العنوان قبسات تربوية.. أدب المعلم وحرصه على نقل الخير
الكاتب محمد الجاهوش
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1995
مشاهدات 93
نشر في العدد 1143
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 28-مارس-1995
قبسات تربوية
أدب المعلم وحرصه على نقل الخير
· المربي الناجح يشخص الداء ويبرز معالمه ويضع العلاج
ويحسن تقديمه
روى الإمام أبو نعيم بسنده إلى أبي الدرداء أنه
قال: يا أهل دمشق، أنتم الإخوان في الدين والجيران في الدار، والأنصار على
الأعداء، فما يمنعكم من مودتي؟ وإنما مؤنتي على غيركم ما لي أرى علماءكم يذهبون؟
وجهالكم لا يتعلمون وأراكم قد أقبلتم على ما تكفل لكم به وتركتم ما أمرتم به ألا
إن أقواما بنوا شديدا، وجمعوا كثيرا، وأملوا بعيدا، فأصبح بنيانهم قبورا، وأملهم غرورا،
وجمعهم بورا، ألا فتعلموا وعلموا فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء، ولا خير في
الناس بعدهما. (حلية الأولياء: 1/213)
رغم انقضاء القرون وتوالي الأزمان، فسيبقى رجال
الرعيل الأول معلمي الأمة، وهداة الركب.
كرامة خصهم الله تعالى بها، حيث وردوا النبع صافيا،
وشربوا منه عللا بعد نهل، فَبَلَّ صداهم، وروى ظمأهم، وأنار قلوبهم، ثم أهداهم
للدنيا معلمين ومربين، فطلعوا في دجنتها كواكب نيرات، وماجوا في صحرائها أبحُر
خيرٍ زاخرات، أناروا للسابلة معالم السبيل، وأنقذوا الحيارى من تيه الغفلة
والضياع، فمضى الركب راشدا، يحمل الإسلام نورا وحضارة، ويبنِي - على هداه - ساميات
النفوس قبل منيعات الحصون، ويستبدل بمفاهيم الجاهلية قيم العقيدة والإيمان، فأخذ
من الدنيا وأعطاها:
فضل الإسلام
خلصها من الطغاة الجبارين، وأعطاها الرحماء
المؤمنين، طهرها من الحقد والبغضاء، وأعطاها الحب والإخاء، نقاها من الشرور
والآثام، ومنحها الخير والوئام، أزال الانحراف والفجور، وأعطاها الطهر والعفاف،
نفى عنها الحروب المدمرة، والغزو والسلب وأعطاها المحبة والسلام والعدل والرحمة،
فنعم الناس بكرامة العيش في ظلال القرآن متراحمين متباذلين، متناصفين مؤثرين
متناصحين لا يدخرون جهدا في نشر الإسلام وتبليغ رسالته.
وأبو الدرداء - حكيم الأمة - واحد من المجاهدين
المربين الذين وقفوا عمرهم على تعليم القرآن وتلقينه لأبناء الإسلام، وكانت له في
الشام مجالس مشهودة، ومواقف محمودة، فنِي الزمان ومحيت العصور ولا تزال مجالسه
نبراس هداية ومعلم رشاد.
دروس في التربية
وتأمل - أخي - أدب المعلم، وحذقه، وصدق عاطفته،
وحرصه على نقل الخير وقبوله، لقد بدأ خطاب مستمعيه بأحب صفة يلتقي عليها المؤمنون
أنتم الإخوان في الدين.
ومقتضى الأخوة الحب والمودة، وبذل النصح، ودفع
الأذى، وتقديم العون.
إنه يقول لهم لا تجفلوا مني، فأنا أخوكم، لن
أُسمعكم إلا ما فيه خيركم، ولن أدعوكم إلا إلى ما ينجيكم، إنكم إخواني وذلك من
حقكم علي.
ثم إنكم جيراني وهذا يرتب لكم حقا ثانيا، حقا أوصى
الله به، وأعلى المصطفى صلى الله عليه وسلم من شأنه وقدمه على حق القرابة في كثير
من الأحيان «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» كما حذر من أذيته
والإساءة إليه، فليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه.
ثم أنتم الأنصار على الأعداء: فكيف يتناصر
المتباعدون؟ إن النصر مقرون بصدق الإخاء وحسن الجوار والتقاء القلوب على كلمة سواء
ولا يتأتى شيء من ذلك إلا إذا صفا الودُّ، وجلس الإخوان بعضهم إلى بعض يدرسون
واقعهم، وإمكاناتهم، ويرتبون أوضاعهم بناء على ما يكتشفون من معطيات.
﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا﴾
خلق قديم في الناس أن ينفروا ممن يرزؤهم أموالهم أو
شيئا منها، ولذلك نزل الوحي يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصارح قومه بأنه لا
يطمع في أموالهم، ولا يطمح إلى شيء مما في أيديهم ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى
اللَّهُۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًاۖ إِنْ
هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 90)
ونفى عنه سبحانه ذلك ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ
مِنْ أَجْرٍۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (يوسف: 104)
ومن هذه المشكاة أخذ أبو الدرداء فأعلم مستمعيه أن
مؤنته على غيرهم، فما من غاية سوی محض النصح، وإخلاص الود، وصدق الإخاء.
هذا التمهيد وما فيه من المرغبات كفيل أن يستميل
القلوب والأسماع، فإذا ما أنس المربي أن وسائله آتت أكلها، نشر ما في جعبته، وألقى
على المستمعين ما يريد من أمر ونهى، أو نصح وإرشاد، وطرح ما يراه من حلول
للمشكلات، وما يعتبره علاجا للأمراض.
المرض الذي عالجه حكيم الأمة
لقد عالج نوعين من الأمراض، وهي أمراض قديمة حديثة:
الأول: إهمال العلوم الشرعية، وعدم العناية
بتحصيلها، لاسيما علوم الكتاب والسنة.
الثاني: الإقبال على زهرة الحياة الدنيا وزخرفها،
وصرف الأوقات في كسبها وتحصيلها.
وغير خاف أن مثل هذا النوع من الاهتمام يكون على
حساب إتقان الواجبات، وأداء الفرائض بالصورة المُرضية.
بصر نافذ
لم يكتفِ أبو الدرداء- وكذلك شأن المربي الحكيم -
بتشخيص الداء، وإبراز معالمه، بل تعمق في العلاج حتى لامس شغاف القلوب ومس لب
العقيدة، وأصل الإيمان.
قد أقبلتم على ما تكفل الله به وصرفتم أوقاتكم في
تحصيل الحاصل، لأن الرزق قدر محتوم وكتاب سابق ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا
تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات: 22) فلن تموت نفس حتى تستوفيَ رزقها وأجلها، ففيم التسابق
والتنافس وعلام الخشية والأسَى؟
إن العاقل من يقيم أمره على سنن القصد والرشاد،
ويزن عمله بميزان الإسلام حيث لا إفراط ولا تفريط.
ضرب المثال أبلغ من المقال
لم يلق أبو الدرداء كلامه غفلا عن الحجة أو البرهان
شأن من يريد تسجيل موقف أو إبراء ذمة لا إنه أولا وقبل كل شيء داعية إلى الله
تعالى فإذا كان من واجب الداعية الدعوة والإبلاغ، فمن واجبه كذلك اتباع الوسائل
التي يعتقد نجاحها وإسهامها في تحقيق المطلوب.
وضرب المثل المحسوس - كان وسيبقى- من أقوى أسباب
تحريك القلوب الغافلة والنفوس اللاهية وإيقاظها للتبصر والاعتبار ولولا ذلك ما كثر
وروده في الكتاب الكريم وسنة نبينا العظيم صلى الله عليه وسلم.
فلا عجب أن ينهل أبو الدرداء - وهو حكيم الأمة - من
منهلهما، ويهتدي بهديهما، لقد انتزع من واقع الناس وما يشاهدون ما يجعلهم موقنين
بصدق كلامه وشدة حرصه على نجاتهم وسلامتهم، وليس أبلغ في التأثير من المشاهدة
والعيان، إنها حقيقة اليقين التي لا تدفع ولا يملك المرء إزاءها إلا الإذعان
والتسليم.
(لقد سبقكم أقوام، بنَوْا شديدا، وجمعوا كثيرا،
وأملوا بعيدا، فماذا كانت نهاية ذلك كله لقد أصبح بنيانهم قبورا، وأملهم غرورا
وجمعهم بورا!).
المساكن سكنت والآمال قبرت والأموال وزعت خرجوا من
الدنيا فُرادي - كما خلقوا أول مرة - وتركوا ما خوَّلوا وراء ظهورهم للوراث
المهنأة، وعليهم الإثم والمرزأة.
وهذا شأن من يترك ما أمر به ويُقبل على ما ضمن له
خالقه - عز وجل ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا
وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَاۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (هود:
6)
الجهل سبب الغفلة
لا يحسن بالمربي الحكيم أن يكتفي بتشخيص الداء وضرب
الأمثال ويترك الناس بعد ذلك يضربون في متاهات التماس العلاج، يصيبونه مرة ويخطئون
مرات.. إن إنجاح العملية التربوية يقتضي إسهامه في وصف العلاج، وتوجيه الأنظار إلى
أهميته، وخطورة تركه.
وهنا نجد أبا الدرداء - رضي الله عنه - قد وصف
الدواء وحث على تعاطيه.. ألا فتعلموا ففي العلم شفاء من الجهل، وتبصير من العمى،
وإنقاذ من الضلال، والعالم والمتعلم في الأجر سواء، ولا خير في الناس بعدهما.
هذه طريق سلف الأمة في بناء النفوس وتربية القلوب،
نعرضها للدعاة -في عصرنا - عساهم يقتبسون من سناها، ويفيدون من أسلوبها، ويهتدون
بهداها، ففيها الفوز والصلاح، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
ولسوف يجهد السير قوافلنا ما دام الحُداة معرضين عن الحداء القديم، غير مولِّين وجوههم شطر البيت العتيق ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل