العنوان ولدي الشاب وهمومه اللذيذة
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر السبت 16-ديسمبر-2006
مشاهدات 94
نشر في العدد 1731
نشر في الصفحة 60
السبت 16-ديسمبر-2006
ولدي الحبيب الغالي، بداية تقبل اعتذاري لك ولكل أقرانك الأحباء؛ بالنيابة عن كل الآباء والأمهات!
فلقد أذهلتني نتيجة استبيان؛ قمت به في إحدى الدورات الشبابية والتي كانت بعنوان «هموم مراهق» وكان من أخطر الأسئلة:
- ما هي أبرز «٥» أسباب تضايقك من والديك والمحيطين بك؟
فكانت الإجابة التي آلمتني؛ أن الأغلبية أي حوالي «۸۰٪» منهم أجمعوا على أن أبرز ما يضايقهم هو غيبة الحوار بين الآباء والأمهات من جهة وبين الأبناء من جهة أخرى؟!
أو عدم السماع لآرائهم، وعدم مناقشة مشاكلهم، والحجر على أفكارهم فأيقنت أن بيوتنا أصبحت «معاهد للصم والبكم».
حرية وهموم مثيرة
فقررت أن أبدأ حديثي معك بقراءة هذه الحادثة الغريبة:
«عن أبي أمامة قال: «إن فتى شابًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا!
فأقبل القوم عليه، فزجروه.
قالوا: مه مه!
فقال ﷺ: ادنه.
فدنا منه قريبًا.
قال: فجلس.
قال ﷺ: أتحبه لأمك؟
قال: لا -واللَّه- جعلني اللَّه فداك!
قال ﷺ: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم.
قال ﷺ: أفتحبه لابنتك؟
قال: لا واللَّه، يا رسول اللَّه جعلني اللَّه فداك!
قال ﷺ: ولا الناس يحبونه لبناتهم.
قال ﷺ: أفتحبه لأختك؟
قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك!
قال ﷺ: ولا الناس يحبونه لأخواتهم.
قال ﷺ: أفتحبه لعمتك؟
قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداك!
قال ﷺ: ولا الناس يحبونه لعماتهم.
قال ﷺ: أفتحبه لخالتك؟
قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداك!
قال ﷺ: ولا الناس يحبونه لخالاتهم.
قال: فوضع يده عليه وقال: اللَّهمّ اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحَصِّنْ فرْجَه.
فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» «١».
هي حادثة فريدة، يعلمنا من خلالها الكثير من الدروس التربوية المهمة.
وبتحليلها برؤية منهجية ذات نظرتين؛ نظرة قريبة ظاهرية، ونظرة بعيدة عميقة؛ نحاول استجلاء بعض الملامح التربوية الطيبة التي تفيدنا في قضية اليوم.
أولًا: النظرة القريبة الظاهرية:
فإننا نستشف الكثير من الدروس الظاهرة القريبة التي يعلمنا إياها الحبيب ﷺ في ضرورة وكيفية الحوار معكم معشر الشباب الأحباء؛ وكيف نعايش همومكم:
1- تدبر معي هذا المناخ الحر الراقي الذي يسمح بهذه المصارحة الخطيرة والجريئة على الملأ.
2- قرب الحبيب ﷺ من أتباعه خاصة الشباب واستماعه لمشاكلهم وهمومهم.
3- عدم تأثره ﷺ برأي المحيطين الغاضبين في قضية الشاب.
4- موقفه ﷺ الراقي في تهدئة القوم الثائرين على الشاب، وتحييد الآخرين من القضية.
5- تدبر مغزی: «ادنه».
6- تدبر مغزى: «فدنًا منه قريبًا».
7- تدبر مغزى: «فجلس».
8- وتأمل بعض سمات هذه الجلسة الحوارية الراقية كنموذج راق لفن ومهارات الاتصال، وأدب الحوار والتفاوض:
(1) الهدوء.
«۲» تحييد الآخرين أو رفض الوسائط.
«۳» الدنو والقرب.
«٤» الجلوس.
«٥» أدب الاستماع للآخر؛ وهو من باب
حقه في إبداء رأيه.
«٦» أسلوب عدم التخطيء وتجنب أسلوب الصدمة الحوارية.
«٧» البعد عن نقاط الخلاف.
«٨» البداية من نقاط الالتقاء.
«٩» الترتيب في أفكار ومحاور الحوار؛ وتدبر الترتيب المقصود بإعجاز؛ حسب العصب والقدسية: «الأم ثم الابنة ثم الأخت فالعمة فالخالة».
«۱۰» أسلوب الإقناع.
«۱۱» من أفضل مهارات التفاوض أسلوب الإقرار؛ أي تجعل الآخر يقر بالرد «نعم» أو «لا».
«۱۲» طول الحوار.
«١٣» أهمية الملامسة.
«١٤» الدعاء «رسالة دعم إيجابي خارجي».
«١٥» كسب ثقة الآخر.
«١٦» البعد عن أسلوب المناظرة، أو تجنب «صراع الديكة التفاوضي».
«۱۷» حفظ ماء وجه الآخر.
«۱۸» ترك الفرصة للآخر للمراجعة.
«۱۹» بث روح الود والحب المتبادل، وتدبر وتكرار مقالة الفتى: «جعلني اللهُ فداءك».
9- حرصه ﷺ على نجاة الفتى وتوبته؛ وهو من باب ضرورة الحرص على مصلحة لآخر.
وهو أيضًا: من باب أدب التوازن في العلاقات «باب اربح وربح»؛ بأن يستفيد طرفا التفاوض وهي عادة من عادات النجاح السبع الذهبية.
10- النجاح الباهر للمهمة وللحوار، والوصول إلى الهدف المنشود، وهو توبة الفتى على يده ﷺ.
ثانيًا: النظرة البعيدة الفاحصة:
والتي من خلالها نستجلي الدرس التربوي الراقي الكبير؛ والذي من أجله أوردنا هذه الصفحة من ملف هذا الفتى لشاب، وهو محور قضيتنا اليوم؛ وهو: «فن التعامل مع هموم الشباب»، وكيفية إعدادهم لينجحوا، ويتمايزوا، ويكونوا شيئًا مذكورًا في الحياة، وليتحملوا دورهم المنشود.
ويتحقق في الأسرة دعاء عباد الرحمن بأن تسودها روح العائلة الدافئ، وتنتج الأسرة قرة عيون الآباء والمربين، وتثمر أئمة المتقين ومفاتيح الخير لأمتهم وللبشرية.
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74).
هموم لذيذة!
فكما أعرف من خلال الندوات والدورات التي يعقدها «مركز ولدي الطبي للأطفال بدمنهور بمصر»، مع الشباب والآباء والأمهات؛ فإن من أبرز الهموم التي تشغلكم ولعلها من الهموم اللذيذة؛ والتي ستحفر في ذاكرتكم هي العلاقة مع الجنس الآخر؛ من حيث الكيفية والضوابط والموانع.
فاسمح لي أن أفتح معك ملف همومك، وقد تكون هموم أي شاب أو رجل!
نقول أولًا: هل تستشعر بعض التوجس والتردد من الاقتراب من الجنس الآخر؟!
أود أن أذكرك؛ أن هؤلاء اللاتي يمثلن الجنس الآخر؛ يمثلن أيضًا أمك أو أختك أو عمتك أو خالتك، أو زوجتك في المستقبل إن شاء الله تعالى.
فلم الخوف؛ خاصة إذا كان الاقتراب لشيء تقتضيه الظروف والحاجات؟
فقط التزم بمعيار أو مقياس الاقتراب:
1- فإذا كانت إحداهن صغيرة السن، قل لها ما تقبل أن يقال لابنتك أو لأختك.
2- وإذا كانت كبيرة السن فقل لها ما تقبل أن يقال لأمك أو لزوجتك أو لعمتك أو لخالتك.
ثانيًا: ثم دعني أخرج من داخلك، همًا لذيذًا آخر: هل يجوز أن تكون لك علاقة مع إحداهن؟!
بداية أرجو أن أختزل معنى علاقة، إلى المعنى الذي يفيد موضوعنا، حتى لا يذهب الذهن بعيدًا.
فالعلاقة تعد صفة للتعامل بين البشر، فإذا كانت هنالك مصلحة معينة أو حاجة لا تقضى إلا من خلال التعامل مع الجنس الآخر، وهو ما تسمح به ظروف العمل أو الزمالة الدراسية أو السفر فالضرورة تقتضي هذه العلاقة الإنسانية.
ثالثًا: ما هي ضوابط أو شروط العلاقة مع الجنس الآخر؟!
طبيعة أي علاقة إنسانية بين اثنين، يجب أن تحدها عدة شروط أو ضوابط:
1- الضابط الشرعي:
وهذا الجانب أفضل أن يجيبنا عليه شيوخنا الأفاضل، فليس هذا من مجالنا الذي يمكننا أن نعطي فيه، ولكننا هنا نذكر أنفسنا بهذه الحديث الشريف الذي تعلمه جميعًا:
«لا يخلون أحدكم بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما»«۲».
2- ضابط الحاجة الاجتماعية:
كأن يكونا زميلين تجمعهما ظروف الدراسة أو العمل أو السفر أو الجهاد، فلا يجب أن نفتعل اللقاء، دون حاجة ماسة أو ملحة.
3- الالتزام بآداب السلوك والتعامل الاجتماعي:
وأهمها:
أ- أن نتجنب الخلوة:
«لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ إلَّا وَمعهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إلَّا مع ذِي مَحْرَمٍ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ امْرَأَتي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وإنِّي اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قالَ: انْطَلِقْ فَحُجَّ مع امْرَأَتِكَ»«۳».
ب- أن نتجنب الاختلاط المشين:
«إيَّاكم والدُّخولَ على النِّساءِ. فقالَ رجلٌ منَ الأنصارِ: يا رسولَ اللَّهِ! أفرأيتَ الحموَ؟ قالَ: الحموُ: الموتُ» «٤».
ج- حسن التعامل:
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «إِنَّهُ مَن أُعْطيَ حظَّهُ مِنَ الرِّفقِ، فقَدْ أُعْطيَ حظَّهُ من خيرِ الدُّنيا والآخِرةِ، وصلةُ الرَّحمِ، وحُسنُ الخُلُقِ وحُسنُ الجِوارِ، يُعمِّرانِ الدِّيارَ، ويَزيدانِ في الأعمارِ». «٥»
د: أن نحسن النية:
ونتذكر هذا الشرط المهم والموجع في مفردات الحوار النبوي مع الشاب: «أفتحبه لا بنتك؟»
هـ- أن نتجنب إفساد النفوس:
وأهم وسيلة شيطانية في إفساد النفوس هي الخضوع بالقول، والتكلف في ترقيق نبرات الصوت والكلام، كما جاء في كتاب الله تعالى.
و- أن نتجنب إفساد ذات البين:
وقد يبدأ بسؤال أحدهما الآخر عن همومه، فيبدأ الكلام ثم الشكوى، فتطييب الخاطر، فإفساد النفوس والبين والبيوت «إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الحالقة» «٦».
ز- أن نتجنب مواضع الشبهات:
وقول النبي ﷺ لصاحبيه: «على رسلكما، إنها صفية»، يكفي شاهدًا ودليلًا على أن ينأى المرء بنفسه عن مواضع الشبهات، وقد جاء في الأثر: «من وضع نفسه موضع شبهة، فلا يلومن إلا نفسه».
الرابط المختصر :