العنوان وقفة مع الأحداث الأخيرة في فلسطين
الكاتب عدنان النحوي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-2000
مشاهدات 71
نشر في العدد 1427
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 21-نوفمبر-2000
الجهاد في سبيل الله ليس عملًا ارتجاليًا وإنما منهج قائم على البناء والإعداد ونهج مترابط الأجزاء.
نمر اليوم بلحظات حرجة من تاريخ المسلمين بعامة وتاريخ قضية فلسطين بخاصة لحظات تحمل معها أحداثًا متسارعة متتالية، لا يكاد الإنسان يقوى على متابعتها، ولا على تلمس الرابطة بينها والهدف الذي تسير إليه.
ولا بد من وقفة مع هذه الأحداث، وقفة إيمانية تنبع من منهاج الله - قرآنًا وسنة ولغة عربية- وترد الأمور إليه.
لابد أن نقر أولًا بأن كل شيء لا يتم إلا بقضاء الله وقدره، وأن قضاء الله حق لا ظلم معه أبدًا، فما نجده اليوم من هزائم وهوان هو بما كسبت أيدينا فعلينا أن ننظر في أنفسنا ونبحث عن عيوبنا وأخطائنا على أساس من ميزان منهاج الله دون أن تنحرف مع الهوى.
إن هذه دعوة واضحة أمرنا الله بها، وإننا نوجهها إلى أنفسنا وإلى كل مسلم وإلى كل جماعة أو حركة إسلامية، وإلى المسلمين بعامة، لابد من هذه الوقفة الإيمانية، ومحاسبة النفس ومعرفة الأخطاء والزلل والانحراف، ومن ثم معالجته معالجة إيمانية. إن محاولة تغطية العيوب والأمراض بالمحاولات أو الغرور أو الكبر سيزيد من الهزائم والهوان في الدنيا ومن عذاب الله في الآخرة!
وإن خطورة الأمر لا تقف عند حدود قضية فلسطين. إنها تمتد إلى سائر قضايا المسلمين اليوم، وما فيها من هزائم وهوان وإنها تمتد إلى أخطر من ذلك كله إلى يوم الحساب، إلى الدار الآخرة، إلى يوم الحق، حيث لا يغني مولى عن مولى شيئًا، ولا ينفع مال ولا بنون، ولا أرحام ولا جاه ولا سلطان، فالأمر كله يومئذ لله.
إن أول ما يتكشف لنا من خلال الوقفة الإيمانية أننا رفعنا شعارًا يقول إن فلسطين أرض مسلمة وإن قضيتها إسلامية، وأنها مسؤولية الأمة المسلمة كلها، رفعنا ذلك شعارًا فحسب، لكن الميدان شهد أن القضية كانت وطنية إقليمية قومية، وأنها لم تأخذ الصورة الإسلامية كما يريدها الله، وأن الأمة المسلمة كانت غائبة عن الميدان إلا من حيث العواطف، إن الإسلام يقضي بأن القضية قضية كل مسلم، قضية الأمة المسلمة كلها: شعارًا ونهجًا وميدانًا وجهادًا.
وينكشف لنا كذلك أنه لم يكن هنالك خطة ولا نهج لدى العاملين خطة تحمل الهدف والطريق الذي يوصل إلى الهدف والوسائل والأساليب والإعداد المبكر المتنامي، وكان العدو يتحرك على أساس من نهج وخطة متكاملة تنظر إلى الأفق البعيد وتحمل الأطماع الممتدة. ولم يسأل أحد عن الخطة والنهج، وقبل الناس الشعارات والعواطف وحدها، حتى إذا مرت السنون تبين أن الشعار والهدف في ناحية والمسيرة في ناحية أخرى، في صورة مفجعة كشفت عنها الهزائم المتتالية.
وإذا التقى فريقان فريق له نهجه وخطته ووضوح أهدافه وطريق الوصول إليها، وفريق ليس له نهج ولا خطة إلا الشعارات، فإن الفريق الأول يستطيع أن يحول جهود الفريق الثاني لصالحه، فلا يجد الفريق الثاني إلا الهزيمة والخسران إنها سنة من سنن الله أن العمل يحتاج إلى خطة واعية ونهج متكامل واع.
وتكشف لنا الوقفة الإيمانية أن الفلسطينيين وحدهم غير قادرين على مجابهة دولة اليهود وما تملك من سلاح الدمار الشامل، وما تملك من الدعم غير المحدود من الدول الغربية والشرقية بعامة ومن أمريكا بخاصة.
وتكشف لنا الوقفة الإيمانية أن هنالك خللًا في واقع المسلمين لم تبذل الجهود لمعالجته، وأن أول مظاهر الخلل ضعف الإيمان والتوحيد، وعدم بلوغه المستوى الذي تتطلبه المعركة ويحتاجه الميدان، وأن حب الدنيا وكراهية الموت في سبيل الله غلبت على الكثيرين، وأن الجهل بالكتاب والسنة أوسع انتشارًا وأن جهل الواقع أعم، وعدم رده إلى منهاج الله غلب وامتد، وأن الأهواء ثارت والشعارات طارت والعواطف هاجت في صورة متضاربة متصارعة أكلت كثيراً من الجهود.
وكذلك يتضح لنا بصورة جلية أننا بدأنا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين معالج قضايانا بما يمكن أن نسميه مسلسل التنازلات المسلسل الذي ابتدأ بالتنازل عن كلمة الإسلام شعاراً ومعنى ورفع شعار العروبة. وانسلت هذه الأفكار وتسللت إلى قلوب بعض المسلمين وإلى أفكارهم وعواطفهم وألسنتهم وامتد مسلسل التنازل منذ ذلك الوقت شيئًا فشيئًا.
ومن خلال هذا التاريخ كان الأعداء يبنون سلاحهم وصفوفهم، ونحن لم نين سلاحاً مثل صلاحهم، ولا صفاً مثل صفهم، فكيف يخوض المسلمون المعركة وهم لم يرضوا الله سبحانه تعالى، ولم يستجيبوا لأمره:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (الأنفال:٦٠).
وكذلك قوله سبحانه وتعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ﴾ (آل عمران: ۱۰۳).
المعركة ممتدة على مدى التاريخ بين الإيمان الحق الصادق وبين الكفر والشرك والنفاق ومازالت ممتدة حتى اليوم نرى فيها الغارة الشاملة والغزو العام على العالم الإسلامي وعلى المسلمين في الأرض كلها أينما كانوا وعلى كل مسلم، غارة تحمل فتنة الفكر وفتنة فساد الأخلاق والانحلال وسحق القيم، وفتنة العلمانية بمذاهبها المختلفة، وفتنة العلم المادي المجرد من الإيمان بالله واليوم الآخر، وفتنة الصناعة المتطورة، يدعم ذلك كله الحركات التنصيرية والشركات التجارية والمستشرقون، وأجهزة مختلفة، كل ذلك يكون معهداً للجيش الزاحف والسلاح المدمر، ولقد أثر هذا الغزو وانكشفت آثاره في واقع الأمة وتمزقها وهوانها.
إن مجيء اليهود إلى فلسطين تحت ادعاءات دينية كاذبة باطلة، بدعم كامل من العالم العلماني والاشتراكي، لم يكن إلا جزءًا من هذه الغارة الشاملة، لتكون دولة اليهود قاعدة الانقضاض على العالم الإسلامي، ومتابعة الغارة والغزو. وسيكون هؤلاء الأعداء مجاملين يتظاهرون بالود وتقديم العون من بعض السلاح وغيره، وكلما تمكنوا من أمر كشفوا عن أنيابهم ونياتهم وجاهروا بأطماعهم في تلك المرحلة، ويخفون أطماعهم الممتدة إلى مراحل مقبلة. وفي كل مرحلة يجاهرون مجاهرة العداء والتحدي والاستكبار والإذلال وإننا لنرى هذه اللحظات معبرة أوضح التعبير عن هذا الأسلوب الماكر والكيد القاتل.
ونخرج من ذلك بأن ما نلقاه اليوم هو نتيجة طبيعية حتمية لمرحلة سابقة، وأن المرحلة السابقة نتيجة طبيعية لمرحلة قبلها، وأن المراحل تمضي على سنن ثابتة لله، وبما كسبت أيدي الناس.
قوة الغرب
ولقد غر بعض المسلمين ما لدى الغرب من زهوة علم مادي، فلم يكتفوا بأخذ بعض هذا العلم. وإنما أخذوا معه الفكر الفاسد والمذاهب المضللة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يقدموا للغرب والشرق عظمة الإسلام دعوة ربانية مرصوصة الصفوف، وبناء واحدًا متماسكًا وإنما قدموا أطرافاً من الإسلام من خلال تفرق وفتن وصراع.
الجهاد في الإسلام نهج متكامل، لا يصلح إلا أن يطبق كله بصورته الربانية، فالقول عن جهاد يكون فرض عين وفرض كفاية، هو مصطلح لا يعطي الصورة الإيمانية التي يعرضها الكتاب والسنة. فالجهاد في سبيل الله بتكامله فرض على الأمة المسلمة كلها، يحمله نهج متكامل، يحدد دور كل فرقة أو طائفة، حتى إذا انكشف ضعف موقع من المواقع وعدم كفايته لمنازلة الأعداء، هبت الأمة كلها هبة منهجية إلى الميدان، ولا يحل للأمة المسلمة أن تفرط بأي جزء من بلاد المسلمين، ولو استغرق إنقاذ ذلك طاقة الأمة كلها، وإن لم يفعل المسلمون ذلك، وحرصوا على دنياهم أتاهم عذاب الله في الدنيا وفقدوا دنياهم التي كانوا يحرصون عليها، والتاريخ شاهد على سنة الله هذه، وتاريخ الأندلس شاهد جلي، فجاهم قضاء الله الحق. فذهب ملك هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء:
وحين نقول إن فلسطين حق الإسلام والمسلمين، فهذا حق يثبته منهاج الله، والأنبياء والمرسلون كلهم في رسالاتهم قبل أن تحرف. فما من نبي ولا رسول دخل فلسطين باسم عنصر أو دم، وإنما دخلها باسم الإسلام رسالة وديناً وبلاغاً. ابتداء من إبراهيم عليه السلام وكذلك كان سائر الأنبياء والمرسلين سواء أتوا إلى فلسطين أم بعثوا فيها .
لليهود ادعاء باطل ابتدعوه بعد أن حرفوا كتابهم، وملأوا الدنيا بادعائهم الكاذب الباطل. واستعانوا بالإعلام كله، وجعلوه موضع استغلال ومساومة واتفاق مع العالم النصراني العلماني وللمسلمين حق صادق ثابت معه كل الحجج من الدين الواحد، ومن العقل والمنطق ومن التاريخ ولكن المسلمين لم يجهروا بحقهم هذا كما جهر اليهود بباطلهم، وجعلوا لحقهم شعارًا غير الشعار الذي أمر به الله جعلوا من فلسطين قضية وطنية فحسب، أو إقليمية أو قومية، فتركهمالله إلى ما دعوا به.
وربما يسأل سائل فأين المخرج؟ فنقول إنه ليس أمام المسلمين إلا سبيل واحد ومخرج واحد جعله الله من مسؤولياتهم أن ينهضوا إليه، فإذا عرف الله فيهم صدق النية والعزيمة والنهوض أمدهم بعونه إن هذا السبيل الوحيد هو العودة الصادقة إلى الله سبحانه وتعالى، يلتزمون بما شرع الله كما أنزله على نبيه محمد ، وليعرف كل مسلم مسؤولياته والتكاليف الربانية التي سيحاسبه الله عليها يوم القيامة فإذا صحت العودة وصدقت وجد الصادقون المتقون جميعهم أنهم أمام صراط مستقيم ليتبعوه:
﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٣)
إن هذه العودة الصادقة تعني أن لله صراطاً مستقيماً غير معوج حتى لا يضل عنه أحد، وأنه صراط مستقيم واحد فقط ليلتقي عليه المؤمنون المتقون الصادقون أمة واحدة، وصفاً واحداً كالبنيان المرصوص. أمة مسلمة واحدة، لها دين واحد، وتعبد رباً واحداً لا إله إلا هو، وتمضي على صراط مستقيم واحد لا سبيل لهم سواه: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨).
عندئذ يتنزل النصر من عند الله، ويُعز الله المؤمنين، ويوفي بعهده لهم وقد أوفوا بعهدهم مع الله.
إن هذا هو السبيل الوحيد إلى فلسطين، سبيل المؤمنين المتقين، إنه السبيل الوحيد لحماية أطفال المسلمين ورجالهم ونسائهم وأعراضهم، وكل ما وهبهم الله إياه وجعله أمانة في أعناقهم يحاسبون عليها يوم القيامة.
والجهاد في سبيل الله ليس عملًا ارتجاليًا ولا عاطفيًا ولا فوضويًا، ولا ردود فعل آنية، إنه عمل منهجي، بناء وإعداد، ونهج متكامل مترابط الأجزاء، إنه مسؤولية الأمة المسلمة المتراصة.
ولكننا الآن نجابه واقعًا خطيرًا نراه واضحًا على أرض فلسطين أطفال عزل إلا من الحجارة مع شباب ورجال ونساء والعدو بدباباته وطائراته وصواريخه ورصاصه الحي والمطاطي والغاز المسيل للدموع، والأطفال والشباب يتساقطون صرعى كل يوم في وحشية إجرامية من اليهود الذين يهدمون البيوت، أو يحتلونها ويطردون أصحابها، والعالم كله ينظر إلى هذه الجريمة المروعة دون تحريك ساكن، وحضارة العصر الحديث، والعلمانية، والمذاهب الأدبية الرمزية الحداثية والبنيوية والديمقراطية والاشتراكية، كل الشعارات لم تحرك ساكنًا، ولم تنقذ طفلًا ولا أرضًا ولا حقًا!
خطأ يجر خطرًا
إن ترك الفلسطينيين وحدهم في الميدان على هذه الحالة من غير التكافؤ خطأ يجر على الأمة خطراً. فقد يجهض هذا الواقع القتال الدائر، كما سبق أن أجهض في ثورة سنة ١٩٣٦م وغيرها من الثورات في فلسطين، أو يؤدي هذا الحال إلى مرحلة جديدة من مسلسل التنازل، أو يعرض كل بلد عربي إلى خطر حقيقي عاجل أو في المستقبل.
لا نستطيع إلا أن نهيب بكل من هو في الساحة أن يخلص نيته لله ويحول عمله إلى جهاد صادق في سبيل الله، ثم نهيب بالأمة كلها بأن ينزل إلى الميدان من كل فرقة منهم طائفة، حتى يستوفي الميدان قدرته على الصمود والنصر.
فإذا لم يتحقق ذلك، فإننا نتساءل إلى أين تتجه الأحداث، وهل يدرك كل مسلم مسؤوليته التي سيحاسب عليها؟ وهل سيزداد عدد المشلولين والجرحى والقتلى وتنهار القدرة على حسم الأمر؟
فالفقه الحقيقي في الميدان، يعود منه المؤمنون المجاهدون لينذروا قومهم بالخطر الحقيقي من أعداء الله، حتى يحذروهم ويعدوا لهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل