; وماذا بعد عودة رفعت الأسد إلى دمشق؟ | مجلة المجتمع

العنوان وماذا بعد عودة رفعت الأسد إلى دمشق؟

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1984

مشاهدات 126

نشر في العدد 696

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 18-ديسمبر-1984

بعد غياب دام أكثر من خمسة أشهر عاد إلى دمشق في نهاية الشهر الماضي رفعت أسد قائد سرايا الدفاع، بعد أن قضى هذه الفترة متنقلًا ما بين سويسرا وفرنسا، وكان غيابه لهذه الفترة الطويلة قد أثار تكهنات عديدة وصلت إلى حد الاعتقاد بنفيه أو طرده نهائيًا من سوريا.. إلى أن كان صدور المرسوم الجمهوري القاضي بتعيين رفعت أسد نائبًا لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن والمهمات الخاصة.. فقطع المرسوم قول كل خطيب. 

والسؤال الذي يتبادر للأذهان الآن ماذا بعد عودة رفعت إلى دمشق؟ والإجابة على هذا السؤال يمكن استنتاجها من خلال استعراض بعض الجوانب المحيطة بقضية رفعت أسد، سواء الجوانب السابقة لرحيل رفعت، أو الجوانب التي لازمت إقامته في الخارج، ومن ثم عودته إلى سوريا..

مرحلة الصدام العسكري المباشر الذي تمت إحاطته في المرحلة الحرجة..

والملاحظ في هذا الصراع أنه وصل إلى نقطة اللا عودة، وأن إعادة الأمور إلى وضعها السابق لم يعد ممكنًا، ومن هنا كان استقرار الحالة الصحية لحافظ أسد بداية التحرك نحو اختيار الطرف الأقرب لتوجهاته، ومن ثم العمل على تحجيم الأطراف الأخرى، أما بالنسبة للاختيار فقد وقع على شقيقه رفعت، وأما التحجيم فكان له عدة أساليب منها: الإبعاد عن مواطن القوى- إجراء التعديلات المناسبة في المؤسسة العسكرية- الإمساك بكافة الخيوط المحيطة بالصراع- ترتيب الأوضاع داخل الحزب لإضفاء طابع الشرعية على التعديلات المنتظرة.. إلى غير ذلك من أساليب تؤدي جميعها في النهاية إلى تحجيم القوى المعارضة، وبالتالي دفع شقيقه رفعت نحو المقدمة، وفي هذا تقول مجلة جون أفريك الفرنسية: إنه من المنتظر أن يتم تعيين رفعت نائبًا أول لشقيقه حافظ أسد.

من الصراع إلى الاختيار:

يلاحظ في الدول التي تحكم من خلال النهج الواحد أن هناك سمة ظاهرة في مثل هذه الأنظمة، وهي ظهور مراكز للقوى تحيط برئيس النظام الذي يعمل على حفظ التوازن بين هذه المراكز لضمان استمرارية النظام، ومع تعرض رئيس النظام لأي طارئ تبدأ هذه المراكز بمحاولة السيطرة على النظام، ولا يخرج نظام الحكم في سوريا عن هذه السمة، فمراكز القوى موجودة، والصراع بينهما دائر منذ البدايات الأولى للنظام، ولكن هذا الصراع السياسي تحول أثناء مرحلة الاستقرار- ولو كان نسبيًا- إلى صراع مكشوف تطور في بعض الأحيان إلى مرحلة التصفيات الجسدية، كما حدث في محاولات الاغتيال التي تعرض لها كل من عبد الحليم خدام وحكمت الشهابي وغيرهما، وإعدام مجموعة من الضباط كما ذكرت بعض الصحف الأوروبية، ثم تطور هذا الصراع إلى..

دلالات الاختيار:

لم يكن ما ذهبت إليه المجلة الفرنسية إلا نتيجة استقراءات عديدة لم تكن لتغيب عن ذهن من راقب ويراقب الأوضاع السورية عن كثب، وسنحدد هنا بعض النقاط التي تؤكد في مجملها على أن اختيار حافظ أسد لشقيقه رفعت كان اختيارًا مدروسًا ومخططًا له، وأن كل الإجراءات التي اتخذها حافظ كانت في صالح شقيقه.

- إبعاد رفعت إلى خارج القطر كان ضروريًا لتهدئة الأوضاع التي نجمت عن صراع الأطراف المتنافسة، ومن ثم إعطاء حافظ أسد حرية الحركة لإعادة تنظيم وترتيب أوضاع النظام. 

- إقصاء الأطراف المعارضة لرفعت عن مراكزها الفاعلة، كما حدث لكل من علي حيدر، وشفيق فياض؛ حيث تم إقصاء الأول عن قيادة الوحدات الخاصة، والآخر عن قيادة الفرقة الثالثة.

- تطوير مهمة سرايا الدفاع التي تدين بالولاء لمؤسسها رفعت أسد، وذلك عن طريق نشر كتائبها داخل ألوية الجيش المختلفة؛ بحيث يؤدي هذا الانتشار إلى مزيد من الهيمنة على هذه الألوية، وبحيث يؤدي ذلك أيضًا إلى ضمان تأييد الجيش لزعامة رفعت فيما إذا تعرض الرئيس لأي طارئ..

- تعيين رفعت أسد نائبًا لرئيس الجمهورية كان خطوة ضرورية لإنهاء الصبغة العسكرية القاسية التي انطبعت في أذهان الجميع، إضافة إلى أن هذا المنصب يمكنه من ممارسة العمل السياسي الذي كان بعيدًا عنه طوال الفترة الماضية.

- أعقب تعيين رفعت نائبًا للرئيس صدور مرسوم آخر بتحديد اختصاصاته بالإشراف على الشؤون الأمنية والمهمات الخاصة، وهذا يعني أن جميع الأجهزة الأمنية في الدولة ستقع تحت هيمنة رفعت الأسد، والمطلع على طبيعة النظام وتعدد هذه الأجهزة ما بين جهاز للأمن القومي، وآخر للمباحث العامة، وثالث للمخابرات العسكرية، ورابع للمخابرات الجوية، وخامس وسادس... وكل جهاز من هذه الأجهزة له اختصاصاته ومهماته؛ بحيث يمكن عن طريقها تغطية كافة الأوساط المدنية والعسكرية والسياسية... نقول: إن من يشرف على هذه الأجهزة ستهيأ له فرصة الإلمام بكافة الأمور المتعلقة بأوضاع الدولة، وبالتالي تمكنه من السيطرة على هذه الأوضاع.

هذه النقاط تؤكد للقارئ أن ما جرى ويجري على الساحة السورية إنما كان ضمن خطة مدروسة وضعها حافظ أسد من أجل تثبیت شقیقه رفعت في موقع الخلافة.

توجهات رفعت أسد:

بعد عودة رفعت بدأت الأوساط الدبلوماسية والصحفية في دمشق تتحدث عن التوجهات التي تحكم شخصية رفعت، وأثر هذه التوجهات على السياسة السورية خلال المرحلة القادمة، وسوف نشير هنا إلى بعض هذه التوجهات الرئيسية المتمثلة بالتوجهات السياسية والاقتصادية والأمنية.

  • التوجهات السياسية:

أشارت مجلة جون أفريك الفرنسية في عددها الصادر في بداية شهر ديسمبر إلى أن عودة رفعت أسد إلى دمشق ستكون مقدمة لتقارب سوري- غربي، وبداية لمفاوضات مع إسرائيل، وأضافت المجلة تقول: إن رفعت اجتمع قبل عودته إلى دمشق من باريس مع شخصية إسرائيلية كبيرة، وقد ربطت المجلة ما بين عودة رفعت قبل يومين من زيارة ميتران، وبين جهود میتران في تقريب وجهات النظر السورية- الإسرائيلية، والأوساط الدبلوماسية في دمشق على علم بالمنطلقات السياسية لرفعت، والتي تمثل ميلًا كاملًا باتجاه الغرب، وهذا بالتالي يعطي رفعت دعمًا سياسيًا من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية والدول الأخرى ذات المسار الغربي، ومن هنا كانت العديد من التحركات من جانب أصحاب السياسة الغربية باتجاه عودة رفعت إلى دمشق؛ ليحتل المكان المناسب، ومن هنا أيضًا كان ارتباط عودته إلى دمشق مع زيارة الرئيس الفرنسي ميتران للتأكيد على ارتباط التوجهات السياسية لرفعت بالتوجهات الغربية، وبالطبع فإن هذا لا يعني بالضرورة أن الأطراف الأخرى المعارضة لرفعت ذات سياسة شرقية، إنما الدعم الذي يمنح لرفعت، وانتصار رفعت يدفع المراقبين للقول: إن السياسة السورية المستقبلية ستضع جميع أوراقها إلى جانب السياسة الغربية.

- التوجهات الاقتصادية: 

منذ البدايات الأولى لحركة حافظ أسد في نوفمبر عام ٧٠ ظهرت الملامح الغربية في توجهات رفعت الاقتصادية، ومع بداية الانفتاح الاقتصادي الذي تزامن مع حركة حافظ وجه رفعت معظم جهده للتحالف مع رجال الأعمال السوريين المعروفين، وكون لنفسه صداقات مع كبار التجار، وامتدت تحالفاته التجارية خارج القطر، وأصبح من كبار المستثمرين العرب، ومن أغنيائها المعدودين، فممتلكاته امتدت خارج الوطن العربي باتجاه أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وقد انعكس هذا التوجه الاقتصادي الانفتاحي لرفعت على عدد كبير من الضباط الموالين له، وحتى من غير الموالين، فتوجهوا نحو ممارسة العمل التجاري، وخاصة أن انفتاح السوق اللبنانية أسهم إلى حد كبير بتحقيق الثراء السريع لهذه المجموعة من الضباط، وتربط أوساط الشارع الاستهلاكي السوري بين بعض التدابير والاجراءات الاقتصادية التي أثرت على الجانب الاستيرادي عمومًا، وبين غياب رفعت خارج سوريا خلال الشهور الماضية، ولهذا فإن عودته سوف يرافقها- كما يأمل هذا الشارع- عودة الاتجاه الاقتصادي الانفتاحي.

التوجهات الأمنية:

تعتبر التوجهات الأمنية من اللوازم الثابتة في شخصية رفعت أسد، وقد ارتبط اسمه بنظام شقيقه كونه حارس النظام الأول، وسيد الموقف الأمني، وكانت سراياه عبارة عن حربة النظام وأداته التي حافظ ويحافظ من خلالها على وجوده واستمراريته، وكان دور سرايا رفعت في أحداث حماة عام ۱۹۸۲ أكبر دليل على أهمية التوجهات الأمنية لرفعت. 

إن طابع العنف الذي يتميز به رفعت أسد يجعل من الصعب عليه أن يتنازل عن طموحاته وتوجهاته الأخرى، كما يصعب على النظام أن يتخلى عن مثل هذه الورقة الأمنية التي يحتاج إليها النظام، ويذكرنا هذا الوضع بما تم في فترة من فترات حكم عبد الناصر؛ حيث عمل على تعيين زكريا محي الدين نائبًا أول للرئيس، وحدد صلاحياته بالشؤون الأمنية، وحين تعرض عبد الناصر لأكبر هزيمة في حياته، وذلك في حرب الأيام الستة عام ١٩٦٧ وجه بيانًا للشعب المصري يعلن فيه تنحيه عن الحكم لصالح نائبه لشؤون الأمن زكريا محي الدين. 

ويمكننا من خلال أقوال رفعت أن نستدل على حقيقة منطلقاته وتوجهاته الأمنية. 

يقول رفعت في خطابه أمام المؤتمر القطري السابع لحزب البعث: 

أيها الرفاق، إن ستالين أنهى حياة عشرة ملايين إنسان في سبيل الثورة الشيوعية، واضعًا في حسابه أمرًا واحدًا فقط، هو التعصب للحزب، ولينين مثل ستالين ولو كان في موقع وظرف وزمان ستالين لفعل مثله.

رفعت والمؤتمر القادم للحزب:

مع إطلالة العام القادم يبدأ المؤتمر القطري للحزب بالانعقاد لرسم ملامح السياسة السورية خلال السنوات الأربع القادمة، ويعقبه تشكيل حكومة جديدة، ويتميز هذا المؤتمر بانعقاده بعد مرحلة من الصراع بين مراكز القوى التي كادت أن تؤدي إلى مجابهة مسلحة تغير شكل النظام، ومن الواضح أن التأجيل المتكرر لانعقاد المؤتمر كان بسبب الترتيبات التي كان يعدها حافظ أسد لصالح شقيقه رفعت؛ بحيث يحصل من المؤتمر بعد ذلك على الموافقة على ترتيباته؛ لتخرج بطابعها الرسمي والشرعي!! والمطلع على طبيعة النظام السوري يعلم يقينًا أن هذه المؤتمرات يغلب عليها الطابع الشكلي؛ لأن النظام فوق الحزب، وكما يقول وزير الدفاع مصطفى طلاس: «عندما يقول رئيسنا لأحد ما «انقلع» إلى الخارج فسيذهب حتمًا، فالذي يقول لا للرئيس يطاح برأسه»، وهذا التصريح يعتبر من أكبر المؤشرات على تمركز النظام بيد الرئيس، ولهذا فالأوضاع التي يرتبها الرئيس لا بد أن يوافق عليها المؤتمر، وقد طالعتنا صحيفة القبس الكويتية قبل أسبوع نقلًا عن مصادر عربية مطلعة في باريس أن هناك احتمالًا كبيرًا أن يتخلى مصطفى طلاس عن منصبه الوزاري حتى في الحكومة المقبلة بحجة رغبته بالتفرغ لشؤونه الخاصة، وهذا يعطينا انطباعًا قويًا بأن معظم العناصر التي كانت تعارض رفعت سوف تخير بين أمرين: إما التنحي لصالح رفعت، أو منحه الولاء التام لضمان استمرارها في التشكيلة القادمة للمراكز القيادية في الحزب والدولة.

وتبقى أخيرًا مظاهر الاستقبال الكبير للعائد رفعت، والتي غطت على استقبال الرئيس الفرنسي ميتران في سابقة لم تعهدها سوريا من قبل؛ حيث خرج أنصار رفعت إلى الشوارع والمطار وفي الثكنات يطلقون الرصاص ابتهاجًا بعودة رفعت، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن هذه المظاهر تمت بموافقة شقيقه حافظ، كما تدل على أن الترتيبات التي أجراها حافظ أسد لصالح شقيقه رفعت قد نجحت.

مذابح للمسلمين في أثيوبيَا:

لم تكتف الحكومة الأثيوبية بإبادة المسلمين في أرتيريا إبادة جماعية، بل إنها منعت عنهم المعونة القادمة إليهم بعد القحط الذي أصاب مناطقهم، والمجاعة التي فتكت بأعداد كبيرة منهم، وحين حاولت جماعات منهم بما تبقى لديها من قوة الوصول إلى السودان؛ لعلها تعثر هناك على شيء من المعونة تعينهم على الحياة، هاجمتهم الطائرات الأثيوبية بكثافة، وبعمليات متواصلة قصد الإبادة التامة.

وهكذا تتكشف حقيقة المبادئ الشيوعية التي تزعم أنها نصيرة الفقراء والكادحين والمسحوقين.. إلى آخر المعزوفة الشيوعية، وإذا كانت الأنظمة التي ارتبطت بالقوى الإمبريالية في أفريقيا وغيرها قد عجزت عن أن توفر حدًا أدنى من الحياة الكريمة لشعوبها، فهل استطاعت تلك الأنظمة التي ربطت نفسها بالمنظمة الاشتراكية؟ 

إن الوقائع التي لا يستطيع إنكارها مكابر أن كافة الأنظمة العميلة للشرق أو للغرب هي أعجز من أن تستطيع إقناع شعوبها بأنها الممثل الحقيقي لإرادتهم، والعامل بإخلاص لمصلحتهم.

ومن جهة أخرى فإن الكيان اليهودي في فلسطين قد أقام جسرًا جويًا مع أثيوبيا- عن طريق دولة ثالثة- لنقل اليهود الجوعى في إقليم جوندار الأثيوبي الذي يضم ما بين ٢٥- ٣٠ ألف يهودي، نقلهم إلى الكيان اليهودي في فلسطين لإنقاذهم من الموت جوعًا، ولتقوية الكيان اليهودي بهم، في حين اتجه «إسحق شامير» وزير خارجية العدو إلى نيويورك يطلب من يهود أمريكا مائة مليون دولار تكاليف توطين هؤلاء اليهود الأثيوبيين في فلسطين المحتلة.

هكذا يتصرف الحكم الشيوعي في أثيوبيا، وهكذا يتصرف الحكم اليهودي في فلسطين، فكيف يتصرف المسلمون إزاء إخوانهم المنكوبين؟ لك أيها القارئ الكريم أن تجيب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

513

الثلاثاء 31-مارس-1970

الطَريق إلى خيَبر

نشر في العدد 236

275

الثلاثاء 11-فبراير-1975

واإسلاماه