العنوان وقفة مع المسرح الإسلامي
الكاتب حسين محمد الجبالي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
مشاهدات 94
نشر في العدد 1321
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 13-أكتوبر-1998
للمسرح الإسلامي أهمية كبيرة في التوعية الإسلامية، علينا العمل على ديمومتها، والأخذ بها في كل الجوانب الحياتية تعميقاً للقيم والمفاهيم الإسلامية والرقي بها إلى أذهان الناس، خالية من الشوائب والأوهام، حريصة على أن تبقى عقيدة التوحيد مغروسة في قلوب المسلمين لا تؤثر فيها الأفكار الشاذة الدخيلة.
وفي سيرة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، وسيرة الصحابة البررة، وقصص النضال والكفاح والمعارك الإسلامية مجال رحب مكن لمن يقوم بالتوعية الإسلامية أن يتناوله من جميع الجوانب، لينهل منه ويواجه به جمهوره في سرد سهل محبب يجذب به قلوبهم، ويستهوي عقولهم، ويسير بهم إلى الاقتداء بأخلاقهم وصفاتهم والاهتداء بمناهجهم في الحياة.
ولنأخذ لذلك مثالاً النص المسرحي الذي كتبه على أحمد باكثير بعنوان الفرار من قدر الله إلى قدر الله (۱) ومن حياة أمير المؤمنين الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - هذا التاريخ الواسع المتشعب الجوانب كأنه بحر واسع يحوي درراً ثمينة لا تدري أيها تأخذ وأيها تتناول!! نأخذه في قوة العزيمة أم في الرحمة والعدل، أم في التشريع، أم في الحرص على أموال المسلمين ومصالحهم، أم في ذكائه وسعة أفقه وتصديق الوحي له في أمور شتى.
والأمثلة كثيرة لمن يريد الأخذ من الأعمال العظيمة التي تمتاز بها الشخصيات الإسلامية والصحابة - رضي الله عنهم - أمثال أبي بكر وخالد وأبي عبيدة و طلحة وشرحبيل.
من هذه الينابيع الثرية يستطيع من يتناول موضوع التوعية الإسلامية أن يأخذ منها ما يدفع المسلمين إلى التمسك بدينهم عقيدة وعملاً وسلوكاً واقتداء بالسلف الصالح عبادة وخلقاً.
إذن لا بد لمن يقوم بهذا الدور من أن يكون ملمًا بالمصادر الإسلامية من تراث إسلامي وتفسير القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وسير الصحابة رضي الله عنهم - والفتوحات والبطولات في تاريخنا المجيد، وأن يكون لديه القدرة على تمثيل هذا التاريخ بصورة مشرقة عبرة!.
إن على الإنسان الذي يقوم بهذا الدور أن يغوص إلى أعماق النفس البشرية لشدها إلى كنوز الدين وما يحويه من علم ومعرفة وسعادة المجتمع الإسلامي، قال تعالى: ﴿ٱدعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلحِكمَةِ وَٱلمَوعِظَةِ ٱلحَسَنَة وَجَٰدِلهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحسن﴾ (سورة النحل : ١٢٥) وقال تعالى: ﴿وَلَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلقَلبِ لَٱنفَضُّواْ مِن حَولِك﴾ (سورة آل عمران : 159).
نتبين مما سبق أن الدعوة يجب أن تتسم بالقواعد الراسخة، التي سار عليها النبي ﷺ وبينها القرآن الكريم.
من هذا المنطلق جاءت أهمية المسرح الإسلامي كوسيلة ملحة ذات فاعلية في التوعية الدينية وبلورة مفاهيمها في أذهان الناس ولاسيما الناشئة منهم، والمسرح بطبيعته وسيلة تربوية شائقة تجذب الجماهير لما فيه من إثارة وحركة وترويح عن النفس واستغلال أوقات الفراغ وتسلية نافعة لما يعتري الناس في حياتهم من جهد وهموم.
فالمسرح أداة إعلامية خطيرة جداً له اثاره الكبيرة والمؤثرة في نفوس الشعوب وتوجيههم وبقدر ما يلقاه من اهتمام وتوجيه، بقدر ما تكون اثاره ونتائجه كبيرة، وكثيراً ما تحيد المسارح عن رسالتها التربوية التهذيبية، فتكون وبالاً على الشعوب أخذة بهم إلى هاوية سحيقة، وبالتالي إلى تفكيك مجتمعاتهم، وعلى النقيض من هذا نجد كثيراً من المسارح تسمو برسالتها، فتغرس القوة في نفوس جماهيرها، وتترفع بهم عن الرذائل والشهوات إلى طريق النور والهداية إلى مجتمع قوي متماسك البنيان يشد بعضه بعضاً.
إذن فليس أنبل من أن يتجه المسرح إلى دور التوعية الدينية مادامت هذه خطورته وهذا تأثيره ولا بد من أن يقوم المسرح الإسلامي بدوره كمدرسة عظمى ترتادها الجماهير لتجد فيه النبع المتدفق بشتى المعاني الصافية النقية وقد وعى الكثير ممن يهمهم ديننا الحنيف هذه المهمة وقاموا بمحاولات لإيجاد مسرح إسلامي يقوم على توعية الناس وتبصيرهم بأمور دينهم فمنهم من نجح فعلاً واستطاع أن يقوم بالدور المطلوب منه والبعض الآخر تعثر لعدم معرفته بقواعد المسرح الإسلامي.
ولنستطيع إيجاد مسرح إسلامي مؤثر في نفوس الجماهير وذي هوية عربية إسلامية لابد من اختيار النص الجيد القوي الذي يتضمن الأفكار النبيلة في سهولة ويسر وأن يكون النص مرتبطاً بالحوادث واضح الألفاظ لا إطالة مملة فيه وأن تكون الألفاظ غنية بالمعاني وعدم اللجوء إلى الإطناب، وأن يكون النص باللغة العربية الفصحى لغة القرآن الكريم حتى تتلامم مع الحس الروحي للتوعية الإسلامية.
كما ينبغي أن تكون الشخصيات المجسدة للأحداث متمسكة بتعاليم دينها متمتعة بفهم أموره ومتحلية بالقيم والأخلاق النبيلة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن يكونوا ملمين بقواعد اللغة العربية وضبط الكلمات، فالعربية لغة القرآن وعلى من يقوم بدور التوعية بقالب مسرحي أن يتقن ضبط الكلمات حتى لا يسقط في خطأ قد يفسد معنى الكلام.
وينبغي أن يكون الصوت المسرحي معبراً وملائماً للشخصية المسرحية، ليكون وقعها على الجماهير مؤثراً ومعبراً وبأسلوب شائق.
وأن تشتمل المسرحية على مواقف ترويحية فيها مزاح لائق.. لقد كان رسول الله الله يمزح ولا يقول إلا صدقاً وحقاً.
كما لابد من التركيز على الفكرة الأساسية للمسرحية كالبطولة والشجاعة والكرم وكذلك عدم إقفال النص بأفكار كثيرة ومتشعبة، وبالتالي تشتيت انتباه الجمهور وعدم فهم ما يجسد أمامهم من أحداث ومعها نفقد هدف المسرح الإسلامي وهو التوعية.
وينبغي مراعاة المناخ الإسلامي العام للمسرحية والبعد عن الإسفاف والهزل والتهريج. والاصطناع وكل ما ينافي ديننا الحنيف من ممارسات خاطئة على خشبة المسرح من الممثلين ولاننس الاهتمام بالإمكانات المسرحية من ديكورات وإضاءة وملابس على أن تكون ملائمة لجو المسرحية وغير منافية لتعاليم الإسلام الحنيف بعيداً عن التكلف والإغراق في الديكور حتى لا يشد انتباه الجمهور، فيتركوا أحداث المسرحية.
الهوامش:
(۱) نشرت هذه المسرحية لعلي أحمد باكثير في مجلة الأدب الإسلامي في عددها الرابع عام ١٤١٥هـ - من ص ٦٥ - ٦٧.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل