العنوان وقفة مع ظاهرة العنف والتطرف
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1995
مشاهدات 88
نشر في العدد 1181
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 26-ديسمبر-1995
في الآونة الأخيرة أخذت ظاهرة العنف والتطرف في بعض دول العالم العربي والإسلامي منحى خطيرًا، أصبح يهدد مجتمعات تلك الدول، ويشير إلى أن تفاقم هذه الظاهرة يمكن أن يؤدي إلى استشرائها كالوباء، إن لم يتم الوقوف على أسبابها ومسبباتها، والسعي لعلاجها واقتلاعها من جذورها، حفاظًا على بنية المجتمعات العربية والإسلامية بدلًا من حالة العنف والعنف المضاد.
والإسلام يمقت العنف بكل صوره وأشكاله، لكنه يُجرم أولئك الذين زرعوا بذور هذا العنف في العالم العربي والإسلامي، ودفعوا تلك الحكومات للدخول في مواجهات داخلية مع أبنائها، تحت دعوى القضاء على الأصولية تارة، والتطرف تارة أخرى، بحيث تدخل دول العالم الإسلامي في دوامة من المواجهات الداخلية التي تستنزف طاقاتها وثرواتها، وتفتت مجتمعاتها بما يخدم مخططات الغرب، ومشاريع العدو الصهيوني التوسعية في دول المنطقة، وإذا أردنا أن نقف دون مواربة على السبب الرئيسي وراء تفشي ظاهرة العنف والإرهاب في بعض دول العالم الإسلامي، فإننا نجد أن جهاز الاستخبارات الأمريكي (سي، أي. إيه)، والسياسة الأمريكية تجاه دول العالم العربي والإسلامي بشكل عام، قد لعبت الدور الرئيسي في بروز هذه الظاهرة، وتفشيها في أنحاء مختلفة من العالم العربي والإسلامي خلال الحقبة الأخيرة.
وقد بدا هذا واضحًا في سياسة الولايات المتحدة تجاه قضايا أفغانستان، والجزائر، ومصر، والبوسنة والهرسك.
فأفغانستان التي تطنطن وسائل الإعلام الغربية وتتبعها وسائل إعلام بعض الدول العربية على أنها كانت المصدر الرئيسي للإرهاب في المنطقة، لم تكن قضيتها في البداية سوى قضية شعب مسلم استولى الشيوعيون على السلطة فيه، ثم احتله السوفييت، فقام بمعظم فصائله وفئاته ليدافع عن أرضه ودينه ضد المحتل السوفييتي، ووجدت الولايات المتحدة ضالتها في إذلال الاتحاد السوفييتي في أفغانستان عن طريق دعم الأفغان وتقوية شوكتهم، وبدأت المساعدات الأمريكية تصل إلى الأفغان، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن باكستان فتحت ذراعيها لكل الشباب المسلم المتحمس لمساعدة المجاهدين الأفغان، سواء بالقتال إلى جوارهم أو مساعدتهم بالخبرات أو الأموال.
وبات هدف الولايات المتحدة واضحًا بعد هزيمة السوفييت وخروجهم من أفغانستان، إذ أصبح هؤلاء المتطوعون عبئًا يجب التخلص منه، وخطرًا في تصور الولايات المتحدة وأعوانها، يجب القضاء عليه، فقامت باكستان بأوامر من الولايات المتحدة، بعمليات الطرد والتهجير والتضييق على هؤلاء الذين لم يجدوا من يوجههم أو يرشدهم سوى أن يلجئوا إلى العنف ردًا على العنف الذي تعرضوا له، فبعدما كانوا معززين مكرمين يعاملون كمجاهدين وجدوا أنفسهم بعد ذلك مطاردين، ومرفوضين في أماكن كثيرة.
ومع تضييق الخناق عليهم كل يوم ومعاملتهم كإرهابيين من خلال الاعتقالات والاتهامات، والتعذيب والسجون والإعدامات، أصبح الموت لديهم على أعواد المشانق يستوي مع الموت في سيارة ملغومة، وأصبح العنف متبادلًا بينهم وبين الأنظمة التي تطاردهم.
أما في الجزائر فقد عبر الشعب الجزائري عن إرادته باختيار الإسلاميين في انتخابات(1992م) ، لكن الجيش تدخل لوأد التجربة الديمقراطية في مهدها بتشجيع من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي صدرت تصريحات واضحة من المسؤولين فيها تدعم خطوة الجيش، فما كان من الشباب المدفوع بحماسته سوى أن يبدأ في رفض هذه الإجراءات، وبعد تغييب القيادات في السجون تحول الرفض إلى عنف، ودخلت الجزائر في دوامة الأربعين ألف قتيل، ولم تستطع الخروج منها حتى الآن.
ثم تكررت الصورة بشكل مماثل مؤلم في مصر أرض الكنانة، التي نسأل الله أن يحفظها من مصير مظلم كمصير الجزائر.
وما فعلته الولايات المتحدة مع باكستان تفعله مع البوسنة الآن، وكان من البنود الرئيسية في اتفاق (دايتون) أن تقوم حكومة البوسنة بترحيل المجاهدين المسلمين الذين ناصروا حكومة البوسنة، ودافعوا عنها وعن أعراض نسائها حينما كان الأمريكيون يكتفون طوال ما يقرب من أربع سنوات بمشاهدة مذابح المسلمين في البوسنة عبر شاشات التلفزة، مكتفين ببيانات هزيلة لا تسمن ولا تغني، ولنا أن نتصور ما يمكن أن يسفر عنه تشتيت أولئك الشباب في أرجاء الدنيا ودفعهم للسير على وجوههم، ليصبحوا مطاردين ويعاملون على أنهم إرهابيون غير مرغوب فيهم، في الوقت الذي لم يقوموا فيه سوى بالاستجابة إلى ما يوجبه الإسلام على كل مسلم من نصرة أخيه حينما يستنصره، وبالتالي فإن الإدانة يجب أن تنصب على أولئك الذين زرعوا الإرهاب أو أوجدوه ودفعوا الشباب إليه، وعلى أولئك الذين زيفوا إرادة شعوبهم وغيبوا في السجون الآلاف من خيرة الدعاة والعلماء والمثقفين وأصروا على التعامل مع الشعوب بسياسة القهر والكبت والقمع، وانتهاك حقوق الإنسان.
وتجدر الإشارة هنا أن المخابرات الأمريكية والغربية والصهيونية تلعب الدور الرئيسي لزرع الإرهاب في المنطقة بدعمها لتلك الأنظمة الدكتاتورية المتسلطة.
إن معرفة جذور الإرهاب وأسبابه، ومن يقف وراءه، ثم السعي لاقتلاع هذه الجذور وإزالة هذه الأسباب هو المخرج الوحيد من هذه الأزمة التي تستهدف استقرار الأمة ووحدتها، وإلا فإن أعداء الأمة سيحولون المنطقة إلى أقطار تفقد الأمن والرخاء والاستقرار.
فهل آن الأوان للمعنيين من الحكام أن يستقيموا ويقوموا المعوج في نفوسهم ومسالكهم، وينهجوا الطريق الصحيح لعلاج هذه الظاهرة بالحوار والحكمة والموعظة الحسنة؟ .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل