; وما زالت كرة التسوية تتدحرج | مجلة المجتمع

العنوان وما زالت كرة التسوية تتدحرج

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1985

مشاهدات 61

نشر في العدد 746

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 17-ديسمبر-1985

·       ييجال ألون: مشروعه أساس التسوية.

·       بيريز: المنظمة جلبت المآسي للشعب الفلسطيني.

·       شامير: يفتتح مستوطنة جديدة.

·       يروزلكسي: دخل ملعب التسوية.

·       رولان دوما: زلة لسان.

الكرة ما زالت تتدحرج في ملعب التسوية واللاعبون كثر، والمتفرجون أكثر. اللاهثون على التسوية تكاد تتقطع أنفاسهم وأصحاب القرار وضعوا أعصابهم في ثلاجة. والصفقات تعقد من وراء الكواليس وفلسطين هي الضحية، وشعبها يباع ويشترى والجماهير العربية لا حول لها ولا قوة، إلا من رحم ربك فمكن الإيمان في نفوسهم، واختاروا طريقهم للعمل الجهادي بصمت الواثق من نصر الله مهما طال الزمن.

من هذه المقدمة ندخل إلى صلب الموضوع فنستعرض ما يجري على ملعب التسوية من تنافس نحو المجهول. فهناك اجتماعات وزيارات واتفاقات وبيانات مشتركة وتصريحات من كل من دخل ملعب التسوية أو كلف بدخوله من قريب أو بعيد.

والضغوط على الشعب الفلسطيني لم تتوقف رغم كل ما قدمت منظمة التحرير الفلسطينية من تنازلات حتى أصبح ظهرها على الجدار ولم يعد في وسعها أن تتراجع أكثر من ذلك. ومع هذا فالضغوط مستمرة عليها لتعترف بقراري مجلس الأمن 242 و338 أو تستبعد نهائيًا عن ملعب التسوية ويصرخ المسؤولون في منظمة التحرير أن هذين القرارين لا علاقة لهما بالقضية الفلسطينية لب الصراع في الشرق الأوسط وإنما يتعلق هذان القراران باحتلال الإسرائيليين لأراض عربية تعدت نطاق الأراضي الفلسطينية حتى بحدودها الطبيعية ولم تشر هذه القرارات إلى الفلسطينيين إلا باعتبارهم لاجئين يمكن استيعابهم في أي مكان، أما عن حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والسياسية ومن ضمنها حق تقرير المصير فلا ذكر لها على الإطلاق، وإنما المطلوب أن تعترف الدول العربية بالكيان اليهودي مقابل انسحاب من أراض احتلت وقد اعتبر الإسرائيليون أنفسهم قد انسحبوا من أراض احتلت هي سيناء وبالتالي يستوجب ذلك من بقية الدول العربية أن تعترف بالكيان اليهودي.

ولقد خرج اليهود في أعقاب انتصارهم على الدول العربية عام 1967م بمشروع للتسوية عرف باسم «مشروع ألون» نسبة إلى أحد زعماء حزب العمل «بيغال ألون» وزير الخارجية الإسرائيلي في ذلك الحين، وقد تضمن هذا المشروع: انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق ذات الكثافة السكانية العربية في الضفة الغربية مع الإبقاء على نقاط مراقبة عسكرية في الأماكن المرتفعة، وغرس سلسلة من المستوطنات الإسرائيلية في منطقة الغور وعلى امتداد نهر الأردن باعتباره الحدود الطبيعية التي يمكن الدفاع عنها، ومنح السكان العرب حكمًا ذاتيًا مرتبطًا اقتصاديًا بالكيان اليهودي وإداريًا بالأردن.

ويبدو أن هذا المشروع لا يختلف كثيرًا عما تم الاتفاق عليه مع السادات فيما يتعلق بالحكم الذاتي الوارد في اتفاقيات كامب ديفيد حيث الأرض «لإسرائيل» والإدارة المحلية عربية. تقول صحيفة «عل همشعار» الإسرائيلية تعليقًا على هذا الاتفاق: «أعطي للفلسطينيين من خلال مفهوم بيغن للحكم الذاتي حق تحديد المنطقة المناسبة المرور مجاري المياه في الخليل».

وبيريز الذي امتدحه حسني مبارك ووصفه بالاعتدال وعلق عليه الآمال، ليس أقل تشددًا من سلفه بيغن رغم كل ما يثار من خلافات مفتعلة بينه وبين شارون أو شامير، فبعد أن انتهت اجتماعاته مع المبعوث الأمريكي «مورفي» في فلسطين المحتلة قبل بضعة أيام قال بيريز إن منظمة التحرير ليست إلا خدعة سياسية وأن حكومته لن تسمح لهذه المنظمة التي جلبت المآسي للشعب الفلسطيني بالاشتراك في المحادثات الأردنية الإسرائيلية. وناشد الأردن الإسراع في استغلال الوقت للبدء بمفاوضات مباشرة مع «إسرائيل» سواء بوفد أردني بحت أو بوفد أردني - فلسطيني من دون مشاركة منظمة التحرير.

في نفس الوقت كان شامير يفتتح مستوطنة جديدة لليهود في الضفة الغربية على أن يبدأ العمل لإقامة خمس مستوطنات أخرى قبل نهاية شهر ديسمبر الحالي. وقال شامير وهو يفتتح المستوطنة «إن اليهود يعودون إلى أرض آبائهم...». ومن المعروف أنه أقيم حتى الآن حوالي مائة مستوطنة في الضفة والقطاع ضمت حوالي خمسة آلاف مستوطن يهودي.

هكذا يفهم اليهود عملية السلام، وهذه هي طريقتهم في اللعب بكرة السلام المزعومة. بيريز حزين على الشعب الفلسطيني الذي جلبت له منظمة التحرير الماسي، وشامير يعود إلى أرض آبائه، أما الفلسطينيون فلا وطن لهم ولا حتى جواز سفر اليهودي يحق له أن يتمتع بالجنسية الإسرائيلية حيثما كان موطنه ومطلوب منه أن يعود إلى «أرض الميعاد» أما الفلسطيني فحرام عليه أن يعود إلى وطنه وحرام على البلدان العربية أن تعترف له حتى بجواز سفر فلسطيني.

ويخرج أحد اللاعبين بكرة التسوية «رولان دوما» وزير العلاقات الخارجية الفرنسي بعد اجتماعه مع بيريز وشامير ليقول: منظمة التحرير الفلسطينية منظمة مقاتلة إلا أنها لا تمثل كل الشعب الفلسطيني.

ويتحرك الفلسطينيون في الضفة والقطاع «رشاد الشوا، حنا سنيوره، مصطفى النتشة، حاتم أبو غزالة» ليقولوا له إن منظمة التحرير الفلسطينية هي ممثلنا الشرعي والوحيد فيقول لهم: كانت تصريحاتي عن منظمة التحرير زلة لسان. ثم يخرج ليقول على الملأ: إن موقف فرنسا تجاه منظمة التحرير لم يتغير، ونحن نرى أن هذه القوة المقاتلة يجب أن تتمكن في الوقت المناسب من أن تقول كلمتها باسم الشعب الفلسطيني في أية مفاوضات سلام. وما هي الكلمة التي يراد لمنظمة التحرير أن تقولها في مفاوضات السلام؟ أليست هي الاعتراف بالكيان اليهودي في فلسطين والتنازل عن الأرض المقدسة لليهود؟

ويبدو أن الولايات المتحدة التي تضغط منذ مدة على منظمة التحرير الفلسطينية مباشرة أو عن طريق الوكلاء للاعتراف «بإسرائيل» قبل أي مفاوضات سلام قد غيرت تكتيكها أخيرًا، فاكتفت بالضغط على المنظمة للاعتراف بقراري مجلس الأمن 242، 338 وما زالت مصر والأردن في انتظار جواب إيجابي من المنظمة حول هذا الموضوع.

ولعل مورفي ودوما قد أقنعا بعض شخصيات الضفة والقطاع بلقاء ياسر عرفات في عمان لإقناعه بالاعتراف بالقرارين المذكورين، ولكن فاتتهما حقيقة أن عرفات لا يملك اتخاذ مثل هذا القرار دون الرجوع إلى المجلس الوطني الفلسطيني.

وحتى يتلاق عرفات الإحراج أجل زيارته المقررة للأردن إلى أجل غير مسمى رغم أن الأردن وجه إليه دعوتين للزيارة. وربما كانت اجتماعات رئيسي وزراء الأردن وسوريا في عمان وما تمخض عن اجتماعهما من بيان مشترك لم يأت على ذكر منظمة التحرير بالاسم من أسباب تأجيل عرفات لهذه الزيارة، ريثما تتضح نتيجة اجتماع الحسين والأسد المزمع عقده في دمشق في الأيام القادمة. ومن المعروف أن سوريا تصر على استبعاد قيادة منظمة التحرير وتعترف بقرار 242 وتطالب بالتسوية في ظل مؤتمر دولي وفي نفس الوقت تعتبر فلسطين سوريا الجنوبية.

ولقد ظهر على ملعب التسوية في الآونة الأخيرة لاعب جديد هو الرئيس البولندي «بروز لسكي» الذي زار باريس مؤخرًا للمشاركة في اجتماعات سرية تجري بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي و«إسرائيل» وفرنسا لعقد صفقة يتم بموجبها نقل خمسة عشر ألف يهودي من روسيا إلى فلسطين عبر بولندا وإعادة موسكو لعلاقاتها مع «إسرائيل» مقابل السماح للروس بالمشاركة في مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط كما أشارت إلى ذلك صحيفة لوموند الفرنسية مؤخرًا.

واجتماعات باريس هذه لم تكن جديدة ولكنها أخذت أبعادًا جديدة بعد اجتماعات القمة الروسية الأمريكية في جنيف. ولقد سارع «فلاديمير بولياكوف» مدير دائرة الشرق الأوسط في الخارجية السوفييتية للاجتماع بياسر عرفات لمدة ثلاث ساعات متواصلة أثناء اجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني في بغداد ليطمئنه أن موقف الاتحاد السوفياتي من قضية الشرق الأوسط لم يتغير.

وبعد... إن كل الدلائل تشير إلى أن كرة التسوية كرة وهمية وأن اللاعبين يتسابقون للحصول على مكاسب والخاسر الوحيد بينهم هو الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية ومسكين هذا الشعب أن تعشم خيرًا من لعبة التسوية، وعظيم هذا الشعب أن تمسك بالبندقية وبحبل الله المتين.

الرابط المختصر :