العنوان المجتمع التربوي (1391)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-2000
مشاهدات 75
نشر في العدد 1391
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 07-مارس-2000
■ وقفة تربوية
■ معادلة المحبة
لا تكتمل حقيقة العبادة من غير محبة لله تعالى، لأن الحب هو الدافع الأكبر للعمل وتحمل المشاق في سبيل المحبوب، لذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في دعائه: «اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله فراغًا لي فيما تحب»، (رواه الترمذي- تحفة الأحوذي ٣٥٥٧)
يقول الإمام المباركفوري في شرحه لهذا الحديث: («اللهم ارزقني حبك»، أي لأنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه، اللهم ما رزقتني مما أحب أي الذي أعطيتني من الأشياء التي أحبها من صحة البدن وقوته وأمتعة الدنيا من المال والجاه والأولاد والفراغ، «فاجعله قوة لي» أي عدة لي فيما تحب أي بأن أصرفه فيما تحبه وترضاه من الطاعة والعبادة «اللهم وما زويت» أي ما قبضته ونحيته «عني» أي بأن منعتني ولم تعطني، مما أحب أي مما أشتهيه من المال والجاه والأولاد، وأمثال ذلك، «فاجعله فراغًا لي» أي سبب فراغ خاطري، فيما تحب (تحفة الأحوذي ٩/٤٦٣) يقول القاضي: (يعني فيما صرفت عني مما بي فنحه عن قلبي واجعله سببًا لفراغي لطاعتك، ولا تشغل به قلبي فيشغل عن عبادتك، وقال الطيبي: أي اجعل ما نحيته عني عونًا لي على شغلي بمحابك، وذلك أن الفراغ خلاف الشغل، فإذا نوى عنه الدنيا ليتفرغ بمحاب ربه كان ذلك الفراغ عونًا له على الاشتغال بطاعة الله) (تحفة الأحوذي (٩/٤٦٤).
هذا التجرد الكامل لله تعالى والإقبال عليه سبحانه بمثل هذه الطريقة، هو قمة الحب إلى درجة أنه يدعو ربه بألا ينشغل القلب للحظات بما زوى الله عنه من ملاذ الدنيا مما تحب النفس من المال والولد، والجاه عن ذكر ربه والاشتغال بعبادته، هذا الإقبال على الله يتفاوت فيه الناس، فالأنبياء هم أكثر الخلق إقبالًا بقلوبهم على الله، ولهذا السبب تكون النتيجة أن الله سبحانه وتعالى يقبل بقلوب معظم الناس إليهم.
أبو خلاد
■ رحلة السلام الحقيقي
■ في الحج: يتدرب المسلم على كف الأذى عن سائر المخلوقات فيطمئن الضمير البشري.
■ ميلاد جديد للأمة.. وتذكير لأبنائها بآلام إخوانهم في العالم وواجب نصرتهم
بقلم: الشيخ محمد عبد الله الخطيب
البشرية جميعها خلقت لله ولعبادته وحده، وهو الذي يجب أن تقر به العيون، وتخشع له القلوب، وتعنو لقهره الوجوه، وتذل له الجباه، فنحن مخلوقون لله رضينا أم لم نرض، راجعون جميعًا إليه لا محالة، أطعنا أم لم نطع، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (طه: ١١١)، ويقول: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (مريم: ٩٣)
ولقد امتن الله على عباده بأن جعل لهم حرمًا آمنًا، ورد على الذين قالوا للرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو يدعوهم للدخول في دين الإسلام، والسلم والأمان: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ (القصص: ٥٧)، فحكى الله قولهم ورد عليهم بحقيقة الأمر الذي جهلوه: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص: ٥٧).
بيت الله الحرام هو منطقة الأمن والأمان منطقة السلام الحقيقي في العالم كله، والله سبحانه وتعالى، يقيم هذه المنطقة للبشر في زحمة الصراع بين بني البشر، إنها الكعبة بيت الله الحرام والأشهر الحرم تقدم في أتون المعارك المستعرة والخصومات والصراعات بين المتزاحمين على تراب الأرض وطينها المتزاحمين والمتقاتلين على التفاهات والزعامات والكل يريد الاستعلاء على الآخرين والقهر للآخرين، والجميع تقتلهم المطامع والشهوات تقدم هذه المنطقة المباركة السلام محل الحروب، والطمأنينة محل الخوف ويشعر المسلمون بالحب والإخاء والأمن والأمان قال الله ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٩٧)
السلام.. للإنسان والحيوان
لقد شملت هذه المنطقة السلام: للإنسان والحيوان والطير، والزرع، والحشرات في البيت الحرام في فترة الإحرام، ودرب الحاج عمليًا على كف الأذى عن جميع مخلوقات الله، هذا الأمر يتم في الواقع، لا في عالم المثل والنظريات فلا تتبقى هذه الحقائق مجرد كلمات وأحلام، بعيدة عن التحقيق والتطبيق، كما جعل الأشهر الحرم الأربعة التي لا يجوز فيها القتل، ولا القتال، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ثم رجب، ولقد ألقي الله في قلوب العرب حتى في الجاهلية حرمة هذه الأشهر، فكانوا لا يروعون فيها نفسًا، ولا يطلبون فيها دمًا، وحتى كان الرجل يلقي قاتل أبيه، وابنه وأخيه، فلا يؤذيه، فكانت مجالًا آمنًا للسياحة والسعي للرزق، والضرب في الأرض (الظلال).
«إن الله عز وجل أراد للكعبة -بيت الله الحرام- قيامًا للناس، صلاحًا ومعاشًا، لقيام أمر دينهم ودنياهم، وأن تكون ملاذ الأمن والسلام، تقيم الناس ويلوذون بها وتقيهم الضعف والخوف والفرع، كذلك جعل الأشهر الحرم، لتكون منطقة أمن في المكان، ثم مد رواق الأمن خارج منطقة الزمان والمكان، فجعله حقًا للهدي -وهو النعم- الذي يطلق ليبلغ الكعبة في الحج والعمرة، فلا يمسه أحد في الطريق بسوء، كما جعله لمن يتقلد من شجر الحرم معلنًا احتماء بالبيت العتيق». (الظلال)
فتح مكة
وفي الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرام، لا يعضد شجره، ولا يختلي خلاه ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف».
ولم يستثن النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأحياء، مما يجوز قتله في الحرم، والمحرم إلا الغراب، والحدأة والعقرب والفارة، والكلب العقور، الحديث عائشة- رضي الله عنها- في الصحيحين «أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقتل خمس فواسق في الحل والحرم الغراب والحدأة، والعقرب والقارة والكلب العقور».
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور»، وفي الصحيح من حديث عباد بن تميم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن إبراهيم حرم مكة، ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة».
وهي ليست منطقة سلام في هذه الأشياء الضمير البشري وحدها، ولكنها أيضًا أمان في أغوار النفس وأعماقها حتى ليتحرج المسلم المحرم، أن يعد يده إلى الطير والحيوان، فهي المنطقة الآمنة، والنفس الآمنة، وما أحوج البشرية المتصارعة إلى هذه المنطقة تتعلم منها، أن هذا الدين وحده هو زورق الأمان، وسلم النجاة، والله بكل شيء عليم.
إنها الرحلة الفاصلة بين الهدى والضلال، قال تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: ۱۹۷)، ومن هنا تحدد الاتجاه لمسيرة الإنسان، فالطريق القديم الحافل بالرفث والفسوق والجدال يجب أن يغلق، وسحقًا لحياة الرفث والفسوق والجدال، سحقًا للفحش كله، سحقًا لحياة الهبوط والسقوط والتدلي، سحقًا لحياة يحجب المرء فيها عن ربه، إنها حياة تافهة رخيصة سحقًا للمهاترات والصراع والجدال، وبدأت من الآن الاتجاه إلى الله وحده، العزة لله وحده في النفس والقلب والحواس والتجرد الكامل لله وحده له دون المال، وله دون الأهل وله دون الولد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (متفق عليه).
رحلة فاصلة، وبداية عهد وميثاق جديد مع مالك الملك الغني عن العالمين، ميلاد جديد للمسلم الشهادة بالتوحيد هي بداية الطريق، والاستجابة لله هي معالم الطريق هدير التلبية «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» تملأ الصدور، وتنطلق بها الحناجر من أعماق النفس، هدير يحمل المسلم على الصعب والذلول في سبيل عقيدة التوحيد، هدير هو الحداء الذي يرفع المسلم إلى القمة، ويروضه على صدق الالتزام بحق هذه العقيدة.
يا الله.. يا ذا الجلال والإكرام، ما أعز من لا يذل إلا بين يديك، وما أكرم من لا يخضع إلا لسلطانك.
ليس بكثير على أولئك الذين سمت هممهم فأدركوا الغاية من الوقوف بين يدي ربهم، وشغلهم ذلك عن كل شيء ورضا ربهم هو أمنيتهم، ومبتغاهم، ليس كثيرًا عليهم بعد أن رفعوا أيديهم بالدعاء، وبسطوا أكفهم بالضراعة، أن يهيئ الله لهم مواسم خير، ومواطن رحمة، ويعيد إليهم أكفهم مملوءة بالمغفرة والعطاء، ويجعل من دموعهم التي سكبوها، وزفرات قلوبهم التي صعدوها، معالم نور في حياتهم تضيء لهم السبيل، وتهون عليهم الصعاب، وترقى بهم إلى مدارج الكرامة في الدنيا والآخرة.
من للمسلمين في أن يعودوا سيرتهم الأولى علمًا، وعملًا وسلوكًا، وصدق غاية وسلامة اتجاه وحياة جهاد، وتضحية، وبعد نظر؟
إن المسلمين اليوم -وغدًا- تنتظرهم في هذا العالم واجبات، وتكاليف لا يستطيع أداءها إلا الذين تخففوا من ثقلة اللحم والدم وارتفعوا فوق متع الحياة، ولم يركنوا إلى الراحة والدعة، وطلب العافية والسلامة، كما ترقبهم أعباء لا قبل لهم بها، إذا لم يخلصوا أنفسهم لله ولدينه، ويعطوا من وجودهم وكيانهم ما لا يبخل به إنسان يؤمن بيوم الحساب لابد من أن يدرك المسلمون أن أمتهم تمر بفترة كئيبة من تاريخها الطويل فترة فقدت فيها وحدتها، ونسيت رسالتها، وطاف بها نوم عميق جعلها ضعيفة الوعي عاجزة عن الحركة، والفقر الحقيقي في هذه الأمة هو شلل المواهب وفقدان الهمم والعزائم والصحوة الحقيقية هي الشفاء من هذه العلل والاستهداء بالإيمان والاستعلاء على متاع الدنيا.
إن الذين يقفون في هذه الأمة أمام كل التيارات، ويريدون إقامة المجتمع الإسلامي والفضائل الإسلامية، قلة تحتاج إلى عون والشعوب الإسلامية للأسف مازالت تقف موقف المتفرج، أو العاجز أمام حملات التغريب والتبشير في حاجة إلى وقفة جادة أمام الكوارث التي تنزل بهم.
وفي الحج تجديد، وإعادة بناء وتربية، وتعليم وتعويد على تحمل المشقات للأمة التائهة المفككة التي تجاهلت رسالتها، وفي الحج توحيد لها تحت راية الإسلام، وتذكير لها بهذا التوحيد، وهو أيضًا تعليم لها بأن الطريق إلى توحيدها، وجمعها ليس غير طريق الله طريق لبيك اللهم لبيك إنه طريق الأمة الوسط خير أمة أخرجت للناس، الأمة التي أكد الله عليها وألزمها بحمل رسالة الإسلام إلى الدنيا، بعزم، وقوة، ومضاء لتقوم بدورها في هداية البشرية، وإنقاذ العالم، وتحرير الدنيا من العبادة لغير الله.
مهمة التبليغ
إنها مهمة التبليغ والدعوة والجهاد، حتى تصل رسالة الحق إلى كل بلد، وتدخل إلى كل بيت عن طريق الإقناع والدليل، ونصاعة البرهان.
يا حجاج بيت الله الحرام: اذكروا أن الحج مؤتمر إسلامي عالمي يجمع المسلمين من بقاع الأرض كافة، فاذكروا عند بيت الله، إخوانكم في الشيشان، وماذا فعل الإلحاد بهم وهو أمر من وراء العقول لا تستطيع ألفاظ اللغة العربية أن تعبر عن عشر معشار ما نزل بإخوانكم.
واذكروا ما نزل بإخوانكم في فلسطين المسلمة وما ينزل بهم على أيدي عصابات يهود، وهو خطير خطير بكل الموازين، واذكروا ما نزل بإخوانكم في لبنان في هذه الأيام، واذكروا إخوانكم في البوسنة والهرسك، وكوسوفا، وسبحان الحليم، ولا حول ولا قوة إلا بالله عودوا من هذه الرحلة وأنتم على يقين بضرورة العمل لدينكم، ونصرة إخوانكم. وتخليصهم من حثالات البشر.
إن أمة تتجه جميعها إلى قبلة واحدة، يقودها منهج رباني خالد مشاعرها واحدة، لو استيقظت ورجعت إلى ربها، فلن تغلب أبدًا بإذن الله، ولن تموت أبدًا بإذن الله، وهذا أمل في الله كبير، وهو سبحانه ﴿غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١).
■ مع نفحات السحر: طاعة هذه الأيام
أخي في الله:
بعد أيام قليلة سترانا نهفو إلى ذاك الحس السماوي، سيقف المسلمين موقفًا عظيمًا مخبتين لربهم، متوسلين له، خاضعين و منكسرين بين يديه، يرجون رحمته، ويخافون عذابه، مجددين توبتهم لله في هذا المجتمع الكبير حيث يجود الله فيه على عباده بعتقهم من النار، مباهيًا بهم ملائكته إنه يوم عرفة حيث يحقر ويدحر الشيطان، فاجتهد -يا أخي- في الطاعة، وذكر الله، ودعاته، والتضرع له وخير الدعاء دعاء يوم عرفة، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير».
ويظل الدعاء هو العبادة، وقد كان سلفنا الصالح يلجون في الدعاء سائلين الله من خيري الدنيا والآخرة، فعسى أن نكون من عتقاء النار في هذا اليوم الآخر.
وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء؟»
فهل هناك من مباهاة أشرف من هذه المباهاة؟
وماذا نريد -يا أخي- غير رحمة الله وغفرانه لنا.
محمد شلال الحناحنة
■ وثيقة نادرة: عام ١٣٥٤هـ
■ خطاب «البنا» في موسم الحج
أيها المسلمون: نادوا بالإسلام وتعاليمه وأقنعوا العالم بأنكم على حق، واحملوا قارورة الدواء من كتاب الله، واحذروا أن يجرفكم التيار أو يستفزكم الهوى، أو تروج فيكم الخدعة.
في الإسلام الغاية والوسيلة وكلكم يوسف هذه الأحلام واذكروا أنكم ورثة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
لا تستصغروا أنفسكم، ولا تحتقروا مهمتكم، فأنتم أساتذة العالم وأئمة الشعوب، وأمناء الله على هدايته العظمى للبشرية كلها.
في موسم الحج لعام ١٣٥٤هـ مارس ١٩٣٦م نظم الشباب العربي السعودي بمنى حفلًا تبارى فيه الخطباء متحدثين إلى الحجيج، ثم جاء دور الإمام الشهيد حسن البنا -يرحمه الله- فألقى الكلمة التي نشرتها جريدة «أم القرى»، في يوم الجمعة 19 من ذي الحجة من سنة ١٣٥٤هـ الموافق ١٤ من مارس سنة ١٩٣٦م، وقد جمعت الكلمة بين أطرافها معاني عظيمة، ومفاهيم عميقة، ونصائح ثمينة تشتد حاجة الأمة إلى الاستنارة بها، والعمل بما جاء فيها خاصة في ظل هذه الأيام المباركة وفي السطور التالية نص هذه الوثيقة النادرة بعد تصويرها من جريدة «أم القرى» المحفوظة بالميكروفيلم في جامعة الملك فهد بالظهران:
أيها الإخوان الكرام:
اسمحوا لي أن أدعوكم بهذا اللقب الإسلامي الكريم الذي اختاره الله للمؤمنين يوم ناداهم في كتابه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٣)، بل أقول أيها الإخوة الكرام فإن الله يقول: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: ١٠).
تحية الإسلام مباركة طيبة فسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فلست بالخطيب الرسمي في حفلكم هذا الميمون، وهأنتم ترونني بينكم بملابس المناسك وإنما هي سنة مباركة استنها الشباب العربي السعودي وفقه الله وأيده له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة سنة دعوة الحجيج إلى التعارف والتآلف وتبادل الآراء والأفكار فيما فيه صلاح الحجاز الوطن الإسلامي المقدس- أولًا وما فيه سعادة الأقطار الإسلامية ثانيًا.
وإذا كان الشاعر العربي الأول قد قال:
تمام الحج أن تقف المطايا على خرقاء واضعة اللثام
فإننا تعتبر من تمام مناسكنا أن نقف على مثل هذا الحقل المبارك فنتعرف إلى إخواننا ويتعرفون إلينا، وشتان ما بين موقف هوى في الله والإسلام وموقف هوى خرقاء واضعة اللثام، والله خير وأبقى وذلك ما دعاني إلى أن أدعو نفسي إلى هذا الحفل ثم إلى التكلم إليكم فيه نزولًا على ما أثارته خطاباتكم البارعة من شجن كامن في النفس وهوى لاصق بالفؤاد.
أيها الشباب العربي الكريم
لا نريد أن تمدحك فأنت في غنى بفضائلك عن المدح، ونحن في حاجة إلى الوقت، ولا نريد أن نشكرك على هذه الحفاوة، فإنما نزلت فيها على طبعك الكريم وشيمتك العربية من كرم الوفادة وقرى الأضياف، ولكننا نريد أن نتناجى بالآمال والآلام، ونتلاقى بالعواطف والأرواح، ونتواصى بالحق والصبر.
أيها الشباب العربي الكريم
لقد كان هواك من قبل عاطفة فاضلة، فأصبح اليوم حقيقة ماثلة، كان عاطفة يهزها قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: ١٢٥)، وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأصيل حين سألته السيدة عائشة الصديقة عن مكة فأخذ يصف لها رفيف عرارها وأريج زهرها حتى اغرورقت عينا الرسول بالدموع وقال «يا أصيل دع القلوب تقر»، وقول بلال -رضي الله عنه-:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل
وقول شيخ الأباطح في لاميته:
وثورًا ومن أرسى ثبيرًا مكانه وراق لبر في حراء ونازل
وقول المجنون:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى فهيج أشجان الفؤاد وما يدري
كنا نسمع ذلك كله فيهر عاطفتنا، ويهيج شجوننا، ونرقب ذلك اليوم الذي نسعد فيه برؤية البيت الكريم، ونرى مكة المقدسة، ونتشرف برؤية آثارها، واستجلاء أسرارها، ونقف بالخيف من منى لا لنغني بليلى المجنون، ولكن كل يغني على ليلاه.
ذلك هو حبكم يا شباب العرب حين كان عاطفة فاضلة، أما الآن ونحن بين حراء وتبير وفي أرض شامة وطفيل، وفي أحضان الخيف من منى فإنا نستشعر حبكم والانعطاف إليكم حقيقة ماثلة تسعد بها، ونشكر الله عليها، فإكرام الله ارتباط القلوب المسلمة وجعل هذه الرابطة مصدر الخير والبركة للشرق والإسلام إن شاء الله.
أيها الشباب العربي
تحدث خطيبكم الأول فذكر أن الإسلام دين يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، وهذه حقيقة واضحة ملموسة تراها أجلى ما تكون إذا تصورت أن الصلاة -وهي لب العبادات وأقدس أعمال الآخرة- لا تتم بغير القرآن الذي تقرأ منه وأنت مستغرق في مناجاة ربك أمثال قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَأ يُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ منْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٨٢).
ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٩)، مما هو من صميم الشؤون الدنيوية، ويقابل هذا أنك وأنت مستغرق في سعيك على الرزق وطلب الكسب -وهو لب أعمال الدنيا- تسمع قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الله يحب المؤمن المحترف»، وقوله: «من أمسى كالًا من عمل يده أمسى مغفورًا له» فيجعل عمل الدنيا من كسب الرزق سببًا لعمل الآخرة وهو مغفرة الله.
هذا الارتباط الوثيق بين شؤون الدنيا والآخرة واضح كل الوضوح في كل ناحية من نواحي التشريع الإسلامي، وإنما أتى المسلمون من ناحية فهمهم دينهم من جهة واحدة فقط.
لهذا حين نجد الشباب العربي يقرر هذه الحقيقة نطمئن كثيرًا ونعلم أنه قد عرف موطن الداء وأخذ في الدواء.
وتحدث خطيبكم الثاني فذكر نهضة الحجاز وأنها لا تزال نهضة وليدة، إن كانت مظاهرها الآن ناشئة، فتكون غدًا -إن شاء الله- قوية واضحة، فليطمئن الأخ الفاضل فهكذا الكائنات جميعًا والطفرة محال، وشأن الأمم شأن الأفراد، فنهضة الحجاز الفتية وسمي يجيء بعده المطر وباكورة يتوالى وراءها التمر.
وإذا رأيت من الهلال نموه أيقنت أن سيصير بدرًا كاملًا
ومما يطمئن على هذه النهضة المباركة هذا التواضع الفاضل والتقدير الحكيم، ونحن نعلم عن بوادر نهضتكم أكثر مما صورتم وذكرتم وما دمتم ترون أنكم في حاجة إلى الاستزادة فأنتم دائمًا إلى خير والحمد لله، وإلى الأمام إن شاء الله.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذا الطموح والأمل الذي يلوح على وجوهكم ويفيض على ألسنتكم ويتفجر من قلوبكم يريد الاطمئنان على النهضة العربية وبالأمل تحيا النهضات، وباليأس تموت، ولا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، وحقائق اليوم أحلام الأمس وأحلام اليوم حقائق الغد، ومن يعش يرى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: ٥- ٦)، وقد حرم الله في كتابه اليأس على المؤمنين فقال تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: ٨٧)، كما أبان أنها عوارض تنتاب الأمم، ثم تتبدل الحال، فإذا الضعيف قوي، وإذا القوي ضعيف: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين﴾ (آل عمران: ١٤٠)، ومن قرأ هذه الآية العجيبة وأنعم فيها النظر لم يجد عذرًا في القعود لأمة ضعيفة ورأى كيف يبدل الله أحوال الأمم وكيف يقتص عدله الشامل من الظالم للمظلوم، يأخذ الحق من المعتدي للمهضوم.
تلك آية الله في كتابه أعوذ بالله من الشيطان الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾ (القصص: ١- ٦)
ألا إن هذه الآية الكريمة في كتاب الخلود قانون من قوانين الوجود، إن انطبق في الماضي فهو أشد ما يكون انطباقًا في الحاضر: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣)، فلا تيأسوا ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين.
وتحدث خطيبكم الثالث فذكر أن نهضة الحجاز تقوم على أساس من الإسلام متين، وترتكز على الدعوة إلى الله وإعادة مجد الإسلام، مرحى مرحى أيها الإخوان، لقد أصبتم الفطرة، وهديتم إلى الرشد وأحب هنا أن أنصح لكم عن عاطفة من الإشفاق تنتاب نفسي وتحزن قلبي فلعل في هذا الإفصاح تذكرة وتحذيرًا.
أيها الإخوان: لقد وقف الشرق بعد الحرب العظمي على مفترق طريقين: طريق مدنية أوروبا وتقليدها والسير وراءها، وطريق الاستحسان بالحضارة الشرقية والقومية الشرقية، وإحياء مجد الإسلام وتعاليم الإسلام، ولكل من الطريقين دعاته والمنادون به ومروجوه، فأما بعض الأمم الشرقية فقد اندفع في الطريق التقليدية اندفاعًا قويًا شديدًا حتى صار ملكيًا أكثر من الملكيين، وبعض آخر أخذ يسير في هذه الطريق، وأيضًا فغير الأزياء والأوضاع والنظم والأشكال ولا يزال يسير لا يلوي على شيء وفريق ثالث لا يزال حائرًا لا يدري بأهما يأخذ، يجذبه الهوى إلى الغرب، ويرده الإيمان إلى الشرق، ومن وراء ذلك بقية من أثر السلف الصالح لا تزال تتحرى أحكام الله ومجد الإسلام، وتعتز بالشرق والعروبة، ومن هذه البقية قطركم المقدس، ومن عجب أن القرآن الكريم قد ذكر الطريقين وفصل السبيلين وأرشد إلى أيهما خير مقامًا وأحسن نديًا، واسمعوا قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٩- ١٥٠)، واعجبوا من كتاب يسبق الحوادث بروائع آياته، ويهدي الناس بواضح بيناته: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ٨٢)
هذا تصوير يمثل حالة الأمم الإسلامية الآن ورجاؤنا إلى الشباب العربي النبيل أن يعلم تمام العلم أن الإسلام دين تام كامل فصل مصالح الدنيا والآخرة، ورسم للناس سبل السعادة، وهو وحده الكفيل بإنقاذ الإنسانية وتخليصها من مشاكلها المعقدة، وسيعلم العالم كله -وقد جف ريقه واكتوى حلقه بنار الشك والغرض والإلحاد- أنه لا ينطفئ ظمؤه إلا يعذب برود من منهل كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولتعلمن نبأه بعد حين.
فنادوا بالإسلام وتعاليمه واستمسكوا بالشرق وحضارته، وأقنعوا العالم كله بأنكم على حق وبأن غيركم في شبه واحملوا قارورة الدواء من كتاب الله -وهو الشفاء لما في الصدور-، وقدموها إلى الإنسانية المعذبة، واحذروا أن يجرفكم التيار أو تجتالكم الشياطين، أو يستفزكم الهوى أو تروج فيكم الخدمة واعلموا أن سنة الله لا تتخلف: ﴿أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ﴾ (الرعد: ١٧).
في الإسلام الغاية والوسيلة، وذلك تعبير له تعبير، وكلكم يوسف هذه الأحلام، والاستقصاء أمر يطول، وحسبكم قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «والله ما تركت من خير إلا وأمرتكم به، وما تركت من شر إلا ونهيتكم عنه»، بل قول الله تعالى: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧).
أيها الشباب العربي الكريم:
لا تستصغروا أنفسكم، ولا تحتقروا مهمتكم فإنكم أساتذة العالم، وأئمة الشعوب، وأمناء الله على هدايته العظمى للبشرية كلها، ولمن تعالت أصوات الغرب من كل جانب: ألمانيا فوق الجميع وإيطاليا فوق الجميع، وسودي بريطانيا واحكمي وكانت تلك كلمات اخترعوها لأنفسهم وابتدعوها يريدون بها التهام الضعفاء والعدوان على الأمنين فإنكم أنتم يا شباب العروبة والإسلام أحق الناس بهذه النعوت والأوصاف لا بدعة تبتدعونها، ولا خدعة تستترون وراءها ولكن حقًا مقدسًا سجله الله لكم في كتابه يوم أنزل على رسوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ١١٠)، لا لتستبدوا بحقوق الضعفاء ولا لتعتدوا على الأمنين. ولكن كما قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ١١٠)، وثقوا يا إخواني أني حينما أخاطب شباب العروبة لا أريد للعروبة ذلك المعنى الضيق المحدود الذي يحصرها في قطر من الأقطار، ولكن أريد ذلك المعنى الفسيح الرحب الذي يضم كل شبر أرض فيه مسلم يقول: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»
إن العروبة لفظ إن هتفت به فالشرق والضاد والإسلام معناه
أيها الشباب العربي الكريم:
إن الله تبارك وتعالى قد اختار نبيكم لهداية البشر كافة فهو أستاذ الإنسانية وقد بلغكم الرسالة وأدى إليكم الأمانة وترككم من بعده لتتموا ما بدأ به فأنتم أساتذة الإنسانية من بعده، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: ١٤٣)
فاذكروا دائمًا أنكم ورثة رسول الله وورثة الغر الميامين من بعده من صحابته:
من الرجال المصابيح الذين همو كأنهم من نجوم حية صنعوا
أخلاقهم نورهم من أي ناحية أقبلت تنظر في أخلاقهم سطعوا
فاقتدوا بهم وسيروا على إثرهم وجددوا ميراثهم، وأحيوا مجدهم، واعلموا أن الله من ورائكم في مصر شباب وحد بين قلبه وقلبكم الأمل والألم، يشعر بشعوركم، ويحس بإحساسكم، ويضم جهوده إلى جهودكم بقلبه وجوارحه ويعاهدكم أن يكون معكم في جهادكم، فإما الغاية وإما الموت النبيل في النهاية.
عهود كتبنا عقدها في ضمائر على الصدق يطويها الوفاء وينشر
والسلام عليكم ورحمة الله.