العنوان وقفة مع قصة الأوبة إلى الحق
الكاتب وائل حافظ خلف
تاريخ النشر السبت 15-يناير-2011
مشاهدات 67
نشر في العدد 1935
نشر في الصفحة 46
السبت 15-يناير-2011
ليس من الطبع والشين أن تخطئ ما لم تكن متعمدًا، ولكن العيب كل العيب ألا ترجع، وماذا عليك لو فعلت؟ عساك تظن أن الإصرار يجدي، كلا كلا، بل هو وصم يا صاحبي، يولد عارًا، وينتج شنارًا .. وهلم جرًا، من شب إلى دب إني أبثك من حديثي أيها القاري الفاضل.
في ليلة ليلاء حضرت مجلسًا لشيخ من أولئك الذين يدعون العلم وهو منهم براء، فرهب من الكبر، ورغب في التواضع بكلام سمج ممجوج ملحون مرذول ملؤه الترهات البسابس تكذب المقال منه الفعال فهو متلبس بعبية(4) الجاهلية الجهلاء.. إذ جمعني به وبجماعة من أضرابه ممن لف الله مجلس، فأبش كلامًا(5)، وجمع أوهامًا يسقط بها من حالق لو كان يدري، وايم الله ما وجدت منه هلة ولا بلة من علم سديد.
ولما انتهى الرجل من تخليطه سأله أحدهم، فما كان جوابه إلا كجواب مروان الكاتب البغدادي الذي وصفه الشاعر بقوله:.
لو قيل: كم خمس وخمس ؟
لاغتدى يومًا وليلته بعد ويحسب
يروي بمقلته السماء مفكرًا
ويظل يرسم في التراب ويكتب
ويقول: معضلة عجيب أمرها
ولئن فهمت لها لأمري أعجب
حتى إذا خدرت أنامل كفه
تعبًا وكادت عينه تتصوب
أوفى على نشز وقال: الا اسمعوا
قد كنت من طرب اجن وأسلب
خمس وخمس سنة أو سبعة
قولان قالهما الخليل وثعلب!
فيه خلاف ظاهر ومذاهب
لكن مذهبنا أصح وأصوب!!
فما كان مني إلا أن تنحيت به جانبًا بعد أن انفض الناس عنه وأوقفته على خطئه، فشمخ بأنفه وأصر، ثم نظر إلي نظرة شزراء، وقام وقعد، وأرغى وأزيد ثم أخفس ، وقال كلمة زوراء استحيي والله أن أكتبها ! فما ظنك بالنطق بها؟!
ثم زاد ضعثًا على إقالة وكافاني مشكورًا بأن نفر بعض طلابه مني....
فأخطرني هذا الموقف بما رواه الإمام العسكري في كتابه »التصحيف« قال: حدثني شيخ من شيوخ بغداد، قال:
كان حيان بن بشر قد ولي قضاء بغداد، وكان من جملة أصحاب الحديث، فروى يوما أن عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب »بكسر الكاف« فقال له مستمليه: أبها القاضي، إنما هو يوم الكلاب(7) »بضم الكاف«، فأمر بحبسه! فدخل إليه الناس، فقالوا: ما دهاك؟
قال: قطع أنف عرفجة في الجاهلية، وابتليت به أنا في الإسلام !! انتهى.
لا والله! ما هكذا أخلاق أهل العلم النبلاء، المخلصين الأتقياء.
وهاك موقفًا لمنصف جليل لله دره ما أحسن رعته وهديته! فاحذ حدوه تحمدك الحكماء في المجالس وعلى الأوراق، ويفح شذا عرفك بأوبتك للحق في الآفاق، وإلا لحقك الذم حيثما حل ذكرك عمدًا وبالاتفاق.
قال الإمام أبو بكر ابن العربي يرحمه الله في كتابه النفيس »أحكام القرآن« (183-182/1)، قال: أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة قال: وصلت إلى الفسطاط مرة، فجئت مجلس الشيخ أبي الفضل الجوهري، وحضرت كلامه على الناس، فكان مما قال في أول مجلس.
جلست إليه: »إن النبي ﷺ طلق وظاهر(8) والى«(9)
صدقت في اثنتين
فلما خرج تبعته حتى بلغت معه إلى منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز، وعرفهم أمري؛ فإنه رأى إشارة الغربة ولم يعرف الشخص قبل ذلك في الواردين عليه فلما انقض عنه أكثرهم قال لي أراك غريبًا، هل لك من كلام؟
قلت: نعم
فقال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه فقاموا وبقيت وحدي معه.
فقلت له: حضرت مجلسك اليوم متبركًا بك وسمعتك تقول: آلي رسول الله وصدقت وطلق رسول الله ﷺ وصدقت وقلت: وظاهر رسول الله ﷺ وهذا لم يكن، ولا يصح أن يكون لأن الظهار منكر من القول وزور؛ وذلك لا يجوز أن يقع من النبي ﷺ
فضمني إلى نفسه، وقبل رأسي وقال لي: أنا نائب من ذلك جزاك الله عني من معلم خيرًا.
ثم انقلبت عنه،وبكرت إلى مجلسه في اليوم الثاني، فألفيته قد سبقني إلى الجامع وجلس على المنبر، فلما دخلت من باب الجامع وراني نادى بأعلى صوته: مرحبًا بمعلمي أفسحوا لمعلمي...
فتطاولت الأعناق إلى وحدقت الأبصار نحوي، وتعرفني يا أبا بكر- يشير إلى عظيم حياته، فإنه كان إذا سلم عليه أحد أو فأجاه خجل العظيم حياته، واحمر حتى كان وجهه طلي بجلنار
قال: وتبادر الناس إلى يرفعونني على الأيدي ويتدافعوني حتى بلغت. المنير، وأنا لعظم الحياء لا أعرف في أي بقعة أنا من الأرض، والجامع غاص بأهله، وأسال الحياء بدني عرقًا، وأقبل الشيخ على الخلق، فقال لهم: أنا معلمكم، وهذا معلمي »الله أكبر«
الاعتراف الجميل
لما كان بالأمس قلت لكم إلى رسول الله وطلق وظاهر، فما كان أحد منكم فقه علي، ولا رد علي، فاتبعني إلى منزلي، وقال لي كذا وكذا.. وأعاد ما جرى بيني وبينه، وأنا تائب عن قولي بالأمس، وراجع عنه إلى الحق، فمن سمعه ممن حضر فلا يعول عليه، ومن غاب فليبلغه من حضر، فجزاه الله خيرًا .. وجعل يحمل في الدعاء، والخلق يؤمنون.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي يرحمه الله، »فانظروا -يرحمكم الله إلى هذا الدين المتين، والاعتراف بالعلم لأهله على رؤوس الملأ من رجل ظهرت رياسته واشتهرت نفاسته لغريب مجهول العين لا يعرف من ولا من أين، فاقتدوا به ترشدوا« انتهى.
أخرج الإمام مسلم بن الحجاج يرحمه الله في »صحيحه« (ج 2/88-89نووي) عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ في قلبه مثقال ذرة من كبر«
قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ توْبُهُ حَسَناً وَنَعْلَهُ حَسَنَةً.
قال ﷺ: »إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال الْكَبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ الناس«
الهوامش
1. »الطبع«، بالتحريك : العيب والشين.
2. الوصم :العيب
3. أي: من الشباب إلى أن يدب المرء على العصا.
4- العيبة بضم العين وكسرها : الكبر والتجبر
5. أبش كلاماً: جمعه أخلاطاً من هاهنا وهاهنا
6. يقال: أخفس الرجل: إذا قال أقبح ما قدر عليه.
7. «الكلاب« بضم الكاف: اسم ماء كانت فيه وقعتان مشهورتان للعرب في الجاهلية.
8. الظهار: قول الرجل لامرأته أنت على كظهر أمي، وقد ظاهر من امرأته وتظاهر، وظهر وتظهر وهو حرام
9. الإيلاء في اللغة: هو الحلف، وفي الشرع الحلف الواقع من الزوج ألا يطأ زوجته »نيل الأوطار.«
10. بطر الحق: دفعه ورده وإنكاره ترفعا وتجبرا، وغمط الناس احتقارهم وازدرائهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل