; المجتمع الثقافي :العدد1593 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي :العدد1593

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 20-مارس-2004

مشاهدات 91

نشر في العدد 1593

نشر في الصفحة 50

السبت 20-مارس-2004

قصة قصيرة

ولم تزل العروسة سجينة

د. حمدي شعيب

Hamdy-shoaib@hotmail.com

دقات سريعة أطلقها المنبه.. انتبهت من نومي.. هاتف داخلي يحثني على أن أصحو أبا جهاد من أدلج بلغ المنزل، أيها الرجل: إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة. إيه أبا جهاد، مثلك لا يحق له أن ينام ويغفل عن تلك الدقائق الغالية. وشهر القرآن موسم الخير يزيد ويزيد في سعرها. أين المشتري؟ إيه أبا جهاد مثلك لا يحق أن يبول الشيطان في أذنيه لملمت فراشي التحفت بثيابي لفحة السحر لها عندي مغزى، سهام الليل، وقود يومي استغفار السحر، زادي ركيعات بين طويلة وقصيرة.

دقات ثلاث من الهاتف. أحد الأحبة في الله أيها الأخ الحبيب.. أثرت أن تبدأ يومك بعمل خفي تلقى به ربك آثرت أن تنبه أخاك في الله، وتزيد في سواد المستغفرين بالأسحار جزاك الله خير الجزاء.

ربتة حانية على أم البنين أيتها الصابرة هيا لتكمل المسيرة، مع ركب الذاكرين الله والذاكرات تململت.. داعبتها بنضح بعض قطرات الماء...

ابتسمت.. زادت إشراقة وجهها المؤمن.. كم للابتسامة من فعل كالسحر في النفوس.. ولكننا تغفل عنها. تمتمت أيها الرجال، ذهبتم والله بعظيم الأجور.. دومًا لكم السبق.. خرير الماء ينسدل على أعضاء وضوئها.. أيقظت صغارها ... مملكتها الحبيبة.. تذمر الصغير .. صاح الكبير ... جلبة حبيبة تكمل منظومة كونية مؤمنة يشاركهم فيها الليل بهدوئه كروان يرسل نغماته .. ديك يتجاوب مع صداها فيصيح أصوات المؤذنين تتداخل. أيها الغافلون فاتكم الكثير، لحظات طيبة تناشد أصحابها هل من سائل؟ هل من داع؟ هل من مستغفر؟ عقل المحتاجون، عز المريدون، لوحة طيبة لها في النفس وقع، ولها في القلب راحة المؤمن يجد لذته فيها، دعوت الله U ألا يحرم أحدا منها ولا من بركتها.

 أسندت رأسي على كرسي خلفي وسرحت بعيدًا، مناجاة من القلب.. تذكرت إخوة لي في الله. تذكرت قائدي.. أيها الأحبة، إليكم حقكم علي. هذه أسلحتنا الخفية، هذه دعوات بظهر الغيب.

أذن الفجر لبيت النداء على عجل، هيا يا جهاد أيها الحبيب أيها الولد الصالح سنوات عشر في حضن والديك، أرضعوك العزة شيدوا فيك مؤسسة للخير كشجرة طيبة ستثمر بعونه تعالى لأمتنا فيها سهم وافر، وسنجني ثمار أسهمنا فيها في حياتنا وبعد مماتنا، ثمار لا تنقطع. وعمل لا ينبتر مكاسب أسهمنا فيها ستمدنا بفيض من الدعوات بعد مماتنا جيل يبارك جيلًا.

فخور بك أيها الغلام الغض، فخور باسمك إنه يذكرنا دومًا بفريضة أضعناها، ما تركها قوم إلا دلوا فخور بشغفك سعيد أنا ببريق عينيك وأنت تصغي لقصص الركب المؤمن البدريون. 

شهداء ملحمة أحد سيد الشهداء حمزة رضوان الله عليه القسام البنا، قطب عزام طموحك أيها الغلام للحاق بركب الشهداء عاصف. لا يدانيه إلا طموح والدك وأقران والدك، دائم السؤال أنت أيها الصغير عن المفتاح عن العروس، يومًا ما دفع مهرها الفاروق رضوان الله عليه وتسلم مفتاحها، صلاح الدين حاول أيضا ونجح.

العروس عادت سجينة تنادي أين مفتاحي؟ كم من مفاتيح ضاعت، وكم من عروس بكت أسرها. كما حلم محمد الفاتح بعروس الشمال ودفع مهرها ونجح حلمنا وحاولنا، ونحاول تعسرت أمورنا طال ليل أمتنا اليأس من شيم الكافرين لم تزل العروس على انتظارها، حتى أطفال الحجارة دخلوا حلية المنافسة ينافسون الكبار، يعاودون الكرة تدافع حضاري لا ينقطع إنه حلم الأجيال استشراف جيل بأكمله، إيه أيتها العروس يريدون تهميشك، يريدون إخراجك من حلبة الصراع، ولكن خاب مسعاهم أنت الرقم الصعب في حسابات التاريخ، وبؤرة التحول الحضاري، فمن حولك من الأرض المباركة ستبدأ مسيرة أمة.

إيه سوار كسرى إيه حلم أم حرام، إيه أسوار القسطنطينية، إيه أيتها الأحلام لق وجدت رجالًا حققوك، ولكن إيه سيدي الخليفة أحلامنا، لا يوسف لها!!!.

أفقت على أصوات حذاء ولدي توقظ درجات السلم تتسابق مع نسيم الفجر، نشاطه الزائد لم يمنع ارتعاشة يديه مع نسمة البرد احتضنتهما بيدي أصلحت من غطاء رأسه

أقبل علينا عم إبراهيم بائع الألبان الطيب أهازيجه الطيبة اختلطت بشقشقات مباركة لعصفور الصباح أثر أن يصحبنا لصلاة العتمة مرحبا جهاد يا أبا جهاد هذا وقت توزيع الأرزاق، فلا عجل على مكتوب عم محمد جارنا ابتسم مسلمًا علينا ربت على كتف جهاد يا أبا جهاد هذا نبت طيب هذا شجيرة زين في صحراء قاحلة طال عطشها، تشققت تربتهاهذا وعد الله هذا فجر أمتنا يبارك فجرهذا  الوجود سيذهب بليل أمتنا، سيحرر العروس إن تقاعسنا عن صرخاتها، لا يشغلنك عنه شاغل على باب المسجد، شبح غريب انقبض صدري لرؤيته، ما هذا النشاز في لوحتنا الطيبة؟! ما هذا العبث في منظومتنا المؤمنة ما هذا النجس في ثوبنا الأبيض؟! إنه أحد زارعي الغرقد إنه أحد إخوان القردة والخنازير، وقف ليحرس ما غفل عنه المسلمون. وقف عدو الله يحرس بيت الله.... محمد.. أرأيت هذا الحارس ابتسم عم محمد متمتمًا: حاميها حراميها، إيه أيها الغرقد ماذا أنت فاعل أمام جحافل الفاتحين؟

خطونا داخل المسجد قرآن الفجر المشهود بجوارنا وضع عم إبراهيم وعاء اللبن .. ركعتا الفجر ابتسامات المصلين شهود العتمة ثقة في وعد الله سبحانه وحسن ظن به وبالأجر المدخر عنده تسابيح واستغفارات لا يشذ عنها إلا خطوات الجند تقترب من داخل المسجد صليل سلاحهم يزداد حدة، سبحانك حتى بيوتك وأطهر بقاع أرضك دنست ماذا تبقى لنا ؟!، يهود تحرس مساجدنا !!!. إيه مليارًا من الغثاء إيه أيها الهباء.

أقيمت الصلاة سبحت مع سورة السجدة صوت الإمام حزين هذا الصباح، وما الذي يدعوك أيها الشيخ للسرور؟ غدت كل صلوات أشبه ما تكون بصلاة الخوف، سجدة التلاوة ركوع ثم سجود، جلبة في الصفوف الأخيرة إلهي حتى الصلاة آخر عرى ديننا يهدد الضياع، صرخات غريبة، في الضوء الخافت تحسست شيئًا يسيل أسفل مني يا إلهي يختلط بدماء حارة، كيف امتزجا؟! فمن آياته سبحانه، ومن نظامه الكوني ألا يختلطا، بل يخرج من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً، ترى هل انقلب ميزان الكون؟ ترى هل انطمست فطرة الأشياء؟ إنه انسياح يهود علواً وفساداً، علواً على كل ما هو أخلاقي، وفساداً لكل ما هو خير في هذا الوجود، لقد حاصروا أمة الخيرية، أدخلوها التيه الذي شربوا ذله ومرارته، لقد ضلت الحرية طريقها، غرف منها يهود غرفاً وفقدها عباد الله. لقد تاه كل خير، إنه النشاز المركب والمتداخل إنه وجود يهود في هذا الكون.

شيء ارتطم برأسي دماء سالت من جبهتي تسيل وهي تستعر نارا تلعن يهود وتلعن من شايعهم، وتلعن من هادنهم، وجدتني في جو رحيب وسعة تشمل الزمان والمكان أرتال من الشهداء تهنئني، هذا حمزة يشد على يدي البنا يبتسم لي القسام يتلقى التهاني عني عزام يحييني، قطب يحييني سيدي.. لم تعد كلماتنا عرائس شمعية بل حياة متحركة بل إعصار يدمر كل شر. صحبة جليلة، على سرر متقابلين.. رائحة طيبة، تؤكد لي ما أرى أحبابي من أجيال الثامن والأربعين شهداء القنال شهداء السابع والستين، شهداء الثالث والسبعين، شهداء الانتفاضة شهداء وأبرار طالما سمعت وقرأت عنهم، على البعد أسمع جلياً صرخات الطغاة، أبو جهل كل دعوة فرعون كل عصر وأعوانهم.

سبحانك ما أعظمك إنها الشهادة إنها أسمى أماني المجاهدين.                      

ها هي سلعة الله الغالية.

إخواني وأحبابي بكتائب القسام، بلغوا قائدي إنني كعهدي معه ومعكم. إنني لم أتخلف عن موعدي معه، لقد كان لي موعد معه اليوم بعد أن استجاب لتوسلاتي. لقد كان دوري اليوم مع يهود كان دوري اليوم لأريهم من كتائب الخير كل قوة من أجل إحدى الحسنيين، كانت عمليتي اليوم. ولكنني سبقتكم.

أحبابي لا عذر لكم، هذا هو الفوز المبين. 

صحت مردداً لقد فزت ورب الكعبة فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة.

أبا جهاد أبا جهاد. لم تصيح؟ لقد أذن الفجر، ولدك جهاد بالباب. لقد سبقك. عم إبراهيم وعم محمد. الكل ينتظرونك الصلاة أيها الرجل.

أفقت من غفوتي.

إيه أم جهاد، لقد كان حلماً جميلاً، ولكن لقد بقيت سويعات لن أتخلف. عن موعدي مع قائدي، وسيتحقق الحلم.

فلم تزل العروس سجينة..

واحة الشعر

القدس تفتش عن بطل

شعر: محمد أبو دية

أرسلت إليك رسالاتي *** في العيد فلم أجد الردا

 

وأتاني طيفك في نومي *** فرأيت الدمعة والقيدا

 

قد غبنا عنك بلا عذر *** غبنا وتجاوزنا الحدا

 

فمضيت أفتش عن عذر *** وسألت الوالد والجدا

 

لكني جنت بلا عذر *** ودموعي أغرقت الخدا

 

القدس تفتش عن بطل *** باع الدنيا حفظ العهدا

 

القدس تنادي غاضبة *** وتريد الجيش المحتشدا

 

ألقيت خطاباً نارياً *** لكني لم أسمع ردا

 

وأتاني صوتي ثانية *** قد واجه سداً فارتدا

 

القدس يحررها جيش *** سيل عرم يغشى السدا

 

القدس تفتش عن بطل *** كصلاح يهديها المجدا

 

ويطارد أحزاب الشر *** ويقود الجيش المتحدا

 

القدس حبيبتنا تبكي *** وتعاتبنا فرداً فردا

 

من يملك رداً يقنعها *** والأقصى ينتظر الردا

كتاب يكشف جذور القوة الإرهاب في عمق الثقافة الأمريكية

يتغافل الغرب عن عمليات إبادة الجنس البشري في إفريقيا لأن تلك الأحداث لا تؤثر كثيراً على المصالح الغربية

اسم الكتاب: القوة والإرهاب

المؤلف: نعوم تشومسكي

الناشر: دار الفكر – دمشق – ط1 – 2003

ترجمة: د. إبراهيم الشهابي

نعوم تشومسكي المفكر الأمريكي النشيط يعد واحدا من أهم الأصوات المعارضة للسياسة الخارجية الأمريكية، وقف محللا ومفسرا الأسباب الإرهاب، وأثاره على المستويين المحلي والدولي، ومن واقع معايشته لأحداث سبتمبر التي استهدفت رموز القوة الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة يبعث رسالة تحذير للولايات المتحدة مفادها.

«إذا كنتم تريدون وقف الإرهاب بكل صوره، وحتى لا تكتووا بنيرانه، كفوا عن المشاركة فيه، وتوقفوا عن دعمه».

فهو يضع هجمات ١١ سبتمبر في سياق التدخل الأمريكي في العالم طيلة عقود ما بعد فيتنام، وبخاصة إفريقيا الوسطى والشرق الأوسط.

وبالمنطق القائل بأن ممارسة العنف ضد المدنيين هو إرهاب بغض النظر عما إذا كان من يمارسه عصابة منظمة من المتطرفين أو أقوى دولة في العالم يتحدى تشومسكي الولايات المتحدة أن تخرج من هذا التناقض وتطبق المعايير الأخلاقية التي تطالب بها الآخرين على ممارستها هي نفسها.

هذا التحدي يكشف عن علم واسع ببواطن السياسة الخارجية الأمريكية ونزوعها نحو التفرد والتسلط والاستعلاء، والسيطرة، وإساءة استخدام القوة وتسخيرها لخدمة مصالحها الأنانية، غير عابئة بالآخرين ومعاناتهم، وتوطين القيم وربطها بالمصلحة، فلا يكون للعدالة والحرية والمساواة وسائر قيم الخير قيمة إلا حين تخدم المصالح الأمريكية، ولا يكون الظلم والعدوان وسفك الدماء مستهجناً إلا إذا ارتكب في أمريكا أو كان موجهاً ضد مصالحها في أي مكان.

يؤكد تشومسكي أن فلسفة القوة والتفرد تعود إلى جذور تاريخية بدأت برعاة البقر الكاوبوي الإنجليز الذين جاءوا ليبيدوا السكان المحليين في أمريكا الهنود الحمر ليحلوا محلهم، وبهذا ترسخت ثقافة الحق للقوة في الضمير الأمريكي، وهذا ما دفع تشومسكي إلى إعلان مقولته الثابتة التي كررها في أحاديثه ولقاءاته على إثر هجمات سبتمبر، وردود إدارة بوش عليها..

إننا لا تستطيع مخاطبة إرهاب الضعفاء ضد الأقوياء دون مواجهة الإرهاب الشديد الذي يمارسه الأقوياء ضد الضعفاء، وبرغم أن هذا الرأي يمثل صوت العقل والضمير، فإنه لم يجد آذانا صاغية في وسائل الإعلام أو لدى المسؤولين الأمريكيين، لكنه وجد من يستمع إليه، ويستجيب له في داخل الولايات المتحدة وخارجها.

ففي اليابان عبر هذا الصوت العاقل عن نفسه على هيئة كتاب (11/9). كما شرع أحد المنتجين السينمائيين هناك بوضع خطة لإنتاج فيلم وثائقي عن تشومسكي ومنظوره فيما يتعلق بالإرهاب، والقوة الأمريكية، فكان هذا الكتاب إحدى ثمار هذا الجهد.

عرش القيادة مهدد

في إحدى مقابلاته يقرر تشومسكي أن الولايات المتحدة تتجرع نفس الكأس الذي أذاقته لكثير من البلدان ومنها تركيا واليابان. وإذا كانت تريد حقا وقف الإرهاب الذي يضر بمصالحها، ويهدد عرش قيادتها للعالم فعليها أن تتوقف عن المساهمة فيه. وعليها إعادة الميران إلى نصابه العادل في الحكم على الأمور التي تدخل ضمن جرائم الحرب، ويعبر عن رايه بأن محاكمات طوكيو ونورمبرج بعد الحرب العالمية الثانية كانت تفتقر إلى الضمير والعدل فكانت الأعمال التي اقترفها الألمان توصف بأنها جريمة حرب بينما الجرائم التي يقترفها الأمريكيون والإنجليز ليست كذلك، بل بالعكس كان الاحتجاج على هذه الجرائم الوحشية. يوصف بأنه الإرهاب بعينه في إطار حملة من التسويف والتبرير، وإضفاء التقوى على هذه الجرائم.

الإرهاب على النمط الأمريكي، ويكفي أن يعرف الجميع أنه في الحرب الفيتنامية التي بدأت ۱۹۵۰ وضعت الولايات المتحدة نظام إرهاب وصل إلى إبادة ما يقرب من ٧٠ ألف شخص دون أن تصدر أي احتجاجات أو تجد الاحتجاجات القليلة أدنى استجابة.

وفي فلسطين لم يكن بمقدور الاحتلال الصهيوني أن يثبت أقدامه، أو يمارس سياسته الاستيطانية ضد الشعب الفلسطيني دون الدعم الأمريكي، فواشنطن تعلن أنها الراعي الأول لجهود التسوية في الوقت الذي تسد فيه السبل بما تقدمه لإسرائيل من دعم عسكري واقتصادي يضمن تفوقها، وفي لبنان عندما غزته إسرائيل سنة ١٩٨٢، وقتلت ۲۰ ألف نسمة كان لأمريكا دور كبير في دعمها عسكريًا، والوقوف في مجلس الأمن ضد أي قرار لإدانة إسرائيل، وبرغم ذلك فلا تعد هذه المذابح أعمالا وحشية، بل توصف بالوحشية عمليات المقاومة المسلحة المشروعة ضد الاحتلال الإسرائيلي وتطلق على العمليات الاستشهادية وصف جرائم الإرهاب، وتسبغ حالة من الشرعية على الانتهاكات الخطيرة التي تمارسها إسرائيل على الرغم من أنها من جرائم الحرب التي تتوجب إدانتها.

وقد دأبت الإدارة الأمريكية على دعم الشخصيات والنظم التي تتوقع أن تخدم مصالحها وأهدافها في منطقة ما. ثم تنقلب عليهم لتنفرد بالسيطرة والهيمنة، وربما يكون صدام حسين مثالاً صارخاً على هذه السياسة.

السلاح الأمريكي

يمكن القول إن ثمة علاقة وثيقة جداً بين المساعدات الأمريكية، والتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان في المناطق والبلاد التي تتلقى هذه المساعدات، بينما أكدت دراسات أخرى أن أفضل علاقة هي تلك القائمة بين المساعدات الأمريكية الاقتصادية، وتحسين مناخ الاستثمار، وهذا التحسن لا يأتي إلا على حساب الكادحين وأصحاب كلمة الحق الذين يتم تكميم أفواههم وتعذيبهم حتى لا يفسدوا هذا المناخ.

 وكان هذا النهج هو السمة المميزة لإدارة ريجان التي أعلنت فور تسلمها زمام السلطة أن محور السياسة الخارجية الأمريكية سيكون الحرب على الإرهاب، وأنه لا بد من التعامل مع الإرهاب بالقوة والعنف للوسائل الطوباوية الشرعية كالوساطة، والمفاوضات لأنها تعد من علامات الضعف، وتم التركيز آنذاك على منطقتي أمريكا الوسطى والشرق الأوسط. 

وبالفعل تحولت أمريكا الوسطى، وبخاصة نيكاراجوا إلى مقبرة لشعوبها، وتم تدمير البلاد. بينما كان منها إلا أن لجأت إلى المحكمة الدولية التي أدانت الولايات المتحدة بالإرهاب الدولي بسبب استخدامها المفرط للقوة، وألزمتها بدفع تعويضات كبيرة فقامت الولايات المتحدة بالتصعيد وشنت الحرب على الأهداف اللينة المؤسسات الخدمية إلى أن انتهى الأمر بتنصيب مرشح الولايات المتحدة رئيسا للبلاد، فتوقف الرعب سنة 1990 لكن نيكاراجوا اتجهت إلى مجلس الأمن لإدانة الولايات المتحدة، فاستخدمت الأخيرة الفيتو ضد القرار الذي يلزمها وجميع الدول باحترام القانون الدولي، وما حدث بنيكاراجوا تكرر مع السلفادور، وكذلك في الشرق الأوسط، وبخاصة في لبنان وفلسطين ثم العراق.

وفي إفريقيا دارت رحى الحرب، وفي عهد ريجان وحده (1980-1988) قتل في موزمبيق وأنجولا حوالي 1.5 مليون شخص، ناهيك عن أضرار تقدر بستين مليار دولار.

ومع كل هذا فإن هذه الأعمال الإرهابية لا تعدها الإدارة الأمريكية إرهاباً، لكنها تعتبرها أعمالا مضادة للإرهاب أو حرباً عادلة.

وفي تركيا التي كانت تعد أكبر متلق للمعونات العسكرية الأمريكية طوال فترة الحرب الباردة، وما بعدها حتى سنة ١٩٩٩م بسبب موقعها الاستراتيجي المحاذي للاتحاد السوفييتي والشرق الأوسط، شنت الدولة إرهاباً ضد الأكراد الذين يشكلون ربع السكان تقريباً بدعم عسكري أمريكي، وقد نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرها السنوي لعام ٢٠٠٠. تحدثت عن تجربة كل من تركيا والجزائر وإسبانيا في مقاومة الإرهاب، برغم ما يمارسه كل منها من إرهاب دولة ضد من يعارض المصالح الأمريكية أو يعرقلها.. ويكفي لإطراء تركيا أنها كانت أول من قدم قوات أرضية للولايات المتحدة لاستخدامها في الحرب في أفغانستان أما كولومبيا فقد حلت محل تركيا بعد أن أصبح لديها أسوأ سجل عالمي في التنكيل بالمدافعين عن حقوق الإنسان وممارسة الأعمال الوحشية المروعة ضدهم، وأصبحت تحظى بإطراء ومدح الرئاسة الأمريكية. ووصفها بأنها ديموقراطية رائدة، ولما قامت به من إصلاحات اقتصادية في مجال الخصخصة، وتسليم مواردها للمستثمرين الأجانب.

ولا تنفصل الحرب الاقتصادية عن الإرهاب فهي تفرض لسحق حياة الشعب، وانتهاك إنسانيته وتعد كوبا وهايتي نموذجين للبلدان الخاضعة للحصار الأمريكي بدعوى أنهما دولتا إرهاب وديكتاتورية.

لماذا يكرهوننا مع أننا طيبون؟ هذا السؤال طرحه جورج بوش الابن بعد ۱۱ سبتمبر، وحاولت الصحافة الغربية استقصاء الرأي في الشرق الأوسط للبحث عن إجابة له.

وقد تبين لهم أن العداء الشعبي السياسات الولايات المتحدة يكمن في اعتراضهم على الدعم الأمريكي للأنظمة الوحشية الفاسدة.

زيارة إلى الضفة

وكانت لنعوم تشومسكي نشاطات وجولات تؤكد توجهاته المعارضة للسياسة الأمريكية والمؤيدة للدفاع عن حقوق الإنسان وحق تقرير المصير. ومنها تعاطفه الشديد مع عزمي بشارة. عضو الكنيست الإسرائيلي ممثلا لعرب إسرائيل، ومنددا برفع الحصانة عنه، وتقديمه للمحاكمة بعد أن أعلن حق شعب لبنان في مقاومة الاحتلال، ودعوته لدعم الانتفاضة الفلسطينية بوصفها بديلا عن الخيارات الأخرى الممكنة، فضلا عن جهوده في تنظيم زيارات إنسانية تجمع كبار السن من الفلسطينيين في إسرائيل مع أقربائهم اللاجئين في سورية، وهو ما اعتبرته إسرائيل انتهاكاً القوانين الطوارئ لعام ١٩٤٨م.

انحياز الإعلام وفلسطين

يصف تشومسكي أوضاع الإعلام الغربي وبخاصة الأمريكي بعد 11 سبتمبر بأنه أصبح أكثر انفتاحاً من قبل استجابة للقلق الجماهيري والرغبة في معرفة لماذا حدث هذا؟ ومن الذي فعله فالحكومة الأمريكية ليس لها نفوذ على وسائل الإعلام، وليس لها أن تحدد لها ما تفعل أو تقول برغم أنها جزء من النظام الذي يسير الحكومة، وتتحرى مصلحة الولايات المتحدة فيما تبثه من أخبار وأشكال إعلامية ولذلك فهي تحرص على عدم كشف الجرائم التي تورط الحكومة الأمريكية، وتوقعها في مأزق عالمي مثل قضية تيمور الشرقية واشتراكها في إبادة الجنس، أو دعم إسرائيل بالطائرات الهليوكوبتر إبان اندلاع انتفاضة الأقصى لمهاجمة الأهداف المدنية والمجمعات السكنية، ورفضت وسائل الإعلام نشر خبر أكبر صفقة طائرات هليكوبتر عسكرية لإسرائيل في عهد كلينتون.

كما لم تنشر تفاصيل خريطة كلينتون للسلام في الشرق الأوسط لأنها كانت تتضمن تقسيماً للضفة إلى كانتونات منفصلة، وكذلك الحال بالنسبة للقطاع والقدس الشرقية، وهو ما يصب في خدمة هدف إسرائيل.

فبعد أن تراجعت سورية عن مساعدة الفلسطينيين في الأردن ۱۹۷۰، وبعد سقوط الشاه في إيران ۱۹۷۹ أصبحت إسرائيل أكثر أهمية لدى أمريكا منذ ذلك اليوم لكنها في الوقت ذاته تسعى التوثيق علاقتها بعدد من الدول العربية للحصول على دعم لوجودها ومصالحها في المنطقة.

 وتتغافل أمريكا والغرب عموماً عن عمليات إبادة الجنس البشري في إفريقيا، رواندا وبورندي. والكونغو، لأن تلك الأحداث لا تؤثر كثيراً على المصالح الغربية والأمريكية بصفة خاصة.

 وفي إجابة عن السؤال: كيف نفسر التحول في السياسة الأمريكية لدعم فلسطين واحتمال إيجاد دولة فلسطينية أكد تشومسكي أن هذا ليس تحولا في السياسة، بل إنه فصل من مهزلة كاملة. فالولايات المتحدة كانت تسعى للحصول على دعم لحربها ضد العراق وهي مهمة صعبة للغاية. لذلك فقد طلبت من الحكومة الإسرائيلية سحب القوات والدبابات من المدن الفلسطينية تمهيدا لتجميع الموافقات المؤيدة للحرب على العراق وتهدئة الأجواء العربية لتحقيق أهداف هذه المهمة. وتبقى الولايات المتحدة محتفظة لنفسها بالدور الانفرادي في عملية التسوية.

لعبة القوى الكبرى

وليست هذه سياسة الولايات المتحدة وحدها في بسط هيمنتها على العالم، إنها دأب كل القوى التي قدر لها أن تسيطر على العالم، وتمارس نفوذها، وتؤدب أو تبيد أو تنصر من تريد، وكأنها صاحبة رسالة سماوية عليا، فهي لعبة القوى الكبرى في كل زمان ومكان تتجاوز الأعراف والمواثيق والاتفاقات الدولية المتعارف عليها، والمجمع على قبولها إذا مست من قريب أو بعيد مصالحها الحيوية، أو هددت أهدافها. وهذا هو ما تفعله الولايات المتحدة مع إسرائيل للحيلولة دون تعريضها للإدانة الدولية، أو إلزامها بتطبيق اتفاقيات جنيف على احتلالها للأراضي الفلسطينية.

ويفسر تشومسكي حملة وسائل الإعلام العربية على العرب والمسلمين بعد سبتمبر بأنها شكل من أشكال العنصرية، وأما محاولة زج كوريا الشمالية ضمن دول محور الشر، فما هي إلا حيلة الإبعاد الشبهة عن مناهضة الولايات المتحدة للمسلمين وملاحقتها لهم.

ولكنها في الوقت ذاته ذريعة للهجوم على أي منها بدعوى محاربة الشر والإرهاب، فالسبب الرئيس للعدوان على العراق لم يكن دكتاتورية صدام حسين ولا تطويره أسلحة الدمار الشامل إنما السبب الحقيقي يتعلق بضخامة المخزون النفطي في العراق، والرغبة الأمريكية الملحة في الاستيلاء عليه بعد تنصيب نظام جديد..

(*) خدمة مركز الإعلام العربي القاهرة                                                                 

الرابط المختصر :