العنوان ومات شيخ العلماء
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1999
مشاهدات 210
نشر في العدد 1350
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 18-مايو-1999
نقوش على جدار الدعوة
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا لفراقك - أيها الشيخ – لمحزونون.
لقد ضاع -بموت الشيخ- جزء من ميراث النبوة، وهل ورث الأنبياء إلا العلم، وأشاعوا بين الناس غير الهدى والرشاد؟ وعلى دربهم وطريقهم سار العلماء، ولذلك كانوا ممن أراد الله بهم الخير، فقد ورد عن رسول صلى الله عليه وسلم.
من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وقد كان للشيخ رحمه الله باع واسع في فقه الدين ترد إليه عويصات الفتاوى فيحصها ويبينها ويكشف خافيها، ويظهر غامضها ، ثم يتركها أمام الناس لا لبس فيها ولا إبهام، فكان - بحق - أحد ورثة الأنبياء - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا - لأنه أخذ من العلم بحظ وافر، كما جاء في حديث أبي الدرداء: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ولئن كانت الملائكة تحف طالب العلم بأجنحتها في حياته، ويستغفر له كل شيء في السماء والأرض»، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير فإن أجره وثوابه مستمر بعد مماته»، إذ جاء في الحديث: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث منها «علم ينتفع به» والانتفاع بعلم الدين أوسع دائرة وأعظم شمولًا من أي علم آخر، إذ هو يصل إلى الكبير والصغير، والغني والفقير، والقارئ وغير القارئ، ومن في الصحراء أو من الحواضر، وقد انتفع بعلم الشيخ -رحمه الله- كثيرون، وسينتفع بعلمه: في المستقبل كثيرون في كل بقعة في الأرض فيها مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وعلمه -بحمد الله- منشور في الكتب ومسجل في الإذاعات، ومحفوظ وموجود في كل وسائل حفظ العلم ونشره في وقتنا الراهن، وهي - إن شاء الله - تعود أجرًا وثوابًا على صاحبها، حتى يستقر في. جنة الخلد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، وقد سلك الشيخ الطريق ووقف على قارعته يدعو الناس إليه ويرشدهم، ويأخذ بيدهم، لتسلم لهم أعمالهم، وتسلم لهم أقوالهم، إنه يرشد الناس إلى كتاب الله وإلى هدي رسول الله صلى الله وعليه وسلم، وهل هناك أعظم من ذلك؟.
لقد كان رحمه الله آية في النشاط وعلو الهمة، لم تعقه عاهة، ولم تقف في طريق بيانه وإرشاده عقبة إلا تجاوزها، مؤلفًا للكتب، ومشاركًا في الندوات، وعلمًا من أعلام الدعوة، وجوده دعوة للجمهور، وحديثه غذاء للعقول، لأنه يستقي مادته من كتاب الله وسنة رسوله وحكمة السلف الصالح الذين تبع خطاهم وسار على نهجهم، وكتاب الله محفوظ مصون باق، وكل من تعلق به وأخذ منه، ودعا الناس إليه له من هذه الصفات نصيب بقدر جهده وعمله وخدمته للكتاب والسنة فيبقى ذكره في الناس، ويبقى أجره جاريًا عند رب الناس، وانظر إلى جمهرة المفسرين للكتاب والشارحين للسنة المطهرة تجد صدق ما نقول، ولن نذكر بعض الأسماء لأنها فوق الحصر والتعداد، ولكنا نقول إن الشيخ واحد منهم يكمل سلسلة كبار العلماء، ويتركها مفتوحة لمن يأتي بعده من الأجلاء، فالخير في هذه الأمة موصول إلى يوم القيامة، ويكفي أن الشيخ قضى حياته في صحبة العلماء مشغولًا بعلمهم، عاكفًا على استنباط مسائلهم، وتقديمها للناس في صورة عصرية، فيها غناء لهم، فكان أحد دعاة الهدى الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.
رحم الله الشيخ ابن باز وأسكنه فسيح جناته والحقه بالصالحين، وجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
والحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون
رحل العالم الإمام الهمام فسلام من الإله سلام
شمل الحزن والأسى كل قلب وعن الوصف كلت الأفهام
وبكى الجار والضعاف جميعًا وبكى المرملات والأيتام
عالم عامل، تقي، نقي طاهر القلب همه الإسلام
ورع، ناسك، عفيف، أمين قائم الليل، قانت، صوام
فهو للسنة الشريفة كهف وهو للحق صارم صمصام
وصلاة على المشفع طه وسلام مادامت الأيام