومضات على الطريق.. من أحسن القصص | مجلة المجتمع

العنوان ومضات على الطريق.. من أحسن القصص

الكاتب عبد الرحمن جميعان

تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1980

مشاهدات 74

نشر في العدد 471

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 26-فبراير-1980

  • القرآن سلاح المؤمن في دعوته.
  • الشيطان والنفس يركنان الداعية إلى الدنيا
  • الشيطان حريص على تمزيق شمل الدعاة
  • الإيمان هو الذي يعصم المؤمن من الفتن
  • أدب إسلامي رفيع نستقيه من القرآن 
  • لينتبه الدعاة إلى القصص فهي من أنجح وسائل الدعوة
  • التربية أساس في حقل الدعوة
  • عبء الدعوة ليس لهوًا، ولكنه عبء جسيم.

إن الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

يقول الله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (يوسف:3)

فمفهوم هذه الآية القصيرة أن سورة يوسف «ع» هي أحسن القصص، وذلك بما امتازت به هذه القصة عن غيرها في عدة أمور، أهمها والعلم عند الله:

أولًا: إنها قصة كاملة لداعية تعرَّض لشتي صنوف الابتلاء، الابتلاء النفسي والابتلاء الجسدي والابتلاء بالخير والابتلاء بالشر...

ثانيًا: ترسم صور عديدة للنفوس البشرية في غضبها، في حسدها، في عطفها في حبها... إلخ فهي تعرف الداعية كيف يتعامل مع هذه النفوس المتعددة الملامح، والقرآن مليء بالمواعظ والقصص والعظات، فلابد للداعية من «عذب من معين القرآن ليمنحه السكينة والطمأنينة ويكسبه الشفافية والإرهاف»([1])، لأن هذه الحياة التي يعيشها ترهقه وتمتص منه الروحانية، وتتركه ماديًّا جامدًا، فكان لزامًا عليه أن يُغذِّي روحه بالقرآن، بعد أن يحس بنقص في روحه: وإن شعرت بنقص فيك تعلمه فغذ روحك بالقرآن، واكتمل فلا اكتمال للدعاة إلا بتلاوة كتاب الله وترجمته في حياتهم، والقصص في القرآن ذو طابع خاص، فهو قصص توجيهي تربوي، ذو هدف سام ومعنى عظيم.

  • أهمية القصص للدعاة

والداعية في دعوته يحتاج إلى ورود القصص الصادق الذي يحمل في طياته قيمًا ومبادئ وأهداف، ولا يجد ذلك إلا في القرآن الكريم.

والقصص من وسائل الدعوة، ولكنه يمتاز بأمور أهمها:

أولًا: تشخيص وتصوير الأحداث عيانًا:

فالقصة «تعرض الأشخاص وحركاتهم وأخلاقهم وأفكارهم واتجاهات نفوسهم وبيئتهم الطبيعية والزمنية»، وتُشخِّص سلوكهم ومعاملاتهم، كأن القارئ يراها عيانًا، والنفوس تألف المحسوس والملموس المُصوَّر أكثر من المادي المجرد.

ثانيًا: النفوس البشرية تميل بفطرتها إلى القصة:

لأن في البشر صفة حب الاستطلاع ومتابعة الأحداث، ولذلك تتعلق النفوس بالقصص.

ثالثًا: يستطيع الداعية بالقصص أن يتوصل إلى ما يريد:

 فبالقصص يستطيع أن يُجرِّد المبادئ والقيم أفضل من سرد الكلام.

 ثم تكون أذن السامع أكثر إنصاتًا للقصة لمتابعتها الأحداث.

تلك ميزات ثلاث جعلت القصص من خير وسائل الدعوة، لعرضها التعاليم في صورة حية تحرك الوجدان، وترفع نبض المشاعر، ثم تجعل النفس وعاءً مفتوحًا يستطيع الداعية أن يسكب منه من كأس الإسلام ما يشاء، ولذلك كان لزامًا على الداعية أن يراجع السورة مرات ومرات، لأنها تُمثِّل تجربة لداعية ناجح؛ اجتاز العقبات بسلام وأمان، فلابد للداعية أن يستفيد ويتعلم.

 كل ما علمك الدهر اعلم،

              التجاريب علوم الفهم

ومضات القرآن

 والداعية لابد أن يستقي العبرة والعظة من قراءته لهذه السورة، لأن للناس في القرآن بصائر يهتدى عليهن غاو أو يسير رشيد.

فلابد من القرآن، ولابد من تعلم القرآن. 

وهذه خواطر خطرت لي أثناء قراءتي لهذه السورة العظيمة، وهي ليست تفسيرا للسورة، ولكنها مواعظ وعبر، فلربما يهتدي بها غاو أو يزداد علمًا داعية.. وإن كان خطأ فمن نفسي، وإن كان صوابًا فمن الله.. والحمد لله أولًا وأخيرًا، ولنباشر الومضات من السورة الجليلة.

ثغرات يجب أن تسد

تُعلِّمنا السورة بادئ ذي بدأ؛ أن على الداعية سد جميع الأبواب التي تُعرِّضه لفتن ومتاعب، ذلك أن يعقوب «ع» كان واضحًا في حُبِّه ليوسف «ع» لقوله تعالى ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا (يوسف:8).. فيعقوب «ع» كان يُحبُّ يوسف «ع»، وكان يبدي هذا الحب، مما جعل الإخوان يحسدونه ويتذرعون بأوهى الوسائل للتخلص من «العقبة الكبرى»، التي تحول دون الوصول إلى قلب أبيهم.

فعلى الداعية أن يتنبه، وأن يكون عادلا مع إخوانه في المعاملة؛ لا يُفرِّق أحدًا على أحد؛ حتى لا يترك ثغرة يستطيع أن يدخل فيها المفتون.

 ولقد استفاد من ذلك الدرس معلم البشرية الأعظم محمد «ص»، فكان يقول: «اللهم هذا قسمي، فما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» فالله هو مالك القلوب، وهو يصرفها كيفما شاء – سبحانه – ولكننا نملك على الأقل المعاملة الحسنة والكلمة الطيبة، فلينتبه الدعاة إلى ذلك، وليعلموا أن قوتهم في جماعهم، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، فلربما كلمة سيئة تفتح أبوابًا من الفتن، فلنحرص على حسن المعاملة ولنسد الثغرات في جدار الدعوة.

نزع من الشيطان

 الإنسان في هذه الحياة معرض للمعركة مع عدو الله وعدوه اللدود، والمعركة معه لا تنتهي لأنه أقسم ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (ص:82-83) ... فالشيطان لن يترك بني آدم مازالت روحه في جسده، ويُزين له الباطل ليوقعه فيه، ولقد وضح دور الشيطان في هذه السورة عندما زين للأخوة أن يقتلوا يوسف.. وهكذا الشيطان «يسول للنفوس عندما تغضب وتفقد زمامها وتفقد صحة تقديرها للأشياء والأحداث، وهكذا ما علا الحقد في صدورهم برز الشيطان ليقول لهم اقتلوا والتوبة تصلح ما فات» ([2]).

 وألبس الجريمة ثوبا من أثواب التوبة زيَّنه لهم، وبيَّن أن باب التوبة مفتوح بعد الجريمة، ويمكنهم التوبة بعد الفعلة والجريمة، وأعماهم عن رؤية حقيقة التوبة أنها «تكون من الخطيئة التي يندفع إليها المرء غافلًا جاهلًا؛ غير ذاكر حتى إذا تذكر ندم، وجاشت نفسه بالتوبة، أما التوبة الجاهزة التي تعد سلفًا قبل ارتكاب الجريمة لإزالة معالم الجريمة، فليست بتوبة، إنما هي تبرير لارتكاب الجريمة بزينة الشيطان»، وصدق الله القائل ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ([3])  (يوسف:5) ....

ينبغي لنا وقفة طويلة لنحاسب أنفسنا، ونمسك عنانها؛ حتى لا تفلت منا ونكبح جماحها، فإن الشيطان لن يتركنا، وسوف يحاربنا ويترصد بنا؛ بل قد يُحرِّض أعداء الإسلام على الدعاة، ويتخذ منهم أولياء وحزبًا يظاهرونه ويوالونه ويناصرونه، ويجعل منهم «أعداء الإسلام» «حزبا يفتنون الدعاة ويُؤذونهم بأنواع الأذى، ويجهدون على إعدامهم من الوجود، وإقامة الدولة لهم»([4]).

فلابد أن ينتبه الدعاة لهذا الشر المتربص بهم، الذي يريد كسر شوكتهم وتمزيق شملهم، وعليهم أن يطردوه من حماهم بالاستعاذة بالله منه ومن شروره ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ (الأعراف:200).

 والدواء من الشيطان بعد الاستعاذة؛ الزهد في الحياة والثناء، فإن سبب الركود والتأخر حب الحياة والبقاء والثناء كما قال ابن القيم في مدارجه ٢/302...

 وصدق الله القائل ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (النساء:76) ولا يمكن أن يتغلب الشيطان على أولياء الله ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ (الحجرات:42) وكفى بالله نصيرًا ومعينًا...

حسد يقتل:

ونظل على السورة مرة أخرى لتعلمنا: أن الحسد إذا غلى في قلب الإنسان استطاع إبليس تصريفه على مبتغاه وحسب ما يريد، فالحسد من أخبث الأمراض التي تُصيب الإنسان، لأنه ليس مرضًا جسديًّا، بل هو «مرض نفسي خطير له آثار سيئة تلحق الحاسد، وتؤثر في صلاته الاجتماعية، كما تؤثر التأثير في معاملته لمن يحسده، حتى لقد يؤدي حسده لشخص من الأشخاص إلى أن يقتله، أو يوقع له أضرارًا سيئة، وقد يتعدى ضرره فيلحق المحيطين بالمحسود والملتفين به؛ سواء أقرباء أو أصدقاء أو أتباع»([5])، كما حدث ليعقوب «ع» عندما حسد أبناءه يوسف «ع» أفقدوه وأتعبوا أباه وجعلوه حزينًا.

لذلك وجب على الدعاة أن ينتبهوا إلى هذا المرض وأمثاله؛ حتى لا يقعوا فيه فيخسروا دنياهم وآخرتهم.

ويجب المسارعة إلى علاج هذا المرض، بالتربية الإيمانية العميقة، وبتذكر نعم الله وحمده وبالخوف من عذاب الله...

ولقد قال رسول الله «ص» «ولا تحاسدوا...» فهو نهى عن الحسد بعمومه.

* إيمان يعصم من الشهوات والفتن: -

يقول الله تعالى ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ (يوسف:23)

  • لينتبه الدعاة إلى القصص فهي من أنجح وسائل الدعوة 

تُصوِّر هذه الآيات مراودة المرأة – التي كان يوسف في بيتها – ليوسف «عليه السلام» ... فالصورة المرسومة أمامنا الآن فتى في سن المراهقة وريعان الصبا، والدنيا مفتوحة أبوابها على مصراعيها، والشهوات تأتي إليه، فلا يتكلف عناء البحث والمشقة والذهاب، والمرأة هي التي تطلب منه عمل الفاحشة، والزوج «ديوث» لا يغار على محارمه، والعرف الاجتماعي لا يُؤاخِذ أحدًا عمل الفواحش، كل ذلك كانت دوافع تحرك نفس الضعيف إلى اقتراف الفاحشة، ولكن نفس قوي الإيمان تابى إلا أن ترتفع عن الحياة وأدرانها إلى الإسلام ونظافته، وتأبى أن تبقى في مكانها، بل ترتفع وترتقي إلى مكان أعلى، فكان يوسف «ع» ذلك الفتى القوي الإيمان المستعصم بإيمانه، فأطلقها صيحة دوى بها آذان الدعاة «معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي» ... معاذ الله أن يهبط الداعية من قمته النظيفة إلى السفح الهابط والمستنقع الأسن، معاذ الله أن يلتفت الداعية إلى الدنيا، فهو ينظر إلى حبِّه الله، معاذ الله أن يبيع الداعية دينه في سبيل عرض زائل، فوقاه الله وحماه وعزَّزه، فجعله من المحسنين...

  • مع الأدب في القرآن الكريم..

القرآن الكريم وهو يصف حالة الإغراء، وحالة استسلام المرأة؛ يراعي الأدب والذوق العالي الرفيع، ولا يهبط إلى كلام القصاصين، لأنه من لدن حكيم عليم – جل وعلا –..

 فالصورة بهذه الكلمات أبانت الموقف وأوضحته، ولو أراد أحد القصاصين المعاصرين أن يُصوِّر هذا المنظر، لأبان بكل سفالة وتجسيد ملامح المرأة، ولإبراز مفاتنها، ولكن الله العليم بالنفوس أبرز الصورة بكل أدب وكل نظافة، ليبقى المسلم نظيفًا حتى في كلامه، ولا ينزل إلى مستوى الكلام الرديء.

  • الابتلاء والمحن

تبدو صورة المحن والابتلاءات واضحة جليَّة في هذه السورة، فيوسف «ع» توالت عليه المحن والابتلاءات تتري، فكانت محن كثيرة فمن «محنة كيد الأخوة، إلى محنة الجب والخوف والترويع فيه، ومحنة الرق وهو ينتقل كالسلعة من يد إلى يد على غير إرادة منه، ولا حماية ولا رعاية من أبويه، ولا من أهله، ومحنة كيد امرأة العزيز والنسوة، وقبلها ابتلاء الإغراء والشهوة والفتنة، إلى محنة السجن بعد رغد العيش وطراوته في قصر العزيز، ثم محنة الرخاء والسلطان المطلق في يديه، ومحنة المشاعر البشرية وهو يلقى بعد ذلك أخوته الذين القوه في الجب».([6]

ولكنه خرج من هذه المحن جميعها عزيزًا كريمًا قويًّا، يذكره الملأ الأعلى قبل الناس، ويصلون عليه ويسلمون، ذلك لأنه صبر وجاهد وصابر.. فالابتلاء لابد منه في الدعوات لأن «من آثر رضى الله؛ لابد أن يعاديه رذالة العالم وسقطهم وغرثاهم وجهالهم وأهل البدع والفجور منهم وأهل الرياسة الباطلة»، لأنه يخاف منهجهم وسلوكهم واغتصابهم لحكم الله في الأرض هذه واحدة، وأخرى أن الإيمان «ليس كلمة تُقال باللسان، بل هو حقيقة ذات تكاليف وأمانة، ذات أعباء وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال، فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا، وهم لا يتحركون لهذه الدعوة، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم»، ويتبين صاحب الدعوى الكاذبة من صاحب الدعوى المخلصة.

ثم لنعلم علم اليقين أن تاريخ الأنبياء والدعاة ليس إلا «تاريخ شدائد ومحن ومجاهدة في هداية الناس ومراغمة للوجود الفاسد ومكابدة لتصحيح الحالة النفسية للأمة» ([7]) وليس لعبًا ولهوًا ولذلك كانت الابتلاءات والمحن ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (آل عمران:142) «يُبتلى المرء على قدر دينه..»

1- مشكلات الدعوة والداعية/ 213

2- الشعاع للأعظمي / ١٦٣

3- تذكرة الدعاة / ٣٧

«4-5» كتاب الشوقيات واستبدلت كلمة «الماضي» بكلمة «القرآن» في «٥»

6-الظلال /4699

7- الظلال 4/699

8- المدرج 1/211

9- السلوك الاجتماعي    1/164                                      

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1401

91

الثلاثاء 23-مايو-2000

رسالة إلى كل ساخط على الحياة