العنوان ولكنّ مسلمي بورما لا بواكي لهم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1980
مشاهدات 95
نشر في العدد 471
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 26-فبراير-1980
ماذا يعرف المسلمون عن بورما؟ وماذا يعرفون عن أحوال إخوان عقيدة الإسلام فيها؟.. ترى هل يعيش مسلمو بورما بين الفئات اللإسلامية حياة العز والهناء وقد دمر حتى اليوم ما يقارب ألف مسجد تدميرًا كاملًا في منطقة «أراكان» وحدها؟
إن مجلة المجتمع التي تهتم بأحوال المسلمين في كل مكان من هذا العالم، تحاول على هذه الصفحات كشف اللثام عن أوضاع أبناء الإسلام في بورما؛ لأنه لا بد للمسلم أن يهتم بشئون أخيه، فالمسلم أخو المسلم، ومن لم يهتم بشئون أبناء الإسلام فليس منهم.. وإذا كان عدد مسلمي بورما ثلاثة ملايين نسمة، فهم موزعون في جميع أنحاء البلاد من أن نصفهم يتمركز في إقليم «أراكان» على حدود بنغلاديش، وإذا كان أصل كلمة «أراكان» عربيًّا، فإن في ذلك ما يدل على أن تلك المناطق كانت في يوم ما جزءًا من الدولة الإسلامية العظمى في القرن السابع والثامن، ولكي نلقي الأضواء على أوضاع إخواننا المسلمين في بورما، يحسن بنا أن نقف على الموجز التاريخي التالي:
وتتدفق علينا الأنباء يوميًّا عن حوادث الاغتصاب والسلب والنهب، ويزداد كل يوم عدد الذين يسقطون قتلى أو جرحى والذين يشردون. وإن المصير الذي ينتظر المسلمين في بورما إن لم ينقذوا، هو الإبادة والتصفية تحت حكم الشيوعيين.
ففي شهر إبريل عام ١٩٦٧ قامت قوات الحكومة بتهجير ألفين من المسلمين إلى جهة غير معروفة بحيث لم يعرف مصيرهم، وعندما فرضت عليهم مغادرة بيوتهم لم تسمح لهم بحمل أي شيء مما كانوا يملكون من المأكل أو الملبس أو المشرب، وفي شهر مارس من نفس العام قامت الحكومة بإبعاد حوالي ألفين أيضًا، ورميهم على حدود بنغلاديش. وفي شهر يونية من نفس العام أيضًا قامت الحكومة بطرد حوالي ثلاثة عشر ألفًا من المسلمين من بيوتهم، وذلك في مناطق مختلفة وتركهم دون مساكن أو طعام، وكثير منهم مات جوعًا أو عطشًا، ومنهم من استطاع الوصول إلى حدود باكستان.
وفي عام ۱۹۷5م قامت الحكومة بقتل المسلمين وسبي نسائهم وهتك أعراضهن، ومن ثم تشريدهم ورميهم على حدود بنغلاديش، وبلغ عدد الذين أجبروا على اللجوء إلى بنغلاديش أكثر من مائة ألف شخص، والكثير منهم مصاب بالجروح التي أحدثتها حراب البنادق ورصاصها، بينما وقع من لم يصبه الرصاص والحراب فريسة المرض والجوع.. وكذلك في عام ۱۹۷۸ لقي أكثر من عشرة آلاف من الرجال والنساء والأطفال المسلمين حتفهم من جراء أعمال التعذيب الوحشي، وشرد ثلاثمائة ألف مسلم ليهيموا على وجوههم في البراري والغابات بسبب ما تمارسه حكومة بورما من أعمال التعصب الجنوني مع الأقلية المسلمة، ومنها عمليات التفتيش التي يقوم بها ضباط الجوازات وأفراد الجيش والشرطة، فيقتحمون البيوت ويقتلون وينهبون ليجبروا الباقين على الرحيل، وثم يأخذون الشبان والفتيات إلى معسكرات التعذيب، حيث تغتصب الفتيات ويعذب الشباب، ثم يجبرون على العمل في تعبيد الطرق قبل قتلهم.. وكان هدف هذه الحملة الظالمة التي أطلق عليها «عملية التنين» تهدف إلى حمل المسلمين على مغادرة أراضيهم إلى بنغلاديش، والتخلص منهم واستملاك أراضيهم وأموالهم، ولقد لقي هؤلاء المهجرون معاملة سيئة من حرس الحدود البنغاليين، وأجبروا على الرجوع إلى الجزارين الذين يضطهدونهم، وهكذا قتل الكثيرون ومات غيرهم بالقهر والجوع والمرض.
ويصف الصحفي الفرنسي فرانسیس هوتر الأهوال التي رآها على حدود بنغلاديش يقول: «إن هؤلاء اللاجئين يعيشون في ظروف لا يصدقها عقل. إنهم يمضغون الأوراق ويصيدون السمك الصغير من النهر القذر، وهناك تأوهات تصدر من تحت كل حصير من القش، وهناك مرضى لا يحصون، ورأيت المكان الذي يحرقون فيه الجثث، وشاهدت الهويات البورمية مع المسنين من الرجال..». ثم يقول: «إذا كانت حقوق الإنسان لیست مجرد شعار لبيع السلاح للدول غير المنحازة، فإن عليها أن تجعل الموردين الرئيسيين للسلاح إلى بورما -وهم ألمانيا الغربية وأمريكا واليابان- يفكرون أكثر من مرة.. فهل يستطيع الإنسان أن يتعامل مع حكومة تصطاد وتبيد أكثر من مليون إنسان...».
سياسة الاضطهاد والتمييز العنصري
والروهنغز «مسلمو أراکان» الذيم بأيديهم قام أساس اقتصاد بلادهم هم اليوم في السجون، أو يعيشون تحت الخيام، أو يبحثون عن العمل في بلاد أخرى للحصول على الطعام الذي يقتصر غالبًا على وجبتين في اليوم.
ومع أن أراكان بلد زراعي، وقد طورته همة الفلاحين إلى مخزن للحبوب وقامت نهضته الزراعية والاقتصادية على أكتاف المسلمين وبأيديهم، فإن الحكومة الظالمة المعادية للإسلام انتزعت الأراضي من أيدي أصحابها وقسمتها على أتباعها، وحولت الكثير من أراضي الإقليم إلى غابات.
واتبعت الحكومة خطة لتوطين البوذيين في أراضي المسلمين في أراكان، ووضعت قاعدة تكرس التمييز العنصري أسمي «اتفاقية شراء الأرز»، يكون الزراع ملزمين فيها بتسليم جزء كبير من إنتاج أراضيهم بغض النظر عما يحتملونه من تكاليف. فتفشت بينهم المجاعات وتراكمت عليهم الديون، وما قصد الحكومة الجائرة من وراء ذلك غير تجريد المسلمين من أراضيهم ومنازلهم، وهكذا وبالتدريج فقد المسلمون وظائفهم أيضًا بالطرد بالقوة من أعمالهم.
ولا يسمح للمسلمين المنكوبين في تلك البلاد أن يحصلوا على حاجاتهم التموينية من السلع الأساسية من المحلات التي تدعمها الحكومة. وكذلك طبق التمييز العنصري اللئيم في مجال التربية والتعليم والحرية الدينية والصناعة الفنية. وتحرص الحكومة على عدم إتاحة أي فرصة مناسبة للمسلمين في هذه المجالات؛ فلا يسمح للطلبة المسلمين بدخول الجامعة، ومحرم عليهم -عن عمد- أي نوع من البعثات التعليمية الحكومية، وكذلك الخدمة العسكرية. وهكذا فقد الطلبة المسلمون في بورما الحافز على التعليم وتسهيلات التدريب.
أمثلة من الاضطهاد الديني
وهنالك آلاف الأمثلة الواضحة التي تبين الاضطهاد الديني في تلك البلاد، فمنذ عام ١٩٦٢، منع المسلمون من الخروج لأداء فريضة الحج، ومن قبل منعوا من إقامة صلاة الجمعة، وحرم عليهم ذبح الماشية والأغنام في عيد الأضحى، ولا يمكنهم جلب الكتب أو المطبوعات الإسلامية من الخارج، وسلب المسلمون حقهم في الانتخاب، وأسقطت أسماؤهم من الجداول الانتخابية.
وإليكم بعض أمثلة هذا الاضطهاد البشع منذ عام ١٩٤٢ وحتى اليوم:
۱- دمر ما يقارب ألف مسجد تدميرًا كاملًا في «أراكان». وفي أجزاء أخرى من بورما دمر ما يقارب المائة مسجد.
۲- قامت حركة لتمزيق المصاحف وكتب الحديث في أنحاء البلاد، ومزق منها أكثر من خمسمائة ألف نسخة على أيدي المؤسسات الإرهابية كالجيش والبوليس.
3- أقفل المعهد الإسلامي وصودرت أمواله.
4- أجبر الأطفال المسلمون على تلقي التعليم غير الإسلامي والتعامل به.
5- قتل الكثير، وحرقت قرى المسلمين وسلبت، وصار الاعتداء على المسلمين من أعمال الجيش البورمي الروتينية.
٦- اعتبرت الحكومة البورمية الإسلام والمسلمين أجانب بالنسبة لها، ولذلك عرضتهم إلى جرائم وحشية ليستأصلوهم من وطنهم.. وطن آبائهم وأجدادهم، وقد رفع البورميون شعار «لكي تكون بورميًّا، يجب أن تكون بوذيًّا»، ولذلك أجبر المسلمون في بورما على الاختيار بين أمرين: إما ترك الإسلام واعتناق البوذية، أو الخروج بالقوة من الوطن.
وبعد...
فإن المسلمين في بورما يعانون وطأة الظلم والتعسف والتمييز العنصري الكافر، وإننا نهيب بالمنظمات والحكومات الإسلامية بالكف عن إرهابهم، وأن توجه مثل هذا الاستنكار إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة، وأن تطالبها بالتدخل للعمل على إعادة حقوق الإنسان في بورما.
وعلى جميع المسلمين أن يسعوا بكل وسيلة ممكنة لإنقاذ خمسة ملايين مسلم في بورما يعانون من القهر والاستبداد والمعاملة التي يصعب على المسلم أن يعامل بها الحيوانات. وإننا على صفحات المجتمع نوجه نداءنا إلى كل ذي ضمير حي من الهيئات الرسمية والشعبية في العالم الإسلامي لبحث مشكلة إخواننا المسلمين المضطهدين في بورما، وذلك على الأسس التالية:
۱- مطالبة الحكومة البورمية بالتخلي عن سياسة العنصرية الخبيثة في معاملة المسلمين.
۲- منح المسلمين كافة الحقوق المدنية والدينية لممارسة شئونهم وفق ما تمليه عليهم عقيدتهم أسوة بجميع المواطنين الذين ينتمون إلى طوائف لا إسلامية في بورما، وهذا مطلب يشكل الحد الأدنى لما يجب أن نطالب به لاسترجاع حقوق المسلمين هناك.
3- العمل على تنشيط القواعد الإسلامية وزعمائها في بورما، ومد أولئك بما يحتاجون إليه من دعم مالي ومعنوي.
4- إغاثة المحرومين والمطرودين واللاجئين خارج حدود بورما، وبحث مشكلتهم جديًّا على أعلى المستويات الدولية بغية إنصافهم.
5- وضع الحكومة البورمية أمام إنذار قطع العلاقات النهائية بينها وبين العالم الإسلامي، وهذا أقل ما يمكن أن تفعله حكومات الدول الإسلامية إذا أرادت تقديم المساعدة لإخواننا المسلمين في بورما.
وأخيرًا.. لا بد لكل مسلم من تلمس مشكلة إخوانه في بورما، والعمل بكل ما أوتي من جهد على دعم قضية مسلمي بورما، ولن يتخلى الله سبحانه وتعالى عنهم طالما أنهم يلاقون ما يلاقون بسبب العقيدة وفي سبيل الله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل