; المجتمع التربوي (1356) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1356)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999

مشاهدات 75

نشر في العدد 1356

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 29-يونيو-1999

وقفة تربوية

عزة المؤمن

كلما سأل الإنسان الإنسان وترك سؤال الله، قلت عزته وكرامته، حتى يبقى حقيرًا لا عزة له ولا كرامة، وتقل هيبته بين الناس، فينزع الله أثر كلمته على الآخرين. 

وكلما استغنى الإنسان عن الآخرين، واتصل برب العالمين زادت كرامته وعزته، وهيبته بين الناس حتى تكون لكلماته الأثر العظيم في قلوب الآخرين لعلمهم بأنه غير محتاج إليهم، وبأنه يقولها مجردة من أي مصلحة بعيدة أو قريبة. 

فمما جاء في ترجمة التابعي الجليل سالم بن عبد الله ابن عمر -رضي الله عنهم- أن الخليفة هشامًا «دخل الكعبة فإذا هو بسالم، فقال له: سلني حاجة، قال: إني أستحيي من الله أن أسأل في بيته غيره، فلما خرجا قال: الآن سلني حاجة، فقال له سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا، قال: ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟» «سير أعلام النبلاء: ٤ / ٤٦٦».

ولهذا السبب كان الخلفاء والأمراء، يتحملون نصائحهم ويكون لها وقع كبير في قلوبهم.

    أبو خلاد

مدينة الرسول ﷺ

لها ٩٤ اسمًا وورد ذكرها في القرآن باسم «المدينة» ٤ مرات.

  • خير الأمصار منطلق الإسلام، أرض الهجرة ومثوى الحلال والحرام

  • يأرز إليها الإيمان، تنفي خبث الناس، وعاش فيها أفاضل الأمة وكبار الصحابة

  • أحاديث نبوية كثيرة تدل على فضلها وترغب في سكناها والموت بها

بقلم: محمود عبد الهادي المرسي

المدينة في اللغة: هي الحصن الذي يبني وسط الأرض، وهو مأخوذ من مدن بالمكان أي أقام به، ثم صار هذا الاسم علمًا على بلدة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هاجر إليها، ودفن فيها؛ تعظيمًا لها، وزيادة في قدرها؛ لأنها صارت حصنًا للإسلام والمسلمين، ودار مقام للرسول الأمين، وأصحابه أجمعين.

ورد تسميتها في القرآن العظيم بهذا الاسم في أربع آيات هي:

  1. ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ﴾ (التوبة: 101).

  2. ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ﴾ (التوبة: 120).

  3. ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ (الأحزاب: 60).

  4. ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8).

وإذا كانت كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، فقد أكثر مؤرخو المدينة من تعداد أسمائها حتى ذكر السمهودي سيد مؤرخي المدينة المنورة أربعة وتسعين اسمًا (۱) فهي أكثر البلاد أسماءً، وأطهرها أرضًا، وأصفاها سماءً، وكل اسم لها يحمل صفة إيمانية. ومن أبرز أسمائها:

  1. طابة: وهو الاسم الذي اختاره الرسول ﷺ لها بدلًا من يثرب الذي كانت تسمى به في الجاهلية: فكره رسول الله ﷺ تسميتها به لأن يثرب مأخوذة من الثرب وهو الفساد، أو من التشريب وهو التوبيخ والملامة، أما تسمية المدينة باسم يثرب في القرآن في قوله تعالى ﴿ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ﴾ (الأحزاب: 13) فقد جاء على لسان بعض المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وقيل إن يثرب اسم لرجل من أحفاد نوح -عليه السلام- وأنه هو الذي أسس هذه البلدة فسميت باسمه، وهو يثرب بن عبيل بن عوض بن إرم بن سام بن نوح (۲) 

  2. طيبة: لطيبها وحلول الطيب صلى الله عليه وسلم بها، ويرحم الله القائل: 

إذا لم نطب في طيبة عند طيب

                          به طيبة طابت فأين نطيبُ؟

  1. الحبيبة: لحب رسول الله ﷺ لها، كما أنها محببة كذلك لجميع المسلمين، تتعلق بها قلوبهم. 

  2. المحفوظة: لأن الله حفظها من الطاعون والدجال، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال» (۳). 

  3. مأرز الإيمان: لأن الرسول الله ﷺ قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها (٤). 

  4. دار الهجرة: لأنها مهاجر رسول الله ﷺ.

الدار: لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (الحشر: 9).

ومنها: المجبورة، والعذراء، والمرحومة، والمسكينة، والجابرة، والقاصمة، وغير ذلك من الأسماء التي ذكرت في كتب التاريخ والحديث. 

حرم المدينة وحدودها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: المدينة حرم فمن أحدث فيها أو أوي محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف (٥). 

وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم له أنه قال: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور» (٦).

وفي حديث آخر: المدينة حرم بين لابتيها (۷).

 وهذان الحديثان وغيرهما حددا حدود المدينة من الجهات الأربع، فيحدها من الجنوب جبل عير، ومن الشمال جبل ثور، ومن الشرق الحرة الشرقية، وهي إحدى اللابتين، ومن الغرب الحرة الغربية، وهي اللابة الأخرى.

وللمدينة شوق زائد وود فائض في قلوب المؤمنين فهي مهوى القلوب، ومحط الأفئدة للصالحين، وكل مؤمن له من نفسه سائق إلى المدينة لحبه للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 رسول الله حبك لي شفاء 

             وروضتك التي فيها الضياء

ومن يأتي إليك ينال خيرًا   

           وتصحبه المسرة والهناء

وقد زاد المدينة شرفًا الأحاديث النبوية الكثيرة التي تدل على فضلها، وترغب في سكناها والموت بها، وتحذر من إيذاء أهلها وتبين حرمتها، ولم لا وهي قبة الإسلام ودار الإيمان، وأرض الهجرة، ومثوى الحلال والحرام ومنطلق الدعوة إلى الله، ومهبط الملائكة المقربين، ومنزل الروح الأمين، فهي خير الأمصار وبلد الأنصار، ومثوى المهاجرين الأبرار.

 فالمدينة لا يأتيها إلا مؤمن يسوقه إليها إيمانه ومحبته للرسول (۸)، يأرز إليها الإيمان، وتنفي خبث الناس وهي بقعة مقدسة، وأرض طاهرة غير مدنسة نادت رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث شاء الله لها أن تستقبل النبوة، وأن تنصر الدعوة، وأن تقيم القبلة، وأن تحظى بالثناء من الله فلا غرو أن يكون لسان حالها قول الشاعر:

أنا المدينة من في الكون يجهلني؟

        ومن تراه يرى عيني وما شغلا

فتحت قلبي لخير الخلق قاطبة 

             فلم يفارقه يومًا منذ أن دخلا

 المجاورة: من أجل النعم الإقامة بالمدينة المنورة.

وحسبنا ما جاء في سنن ابن ماجه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا بخير يتعلمه أو يعمله فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء بغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره».

ومسجد رسول الله: هو مدرسة الإسلام الأولى في كل شيء، ومنطلق الدعوة إلى سائر الأقطار والأمصار، انطلقت منه الجيوش لرفع الظلم وتعليم العلم، أسسه رسول الله على التقوى من أول يوم، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: «هو مسجدي هذا» (۹) وحسبنا كذلك قول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (۱۰).[1]

ويشمل المسجد التوسعة أو الزيادة التي حدثت له من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى الآن، لأن الزيادة تأخذ حكم الأصل في الأحكام، فقد ذكر ابن النجار بسنده عن ابن عمر قال: زاد عمر ابن الخطاب في المسجد، وقال: لو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ

وبالمسجد تقع الروضة الشريفة وهي من رياض الجنة.. ويتضرع فيها الإنسان إلى الله عز وجل، ويدعو فيها فلا يرد له دعاء، ويتطلع من خلالها إلى قبر سيد الأنبياء، عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» (۱۱).

 فهنيئًا لمن أحسن جوار المختار في مدينة الأنوار والخلود، نادى حقوقها، وصلى بهذا المسجد الشريف، وصبر على ما جده من منغصات ومكدرات واحتسب أجره على الله.

وكما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوانها وجهدها إلا كنت شفيعًا له أو شهيدًا يوم القيامة (۱۲).

الموت بالمدينة: جاء في صحيح ابن حبان والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ل: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل فإني أشهد لمن مات بها»، وفي رواية للبيهقي: من استطاع منكم أن يموت بالمدينة لميت فإنه من مات بالمدينة شفعت له يوم القيامة» (۱۳).

 وقد تمنى الفاروق عمر أن يموت بها، روى البخاري -رحمه الله- عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك» (١٤)، في حديث يحيى بن سعيد أن رسول الله قال: «ما على الأرض بقعة أحب إلي من أن يكون قبري بها منها ثلاث مرات». (١٥)[2]

خصائص المدينة: هذه هي مدينة رسول الله ﷺ أحب البلاد إلى الله التي اختارها -سبحانه- لتكون سكنًا لرسوله ﷺ ، ومقرًا لأفضل خلقه، وفيها البقعة المباركة التي تحتضن جسد النبي ﷺ وتفضل سائر بقاع الأرض، وهي مدينة مباركة، كذلك دعا رسول الله ﷺ له لها ولأهلها بالبركة، وفي الحديث الصحيح: «إني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة»، وبلفظ آخر: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة». 

وكذلك يتميز أهلها بالجود والكرم والخير والنعم، وحسبنا ذلك المشهد الذي تلمسه في شهر رمضان أكثر من مليون مسلم يتلقون الدعوة من الله لزيارة هذه البقعة المقدسة، يتم استضافتهم على مائدة رسول الله ﷺ له أكرم الخلق كل يوم، فمن من ملوك الأرض يستطيع توجيه مثل هذا العدد من الدعوات أو تقديم هذا الكم من الوجبات؟

وكان مالك بن أنس -رضي الله عنه- يقول: بها خيار الناس بعد رسول الله ﷺ، كما شرفها الله بذكرها في تنزيله بالاسم والإشارة، وفيها أفاضل الأمة وكبار الصحابة الذين هم خير القرون، كما أنها مدفن كثير من شهداء الإسلام، وتم فتحها بالقرآن، ومنها سطع نور الإسلام، وفتح بها البلاد، ويبعث منها أشراف هذه الأمة يوم القيامة، كذلك جعلها الله محببة إلى رسوله ومصطفاه ﷺ، فكان يشتاق إليها كلما خرج منها.

ويبعث الله من بقيعها سبعون ألفًا، وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب.

كما أن الرسول الله ﷺ يشفع لأهلها ممن صبر على لأوائها وشدائدها، ويستجاب الدعاء بالأماكن المفضلة فيها كالروضة الشريفة إحدى رياض الجنة.

والمدينة تنفي الذنوب وتحرسها الملائكة، فلا يدخلها الطاعون ولا الدجال، وجعل الله البركة والشفاء في ثمارها، وبها مسجد قباء: «من صلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة» (١٦).

وحسبنا أن فيها سيد الخلق، وحبيب الحق، محور مكارم الأخلاق الذي منح أكبر شهادة من عالم الغيب والشهادة سجلت في القرآن الكريم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).

أشاد ربي به في سورة القلم  

       بأن أخلاقه في غاية العظم

 المصطفى من عباد الله قاطبة 

       وسيد الخلق من عرب ومن عجم

وبعد: فإن أعظم قيمة في الحياة هي الحب، ولقد أحببت مدينة رسول الله حبًّا جمًّا، ولعلي أردد دائمًا قول إقبال يرحمه الله:

مدينة رسول الله تحلو لناظري

     فلا تعذلوني إن فتنت بها عشقًا

فاللهم حبب إلينا ما كان محببًا إلى رسولك الكريم، وأكرمنا بشفاعته ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: ٨٨- ٨٩).

الهوامش 

  1. وفاء الوفاء للسمهودي: 1/ 8-27 

  2. وفاء الوفاء: 1 / 156- 157 

  3. صحيح مسلم: 2/ 1005 

  4. صحيح البخاري: 3/ 19 

  5. صحيح مسلم: 2/ 999

  6. مسلم: 2/ 993 

  7. شرح مسلم للنووي: 9: 135، واللبتان أي الحرقان، والحرة هي الأرض التي تعلوها حجارة سوداء تمسي لأية 

  8. عمدة القارئ: 8: 430

[1](9) منهاج السنة النبوية: ٧٤٧

(10) جامع الأصول: ۱۰/ ۱۸۲، ومسلم: ۱۰۱۲/۲

(11) مسند البزار ١/ ١٤٤ رقم ٧٣ وغيره.

(12) مسند أحمد: ۱/ ۱۱۱ 

(13) الترغيب والترهيب ٢ ٢٢٣

(14) صحيح البخاري: ٣/٢١، ٣/٢٠ رواه أحمد والحاكم.

(15) جامع الأصول ۲۰۱/۱۰

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 340

115

الثلاثاء 08-مارس-1977

من شذرات القلم

نشر في العدد 393

108

الثلاثاء 04-أبريل-1978

من قبل الطوفان