العنوان وماذا بعد الرفاه؟
الكاتب مصطفي محمد الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1998
مشاهدات 82
نشر في العدد 1290
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 03-مارس-1998
قبل أن نمضي في تحليل مرحلة «ماذا بعد حل الرفاه»... نحب أن نذكر بعض النقاط التي حققها حزب الرفاه في عمله السياسي في تركيا، مسجلًا سبقًا على الحركات العلمانية أو الإسلامية على السواء.
فهو أولًا اعترف بالآخرين، وتعامل معهم..... وإذا كانت الحركات العلمانية تهزأ بالإسلاميين وتصفهم بالرجعية والتخلف..... أو تتهم برنامجهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالشمولية وعدم الوضوح ... وإذا كانت بعض الحركات الإسلامية ترفض العلمانيين... وتتهمهم بكل النقائص... وقد تكفرهم أو تفسقهم... فإن حزب الرفاه ابتعد عن هذا الأسلوب الاستئصالي وتعامل مع الجميع... تعاملًا ينبثق عن قناعات راسخة... لا مجرد انتهازية توصله إلى مقاعد الحكم.
في منتصف السبعينيات تعامل مع حزب الشعب الجمهوري اليساري بزعامة بولنت أجاويد... ووضـعـا بروتوكولًا للحكم هو الأجود والأفضل بين الذي سبقه أو لحقه... وفي مرحلة تالية تعامل مع سليمان دميريل زعيم العدالة اليميني ومع نوركيش زعيم حزب الحركة القومي.... وفي التسعينيات تعامل مع تانسو تشيلر وشكلا حكومة ائتلافية... رفعت من مستوى أداء تشيلر والرفاه على السواء وسجلا مكتسبات لصالح الشعب التركي... ستكون موضع فخر في المستقبل، يوم تدرس هذه التجربة دراسة حيادية بعيدة عن قرقعة السلاح أو التهديد بالانقلاب.
والرفاه ثانيًا: تفاعل مع الديمقراطية بشكل حقيقي، فحزب الرفاه لم يضيع وقته في مناظرات عقيمة حول الديمقراطية... هل تجوز أو لا تجوز.... بل تفاعل معها وأدرك في وقت مبكر... أنه لولا هذه الديمقراطية لم يكن هناك رفاه.
وقد يسأل سائل عن الحركات الإسلامية التي سبقته في البلدان الأخرى... لم لم تصل إلى ما وصل إليه...؟
والجواب: لأنها في بلاد لا تؤمن أنظمتها بالديمقراطية وإن زعمت ممارستها.
وهكذا استطاع الرفاه أن يرد مقولة الآخرين التي طالما رددها بأن الإسلاميين يستخدمون الديمقراطية حتى إذا وصلوا انقلبوا عليها... رد الرفاه مقولتهم وحاصر مدعي الديمقراطية وكشف زيفهم... ولقد أزالت هذه التجربة الغبش عن عيون كثير من العلمانيين فراحوا يعيدون النظر في بعض مفاهيمهم... ولم يكن مستغربًا أن جميع الندوات المتلفزة والتعليقات الصحفية التي ظهرت مؤخرًا في تركيا... قام بها العلمانيون قبل غيرهم وأدانوا قرار المحكمة وكشفوا زيف الأحزاب وحاصروا القوى المدعية.
ومن هذا المنطلق يصبح السؤال عن إمكانية تحول الرفاه إلى العنف أو العمل تحت الأرض غير ذي بال... فحزب الرفاه لا يؤمن بهذه الأساليب وطالما حذرت قيادته الشباب من مغبة مثل هذه الأعمال قبل انقلاب عام ١٩٨٠ وبعد حل الرفاه عام ١٩٩٨م. ومازالت كلمات أربكان التي قالها في مؤتمره الصحفي الذي عقد بعد يومين من قرار الحل واضحة قوية في أذهان أتباعه... تمثل بالنسبة لهم برنامج عمل المرحلة القادمة.
قال أربكان: إن قرار حل الحزب خطأ كبير..... وهو سيحترمه على أي حال... ولكنه نقطة غير مهمة في مجرى الأحداث.... ولن يبطئ عجلة التاريخ، ودعا إخوانه إلى التزام الهدوء والتحلي باليقظة إزاء الاستفزازات.... وإننا سنجد دائمًا حلولًا مناسبة في إطار القانون..... وإن إغلاق الرفاه لن يؤدي إلا إلى تسريع صعود الحزب القادم إلى السلطة لأن الأمة تساند من يتعرض للظلم، إننا سنعمل ونبادر حتى يتعبوا ... فإذا تعبوا وجدونا في ذروة حماسنا ونشاطنا.
والرفاه ثالثًا: أثبت عمليًا أنه حزب يلتزم مبادئه... يؤمن بتداول السلطة ويحترم القانون..... فوجوده على رأس السلطة وإحساسه بدفء كرسي رئاسة الوزراء لم يمنعه من تقديم استقالته ووقوفه في وجه القيادة العسكرية ومجلس الأمن القومي الذي فرض قرارات جائرة وطالب بتنفيذها ... يومها وقف مع إرادة الأمة ضد استهتار القوة مع مدارس تحفيظ القرآن لمن يريد... مع مدارس الأئمة والخطباء مع حرية الفتاة في ارتداء ما تريد، مع مصداقية الحكم بأن إرادة الأمة هي التي تحكم وليس إرادة زمرة متسلطة.
قالوا يشنعون على الحزب: إنه لا يؤمن بتداول السلطة... فاستقال وتركها... وعندما صدر قرار المحكمة قال الحزب قرار خاطئ ولكننا سنحترم القرار على كل حال.
ولكن هل أحسن العسكر صنعًا؟:
لا يمكننا بالطبع أن نشبه العسكر في تركيا .. بالعسكرتاريا المنتشرة في معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.. فالأنظمة الثورية التي تحكم هذه المنطقة هي أساسًا
أنظمة ديكتاتورية تعتمد على الانقلاب والمخابرات وقمع المعارضة ومنع الاحزاب باستثناء الحزب القائد... وهي التي انفردت بقاموس سياسي جديد مثل: لا حرية لأعداء الشعب «يقصدون كل الشعب» والقائد الملهم «ويقصدون العسكري قائد الانقلاب الذي تمكن من استبعاد زملائه والتمكين لنفسه ولأسرته».. ولا صوت إلا صوت المعركة ويقصدون معركة فلسطين التي حولوا الأموال التي جمعت باسمها إلى حساباتهم الشخصية في الخارج وهم في كل الأحوال ينجحون في الانتخابات بنسبة تزيد على 99%.
أما عسكر تركيا.. فلديهم دستور، ولديهم برلمان ينتخب أعضاؤه بحرية حقيقية، ولديهم نسبة معينة من الديمقراطية، ونسبة معينة من حرية القضاء هم طبقة تحكم ولكنها على كل حال تتمتع بمرونة لا يمكن أن نجدها في الدول الثورية الأخرى إذا لم ندرك ذلك فسيصعب علينا تحليل الكثير من المواقف، وأهمها: السماح لأحزاب إسلامية بالتواجد والنمو والحكم.
نعود لنفس السؤال: وهل أحسن العسكر صنعًا؟
إنهم لم يحسنوا صنعًا.. فقد كان حزب الرفاه مخرجًا حقيقيًا للأزمات التي تعيشها تركيا.. كان بإمكان العسكر أن يتعايشوا مع هذا الموقف في سبيل إنقاذ البلد. فالأزمة تعدت حدود عام ١٩٦٠م التي عاجلها الجيش بانقلابه العتيد ضد عدنان مندريس.
إن الاختلافات الإيديولوجية في الشارع التركي ازدادت انقسامًا عما قبل، واشتدت حدة سواء بين العلمانيين والإسلاميين، أو على الصعيد الطائفي بين السنيين والعلويين، أو على الصعيد القومي بين الأكراد والطورانيين، فإذا أضيفت إلى هذه الاختلافات.. خلافات سياسية بين تركيا ومعظم جيرانها إيران والعراق وسورية واليونان، وبلغاريا، والاتحاد السوفييتي «السابق» وقبرص أدركنا كم الساحة قابلة للانفجار.
كان بإمكان العسكر أن يتركوا لأربكان الفرصة لتحسين علاقاته مع كل هؤلاء.. فهو من ناحية حزب كردي.. يراعي حقوق الأكراد من ناحية ويقاوم انفصالهم من ناحية أخرى. وهو حزب سني ولكنه أحسن خطاب العلويين وانضمت أعداد منهم إلى حزبه.. وهو على علاقة حسنة مع دول الجوار ابتداء من إيران، وانتهاء بالعراق وسورية، وكان بإمكانه أن يوفر على البلد مليارات الدولارات التي تنفق على حروب لا تفيد...
فحزب الرفاه وزعامته التاريخية ضرورة للسلم الاجتماعي لا يمكن الاستغناء عنها ولن يجد الجيش بديلًا لها.
إن الفساد الذي ينخر في المؤسسات العلمانية والأحزاب في تركيا، والذي كان أحد الأسباب الرئيسية في إقبال الشعب على اختيار حزب الرفاه، ولسان حالهم يقول: نريد حكامًا لا يسرقون ولا يرتشون هذه القضية كانت كافية لتثبيت حزب الرفاه ومساندته.
إن التطور الكبير والأعداد الهائلة من الشباب والشابات الذين التحقوا بالحزب حتى صارت أعدادهم بالملايين والتي دلت الاستبانات العامة على أن الرفاه يتمتع بتأييد ثلث الناخبين على الأقل، هذا الصعود الجماهيري كان الواجب استيعابه بدلًا من فرط عقده، فمن يدري أين تتجه جماهيره وكيف؟ ومن يضبط مسارهم؟
وأخيرًا ..
أين موقع تركيا التي أصرت على هويتها الأوروبية فنبذتها أوروبا.. وادعت بعدها عن العالم الإسلامي... أين موقعها اليوم؟ أين أصبحت أيديولوجيتها التي حسمها أتاتورك وقال نحن أوروبيون.. ماذا سيقولون اليوم؟ هل سيستقبل الشعب طروحاتهم بالرضا إذا قالوا نحن مع إسرائيل؟!
كان حزب الرفاه وقيادته التاريخية الفرصة التي لا تعوض لإعطاء تركيا هويتها الحقيقية زعيمة في العالم الإسلامي وحلقة الوصل بينه وبين أوروبا .. ألا ليت عسكرنا يدركون!
ولكن هل العسكر وحدهم الملومون..؟
كلا، فالسياسيون والأحزاب أكبر مسؤولية من العسكر.
فها هي الأحزاب تحكم باسم الجيش، وتوافق على حل أكبر حزب في البرلمان، حتى أن وزير خارجية لكسمبورج يخاطب مسعود يلماظ باسم أوروبا، ويقول له: كيف تحاور رئيسًا معينًا؟ اين الديمقراطية في بلادكم..؟ ولعل الجميع نسوا أن هذه الأحزاب من هو باليسار أو باليمين خرجوا من قبعة العسكر باستثناء حزب مندريس الذي أعدموه وحزب الرفاه الذي يحاولون إعدامه.
بقي السؤال: وماذا بعد الرفاه؟
نستطيع أن نؤكد أن المستقبل لن يكون سيئًا... فالتجربة ليست جديدة ولا غامضة بالنسبة لقبطان ماهر قاد السفينة قرابة الثلاثين سنة وأوصلها في كل مرة من توفيق إلى توفيق.. وإن نظرة إلى بعض الأرقام تؤكد النظرة المتفائلة التي نراها فحزب النظام الذي أسسه أربكان عام ۱۹۷۰م.. أغلقته الدولة بعد سنة واحدة من التأسيس.. وحزب السلامة الذي أسسه رفاق أربكان.. أغلقته الدولة بعد ٨ سنوات من التأسيس.
أما حزب الرفاه فقد تم حله بعد ١٥ سنة.. هذا من ناحية.... ومن ناحية أخرى... فعندما أغلق حزب النظام كان له ثلاثة نواب في البرلمان... أما حزب السلامة فقد كان له خمسون نائبًا.. ويغلق اليوم حزب الرفاه وله ١٥٨ نائبًا.
أما نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب الرفاه فكانت كما يلي:
4,4% عام ١٩٨٤م.
7,16% عام ١٩٨٧م.
9,8% عام ١٩٨٩م.
16,9 عام ١٩٩١م.
19,7% عام ١٩٩٤م.
21,7% عام ١٩٩٥م.
33,52% يونيو ١٩٩٦م.
وهي أرقام تدل على الجهد الأكيد الذي بذله الحزب وعلى المستقبل الواعد الذي ينتظره.. أما الخيارات التي رتبها الرفاه لحركته بعد حل الحزب فهي:
١ - تفعيل حزب الفضيلة الذي تأسس في ديسمبر ١٩٩٦م برئاسة إسماعيل إيتكين.
٢ - أو تشكيل أحزاب برلمانية.. فلكل ٢٠ عضوًا برلمانيًا الحق في تأسيس حزب داخل البرلمان يعترف به.. ويحق له الدخول في أي انتخابات قادمة.
٣ - أو تأسيس جبهة وطنية من الحزب الديمقراطي وحزب الشروق وحزب الوحدة الكبرى والحزب الليبرالي وهي أحزاب صغيرة لها مواقف إيجابية.
٤ - أو التفاهم مع حكومة يلماظ.. لتعديل الدستور بحيث يتاح لأربكان قيادة الحزب القادم.
الجيش والقوى السياسية المعادية يراهنون على إرباك الرفاهيين.. وعلى خلافات منتظرة بين قيادات الصف الأول.. وعلى الخروج على القيادة التاريخية.. وعلى تحول نسبة من أصوات الرفاهيين إلى الأحزاب اليمينية الأخرى وخاصة حزب الوطن الأم.. قد يحصل شيء من ذلك وإن كنا لا نعطيه أكثر من 5% من النجاح، فإذا صحت توقعاتنا فإننا ننتظر عودة التيار الإسلامي إلى الساحة بقوة لا تقل عن ٣٠٪ من مجموع الأصوات.
ونتوقع كذلك أن تدرك جميع القوى السياسية الفاعلة في الساحة التركية ضرورة عودة الرفاه بشكل أو بآخر لضبط إيقاع الحركات السياسية.
فالأتاتوركية التي ترفع لواء العلمانية والديمقراطية والذي روج له كثيرًا بعد سقوط الشيوعية، لم تكن سوى حركة متسلطة معادية للديمقراطية الحقيقية معادية لمبادئ الإسلام.