; وقفة مع التاريخ.. | مجلة المجتمع

العنوان وقفة مع التاريخ..

الكاتب أحمد عبد العزيز المبارك

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1978

مشاهدات 78

نشر في العدد 423

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 12-ديسمبر-1978

سنستقبل غدًا عامًا ونودع عامًا، وعلينا فيه، والآخر مقبل كما أقبل صاحبه، وسيدبر كما أدبر صاحبه، وسيسأل نفسه من أول يوم فيه، هل سأشهد مثل ما شهد صاحبي الذي مضى؟! وأری مثل ما رأى رفيقي الذي انقضى؟! وأرى شأن المسلمين سيتبدل فأشهد جديدًا، وأسمع جديدًا، فإن كان صاحبي الذي مضى رأى شتاتًا وفرقًة، فإني أطمع أن أرى تجمعًا ووحدًة، وإن كان رفيقي الذي انقضى سمع ما يؤذي من سيء القول ورديئه يتبادله الزعماء والقادة عن طريق أجهزة إعلامهم، أطمع أن أرى ما لم ير، وأسمع ما لم يسمع، أخزن في حنايا الضلوع وتضاعيف الأيام ما لم يخزنه الرفيق المنقضي، ولا السلف المنتهي.

أطمع أن يعيد المسلمون معي شيئًا من تاريخهم الذي مضى، حتى أنال من الشرف قريبًا مما نالته القرون الماضية المضيئة في  تاريخ الإسلام والمسلمين، عصر الراشدين والعباسيين والأمويين. فإن هذه الأمة الإسلامية لها من صنوف المجد وضروبه، وأنماط الحضارة، وتنوع التراث، ما لم تشهده أمة حاضرة أو غابرة، إني لطامع، وأن نخبة من المسلمين المعاصرين لطامعون كذلك، في أن تكون هناك مراجعة ومحاسبة، لكي يتبين بعدهما لقادة هذه الأمة ومفكريها، أهم صاعدون أم منحدرون! أهم نحو الخير ساعون، أم وراء الشر والفتن يلهثون! أهم جادون في إرضاء الله أم في إغضابه ساعون؟

فإن الدقيقة الأمينة ستلقى أضواء كاشفة على كل خبيء، وستنكشف بعد التشخيص الأمراض وأسبابها والوصفات الطبية لعلاجها.

إن هذه الأمة، ورثت لغة لا كاللغات، ودينًا لا كالديانات، وحضارة لا كالحضارات، ونمطًا في السياسة والحكم، والقوانين والأخلاق مما لم ير التاريخ له مثيلاً وذلك بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء. 

وانصافًا للعاملين، وعدم جحود لأصحاب الجهود الخيرة، نقول:

إننا في ميدان اللغة، خطونا خطوات فساحًا لتقريبها وتذليلها، وضبطها ونشرها، ولكنه جهد يحتاج إلى مزيد، حتى نبلغ في ميدان نشرها وتذليلها للغرباء ما بلغه أهل اللغات الأوروبية الحية في أيامنا هذه. 

ولغة الضاد- دون سواها- أحرى بتلك الجهود، لأنها الوعاء الذي اختاره الله لكلامه المعجز، والقالب الذي هيأه لرسوله ليودعه ما انبثق في صدره من توجيهات وحكم. 

إن لغة القرآن هي في ذات الوقت لغة المسلمين إلى كانوا، فجعلها سلمًا يرتقبه المسلم من غير الناطقين بالضاد ليصعد إلى فهم الإسلام حين يتعلمها، مأثرة يدخر الله جزيل ثوابه للقائمين عليها أما الدين الذي ورثناه، فإن في الحلق من أمره غصة، وفي العين من شأنه قذى، ذلك لأن الله لما اختار لنا الإسلام اختاره نموذجًا لأعمال الدنيا والآخرة على حد سواء، ولم يأت به ليكون قاصرًا على الصلاة والزكاة والصوم والحج منزويًا في المساجد والزوايا، تاركًا أنماط الحياة الأخرى لنخبط فيها خبط عشواء، وتسير فيها على شعاع من ضلال إبليس، تاركين ضياء الله تعالى ونور محمد «ص».

للعام الجديد أن يتساءل، للدعاة المشفقين على حاضر هذه الأمة ومستقبلها أن يتساءلوا كذلك: هل سيشهد العام الجديد صراعًا بين الهدى والضلال؟ صراعًا بين تلاميذ محمد «ص» وجنود إبليس لعنه الله، وتكون الغلبة بعد ذلك الصراع لمن في صدورهم القرآن، وعلى فهواتهم السنة؟ هل أولئك العرب الذين نبذوا وراء ظهورهم تشريع محمد «ص» وولوا وجوههم قبلة تشريعية أخرى، هل سيعود أولئك إلى قبلة الله في التشريع؟ وهل القدس السليب، والشعب الفلسطيني الطريد، سيجدان من رؤساء العرب والمسلمين كوقفة المعتصم أو صلاح الدين؟ فإن فعلوا- ونتمنى أن يكونوا فاعلين– فإن السليب سينتزع من أيدي غاصبيه، والطريد سيفوز برجوعه إلى موطن الآباء والأجداد.

أيها الإخوة الرؤساء. أيها القادة الزعماء. أيها الدعاة الزملاء هذه وقفة تأمل ومراجعة، لا وقفة تحسر وملاومة، فالعبء مشترك بيننا جميعًا، كل منا آخذ منه بنصيب، ولقد استرعانا الله هذه الأمانة الكبرى «الإسلام» وهو سائلنا عما استرعانا. وإن هذه الوقفة، وقفة تفكر وتدبر. ولا عمل إلا بعد تفكير، ولا إبرام إلا بعد تدبير. 

فوداعًا أيها العام الذي غادرتنا، ومرحبًا بك أيها العام الذي أطللت علينا.

وندعو الله تعالى أن تشهد في عالمنا الإسلامي من مظاهر العزة

والرخاء ووحدة الكلمة ما لم يشهده أخوك الذي مضى.

«وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين».

الرابط المختصر :