; وقفة مع زلزال ثانغ شان | مجلة المجتمع

العنوان وقفة مع زلزال ثانغ شان

الكاتب أبو حذيفة

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1976

مشاهدات 84

نشر في العدد 314

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 24-أغسطس-1976

الناظر للارض وسطحها وما عليه يرى كل شيء مستقرًا في الأحوال والأوضاع الاعتيادية والاستقرار الظاهري لسطح الارض رحمة ربانية لاستدامة محدودة مؤقتة زمانًا ومكانًا لمختلف صور الحياة والجماد. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُور﴾.(الملك:15)

ولكن تحت هذا الاستقرار الظاهري حالات من عدم الاستقرار تتمثل في صور كثيرة كالهزات الارضية «الزلازل»، ونافورات الحمم الملتهبة «البراكين».

ما هو الزلزال..؟

إن الزلزال ظاهرة كونية تحدث نتيجة لانتقال موجات اهتزازية متعاقبة من باطن الارض عبر صخور القشرة الارضية محدثة هزات تنتقل الى سطح الارض فتهز وترج ما عليها في بضع دقائق أو ثوان. 

هل تنتاب الزلازل كل بقاع العالم..؟

من قبيل الاحصاء عد العلماء ٤٠٠ زلزال كل أربع وعشرين ساعة، ١٥٠ ألف زلزال في السنة الواحدة تجتاح القشرة الأرضية، ويلاحظ أن الزلازل ليست على مستوى واحد من قوة التأثير والتدمير، فمنها عديم التأثير لا تحس به وانت تقرأ هذه السطور وتطأ قدماك الارض تروح وتجيء، ولكن ترصدها أجهزة حساسة تسمى «السيسموجرافات» ومن الزلازل ما يكون في كثير من الاحيان سببًا في الدمار والهلاك في بضع دقائق بل في بضع ثوان. 

ويعود اختلاف شدة الزلازل الى عوامل كثيرة أهمها: قوة الموجات الزلزالية وبعد المنطقة المنكوبة عن مركز الزلزال «نقطة فوق المركز».

الأرقام تنطق..!

يتسع تلف وتخريب الزلازل الى انهيارات الجبال الشامخة، وتشقق وتصدع سطح الارض كما حدث في اليابان عام ١٨٩١ حيث انشقت الأرض على طول ۱۱۳ كيلو مترًا وهبط جانب من جانبي الشق بمقدار يتراوح بين ٦- ٦٠ مترًا، وقد تنضب وتغور بعض العيون والابار، وتندفع مياه البحار والمحيطات بسرعة هائلة تجاه اليابسة كما حدث عام ١٩٤٦ حيث ضرب زلزال قاع البحر بالقرب من شواطيء الاسكا في منطقة تبلغ عمق الماء فيها حوالي ١٢ ألف قدم فتولدت من جراء ذلك أمواج عاتية تدعى «أمواج تسونامي» سارت مسافة ٢٢٤٠ ميل وبسرعة ٤٩٠ ميل في الساعة لتضرب شواطىء هونولولو، وتضرب الزلازل المدن والقرى لتخلف وراءها الدمار والحرائق، وتدخل الزلازل ضمن أكبر نكبات التاريخ اذ تشمل قائمة أشدها فتكا زلازل: ولاية شترى بالصين عام ١٥٥٦، ۸۳۰ ألف قتيل، كلكتا بالهند عام ١٧٣٧ ٣٠٠ ألف قتيل، وكانت خسائر زلزال سان فرانسيسكو المشهور عام ١٩٠٦ قليلة نسبيًا إذ بلغت ٤٥٢ قتيلًا، إقليم كانوا بالصين عام ۱۹۲۰ ۱۸۰ الف قتيل، طوكيو باليابان عام ۱۹۲۳ أكثر من ١٠٠ ألف قتيل، وقد دمرت الزلازل ميناء أغادير البحري عــــــــام ١٩٦٠، كما اكتسحت ريف شمال ايران عام ١٩٦٢. وهذا قليل من كثير مما سجلته أجهزة الرصد، بين الحين والحين تطالعنا الاخبار عن وقوع كوارث في بقاع كثيرة من العالم، وما زلزال مدينة ثانغ شان الصناعية الصينية عنا ببعيد.. هذا الزلزال الرهيب الذي راح ضحيته ما يقرب من مليون نسمة في دقائق معدودة، في حين أن التكهنات العلمية تتنبأ بامتداده الى بكين وعلى إثر ذلك ملأت الخيام شوارع بكين وتحول الناس من سكنى العمارات الى سكنى الخيام، ولا تزال الأخبار تطالعنا عن وقوع المزيد من الكوارث كالزلازل والبراكين.

وما يعلم جنود ربك الا هو..

أمام هذه الظاهرة الكونية العجيبة المرعبة يقف العقل البشري ـ بكل ما أثرى من معرفة- حائرًا لا يستطيع حتى التخفيف من أثرها فضلًا عن إيقافها.

يقف العقل البشري عاجزًا وليس له ألا أن يسلم أمام هذه القدرة الالهية العظيمة. فالزلازل جند من جنود الله القدير. 

وجنود الله لا تحصى ولا تعد، ولا يعلمها الا هو عز وجل، فالظاهرات الطبيعية كالرياح والبحار والمحيطات والانهار والجبال والهضاب وغيرها جنود الله، وهي ذات صفات مزدوجة فهي جنود تحمل. الخير والنعمة والثواب وبارادة الله العزيز تكون جنودا تحمل الشـــــــــر والنقمة والعذاب.

فالنسمة الهادئة اللطيفة من رحمة الله تستحيل بأمر الله الى ريح عاتية مزمجرة مدمرة تكتسح وترفع امواج المحيطات والبحار والأنهار مسببة الفيضانات والطوفان. والجبال الشامخات والهضاب المستوية الملتحفة بالمروج الخضر نعمة ربانية. تستحيل بأمر الله القوي الى مجار الانهار من الحمم الملتهبة تأكل الاخضر واليابس في أعنف انفجار طبيعي يعرف بالبركان.

ترى لم هذا التغير والتحول في النعم؟ أهو أمر اعتباطي؟! أم أن هناك سرًا وراءه!

أن سنة الله تعالى لا تتبدل ولا تتغير في خلقه، فبالشكر تدوم وتربو النعم وبالكفر والجحود تمحي وتزول 

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (سورة إبراهيم: 7)

وما آيات ودلائل شكر النعم؟

ان معرفة حق الخالق عز وجل والقيام العملي لمقتضيات هذه المعرفة أعظم الشكر النعم الله الشاملة الكاملة، ولا يكون ذلك الا بتعبيد الناس جميعا لخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم.. فيقرون له بالربوبية إقرارًا شعوريا يأخذ جميع جنبات النفس فيبعث على تحول وجهة البشرية اللاهثة وراء ركام الدنيا وحطامها، ويقرون له بالالوهية اقرارًا تنتقل معه حظوظ النفوس والاهواء وتنزع جميع السلطات الارضية من أيدي الناس وترد الى صاحبها الى الله الحكيم العليم، فلا يتحاكم الناس الى هوى وانما الحكم لله، ولا يتحاكم الناس لشرائع وضعية يعتريها النقص والزلل بل الحكم لله 

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (سورة الأنعام: 57)

عاقبة من أهدر حق الله..

القرآن الكريم يحكي لنا قصص اقوام جحدوا حق الله تعالى فتركوا الصراط، فأراهم الله عاقبة أمرهم.

فقد هلك قوم نوح عليه السلام بالطوفان﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ يَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ﴾ (هود: 40:36)

وهلك قوم هود عليه السلام واتبعوا لعنة في الدنيا والآخرة ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍوَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖوَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ﴾ (هود: 60:58) ونفق قوم صالح عليه السلام بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جائمين ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُوَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ﴾ (هود: 67:66) وقوم لوط عليه السلام أهلكوا بالخسف وأمطروا بالحجارة ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُود مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ﴾ (هود: 83:82) وقوم شعيب عليه السلام أخذوا بالصيحة والرجفة ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ﴾ (هود: 95:94) 

وأغرق فرعون وقومه في البحر﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ (يونس: 91:90)، وهكذا التاريخ يمتد ليشهد نكبات تلو نكبات تكسبها البشرية ثمنا لابتعادها عن الله تبارك وتعالى، والمسلمون اليوم يتجرعون ثمن ابتعادهم عن الله عز وجل، فبين قلق نفسي وحياة بلا هدف، ومشاكل امنيه واقتصادية وسياسية واجتماعية والشباب.. رأس مال الامة وأملها المنتظر يتساقط ويتهاوى كل يوم بل كل ساعة صريع الاجواء المشحونة. فطوبى لامة هذا رأس مالها. 

هل من رجعة الى الله يا قوم..؟؟

نحن لم نأخذ من الله تعالى عهدا بالعصمة من غضبه ولا نحن بأعز على الله من أقوام هذا حالهم مع خالقهم.. بعد عن منهجه وشرعته. 

فلا الغفلة والجهل حجتنا، ولا أمين مكر الله ملاذنا.. والله ربنا يحذرنا ويقول في كتابه الحكيم ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ (الأعراف: 99:96). 

 

ويقول تعالى ﴿لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ﴾ (هود: 103:102).

آخر خبر..

أعود فأقول: هل من معتبر؟

الزلزال مدينة ثانغ شان الصينية، وهل من معتبر لزلزال مدينة «دزلي» التركية الذي ضربها يوم الجمعة ٢٠ أغسطس الماضي، وخلال خمس ثوان فقط راح ضحيته أربعة قتلى وثمان وعشرين جريحا ودمرت عشرات المنازل والمنشات. 

وفي جزيرة «غوادلوب» في البحر الكاريبي ثار بركان قبل ثلاثة أيام واخذ يقذف الحمم والغازات على ارتفاعات شاهقة، كما أحدث هذا البركان هزات أرضية عنيفة.. وقد قدر العلماء طاقة بركان جزيرة «غوادلوب» بطاقة أكثر من ثلاث قنابل هيدروجينية.

دعاء..

ونختتم هذا الموقف مع زلزال ثانغ شان وبركان «غوادلوب» بدعاء موسى عليه السلام:

ان هي الا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء انت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة انا هدنا إليك.

الرابط المختصر :