العنوان المجتمع التربوي (1199)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مايو-1996
مشاهدات 84
نشر في العدد 1199
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 14-مايو-1996
• وقفة تربوية
• لحن الأفعال ولحن المقال
قال الإمام ابن الجوزي:
«حضر بعض النحوية في مجلس بن سمعون الواعظ، وكان من الزهاد، فكأن النحوي أخذ على الشيخ لحنًا في لسانه، وغلطًا في كلامه، فانقطع عنه النحوي، ولم يأت إلى مجلسه، فكتب إليه ابن سمعون: مالي أراك من الإعجاب «أي بنفسك» رضيت أن تقف دون الباب، أما سمعت رسالة بعض العارفين إلى بعض المتأدبين كتبت إلى من اعتمد على ضبط أقواله، ولحن في أفعاله أنك رفعت وخفضت وجزمت ونصبت وانقطعت، ألا رفعت إلى الله جميع الحاجات، ألا خفضت صوتك عن المنكرات، ألا جزمت نفسك عن الشهوات، ألا نصبت بين عينيك ميراث الممات، أما علمت أنه لا يقال غدًا للعبد لم لم تكن معربًا، وإنما يقال له لم كنت مذنبًا؟ يا هذا ليس المرغوب الفصاحة في المقال وإنما الفصاحة في الأفعال، ولو كانت الفصاحة محمودة في المقال دون الأفعال لكان هارون أولى بالرسالة من موسى -عليه السلام- قال تعالى إخبارًا عن قول موسى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ (القصص: 34)، فجعلت الرسالة لموسى لفصاحة أفعاله والله أعلم حيث يجعل رسالته «بحر الدموع 170».
لم يعن ابن سمعون كما قد يظن البعض إهمال الفصاحة بالأقوال، وأنها غير مطلوبة، إنما أراد أن يوصل رسالة لأتباعه عن طريق رسالته لذلك النحوي، بأن الاهتمام بالأفعال هو الغاية المطلوبة، وهو الذي سنسأل عنه يوم القيامة، وتنقية أفعالنا من اللحن هو المقدم على كل أمر، وكل معصية صغرت أم كبرت لحن في لغة أفعالنا تشوهها وتنقصها في عين الله، وقد يزداد اللحن حتى ترفض تمامًا فلا تقبل عند الله، وأعظم اللحن في أفعالنا ما كان لغير الله، وما كان على غير السنة.
أبو خلاد
• وقفات مع وَفْد «تُجيب»
بقلم: نبيل حامد المعاز
كم في تراثنا من كنوز تحتاج إلى من يستخرج مكنونها ويجليها للناس، وخذ بعد ذلك من الخير ما تشاء، وحديثنا اليوم عن وفد من الوفود التي قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وسنروي خبره أولًا، وبعد ذلك نحاول -بعون الله وتوفيقه- أن نستخرج منه بعض الفوائد والعبر.
روت بعض كتب السيرة (1) أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وقد تجيب (2) وهم من السكون ثلاثة عشر رجلًا قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وأكرم منزلهم. وقالوا: يا رسول الله سقنا إليك حق الله في أموالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوها فاقسموها على فقرائكم قالوا يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا، فقال أبو بكر: يا رسول الله ما وفد من العرب بمثل ما وقد به هذا الحي من تجيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الهدى بيد الله -عز وجل- فمن أراد به خيرًا شرح صدره للإيمان»، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن فازداد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم رغبة، وأمر بلالًا أن يحسن ضيافتهم، فأقاموا أيامًا ولم يطيلوا اللبث، فقيل لهم: ما يعجلكم؟ فقالوا: نرجع إلى من ورانا فتخبرهم برؤيتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكلامنا إياه وما رد علينا، ثم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونه فأرسل إليهم بلالًا فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود، قال: هل بقي منكم أحد؟ قالوا: نعم غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثنا سنًا، قال: أرسلوه إلينا، فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقض حاجتك منه، فإنا قد قضينا حوائجنا منه وودعناه، فأقبل الغلام حتى أتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني امرؤ من بني أبذى -يقول من الرهط الذين أتوك أنفًا- فقضيت حوائجهم فاقض حاجتي يا رسول الله، قال: وما حاجتك؟ قال: إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي -وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام و ساقوا ما ساقوا من صدقاتهم- وإني والله ما أعلمني من بلادي إلا أن تسأل الله -عز وجل- أن يغفر لي ويرحمني وأن يجعل غناي في قلبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وأقبل إلى الغلام- اللهم أغفر له وأرحمه وأجعل غناه في قلبه، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم بمني سنة عشر، فقالوا: نحن بنو أبذى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل الغلام الذي أتاني معكم؟ قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأينا مثله قط ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله إني لأرجو أن يموت جميعًا، فقال رجل منهم أوليس يموت الرجل جميعًا يا رسول الله؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية فلا يبالي الله -عز وجل- في أيها هلك، قالوا: فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا وأقنعه بما رزق، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع من رجع من أهل اليمن قام في قومه فذكرهم الله والإسلام فلم يرجع منهم أحد، وجعل أبو بكر الصديق يسأل عنه حتى بلغه حاله وما قام به فكتب إلى زياد بن لبيد يوصيه به خيرًا.
من خلال هذه الصورة نستطيع أن نقف عدة وقفات مع وفد «تجيب» من أهمها:
1 - أول ما يلاحظ أن هذا الوفد قد قدموا من بلاد بعيدة وتجشموا المشاق لطلب العلم والهداية وساقوا معهم زكاة أموالهم، وهكذا الإيمان الحي لا بد له من دليل ملموس يبرهن على صدق صاحبه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: 15) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان» (3) أي برهان على إيمان المتصدق.
2 - وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ردوها فاقسموها على فقرائكم»، إشارة إلى سمو دعوة الإسلام وأنها دعوة هداية لا جباية، وهذا ما قاله عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه لأحد ولاته لما شكا إليه قلة الموارد لكثرة دخول أهل الذمة في الإسلام فقال له: إن الله -عز وجل- بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا!.
3 - وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الهدى بيد الله عز وجل....» تنبيه لكل من حالفه توفيق إلى أن ذلك بفضل الله ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: 53) فليشكر الله على ما أنعم به عليه ولا يغتر عمله، قال موسى عليه السلام يا رب إن أنا صليت فمن قبلك -أي بتوفيقك- وإن أنا تصدقت فمن قبلك، وإن أنا بلغت دعوتك فمن قبلك فكيف أشكرك؟ قال: الآن شكرتني، أي يوم أن تعرف أن ذلك بفضلي فقد أديت شكري.
4 - وفي حرص هذا الوفد على التعلم تأكيد للحقيقة المعروفة وهي أن العلم قبل القول والعمل ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (محمد: 19) فلا بد من التأصيل الشرعي لكل أعمالنا حتى تكون مرشدة صحيحة إن شاء الله.
5 - ومن الفوائد الجليلة أن هذا الوفد -مع حداثة إسلامهم- لم يطيلوا المكث مع الحبيب صلى الله عليه وسلم وتعجلوا العودة إلى أهليهم ليقوموا بحق المسئولية وواجب الدعوة والتبليغ، وهذه لفتة عظيمة وجدناها في سيرة كثير من الصحابة حيث كانوا يسمعون كلمات موجزة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نرى حرارة الإيمان وجذوة الشعور بالمسئولية تلتهب في نفوسهم فينطلقون ناشرين لدعوة الله، فهذا الصديق رضي الله عنه يسلم فيذهب في منتصف الليل إلى بلال ليدعوه للإسلام، فيقول له بلال: يا أبا بكر هلا انتظرت إلى الصباح فتأتيني؟ فيقول له أبو بكر أو تضمن لي أن أعيش إلى الصباح؟!
وهذا الطفيل بن عمرو الدوسي -رضي الله عنه- يسلم فلا يهنأ حتى تسلم قبيلته دوس، بل الأعجب من ذلك وقد الجن إذ أنصتوا للقرآن الكريم ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إلىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ (سورة الأحقاف: 29) وتروي الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قرأ عليهم ولا رآهم ولم يعرف بخبرهم حتى نزل الوحي (4) ومعنى هذا أنهم فهموا مقتضيات الإسلام من تلقاء أنفسهم من غير توجيه ولا أمر، فيا حسرة على كثير من المسلمين الذين يذهلون عن أبنائهم وزوجاتهم دع عنك الأقربين أو عموم الناس.
وفي طلب النبي صلى الله عليه وسلم للغلام الذي يحرس الرحال خلف الوفد دليل على أن أي عمل في قافلة الدعوة -ولو كان قليل الشأن- يؤجر صاحبه -إن صدقت نيته- مثل من يقوم بأعظم الأمور.
7 - وفي رد الغلام على النبي صلى الله عليه وسلم أدب عال حيث لم يتهم قومه عندما نزه نفسه عن الحاجة إلى الدنيا فقال: «وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام».
8 - وفي أمنية الغلام وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم دليل أن مغفرة الله ورحمته والرضا والقناعة خير مطلب يسعى إليه المؤمن: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 58).
9 - وفي إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم للغلام مثل ما أعطى أصحابه دليل على أن من يطلب الآخرة لن تفوته الدنيا، وهذه حقيقة لها أدلة كثيرة.
10 - وفي سؤال قائد الدعوة وصاحب المسئولية الجسيمة -وكذلك خليفته من بعده- عن هذا الغلام تنبيه لكل ذي مسئولية أن يتفقد أصحابه بالسؤال والرعاية، وفيه دليل على وجوب الاهتمام بأصحاب المواهب والمتميزين، فهذا الغلام كان ذا شأن وسيكون له شأن إن شاء الله حيث سيرتد بعض أهل اليمن فيقوم بواجب الدعوة والتذكير فلا يرتد من قومه أحد.
11 - وفي ختام المطاف يرجو له النبي صلى الله عليه وسلم منزلة عظيمة ألا وهي أن يجمع الله عليه أمره وقلبه ويصرفه لطاعته فيموت وهو في وادي الله وفي طريق الآخرة، على حين تختلف غايات الناس وهمومهم وتتوزع في أودية الدنيا بين المال والبنين والنساء والمنصب والجاه وغير ذلك من الشهوات والجواذب فيأتي الموت فتستوي جميعًا في الدناءة والهوان على الله.
فما أجمل أن يربط كل منا نفسه في وادي الله حتى يرزقه ميته شريفة في رحابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102).
---------------------------------------
الهوامش:
1 - زاد المعاد لابن القيم جـ 3 ص 650: 652 «تحقيق الأرناؤوط»، كما ورد ذكره مختصرًا في البداية والنهاية لابن كثير جـ 5 ص 84.
2 - تجيب: بضم التاء بطن من كنده باليمن، وكذلك السكون - بفتح السين.
3 - جزء من الحديث الصحيح الذي رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي مالك الأشعري.
4 - انظر فتح القدير للشوكاني جـ 5 ص 303، ولكن ننبه إلى أن هناك مواقف أخرى قابلهم فيها النبي وكلمهم وكلموه.
----------------------------------------
• تعال نؤمن ساعة
العين (1):
إن ذلك الجزء الصغير من الإنسان الذي يسمى بـ «العين» لحري بنا أن نقف مع أنفسنا وقفة تأمل فيه لنرى بديع صنع الله -عز وجل- في الإنسان وعظمة خلقه، فالعين نعمة من نعم الله -عز وجل- عليك أيها الإنسان، فأحسن استغلالها بما يرضي خالقك، وليلهج لسانك بالشكر لهذه النعمة لعلك تؤدي حقها وليكن دعاؤك دائمًا: «اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك» (رواه النسائي وأحمد).
• بلا فخر:
يروى أن أبا قتادة بن النعمان الأنصاري -رضي الله عنه- كان من الرماة المذكورين شهد بدرًا واحدًا، ورميت عينه فسالت على خده فأتى النبي الله صلى الله عليه وسلم وهي في يده فقال: ما هذا يا قتادة؟ قال: هذا ما ترى يا رسول الله فقال له صلى الله عليه وسلم: «إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت رددتها لك ودعوت لك فلم تفقد منها شيئًا» فقال: والله يا رسول إن الجنة لجزاء جزيل وعطاء جليل ولكني مبتلى بحب النساء وأخاف أن يقلن: أعور فلا يردنني ولكن أحب أن تردها إلي وتسأل الله لي الجنة، فقال: «افعل ذلك يا قتادة»، ثم أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وأعادها إلى موضعها فعادت أحسن ما كانت إلى أن مات ودعا الله له الجنة صلى الله عليه وسلم..» فدخل عمر ابنه على عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- وهو خليفة فقال له عمر: «من أنت يا فتى فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه *** فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت بأحسن حالها *** فيا حسن ما عين ويا حسن ما رد
فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل إلينا المتوسلون - «بحر الدموع ص 136».
العين الدامعة:
وقفت وأجفاني تفيض دموعها *** وقلبي من خوف القطيعة هائم
وكل مسيء أوبقته ذنوبه *** ذليل حزين مطرق الطرف نادم
أيها المؤمن بربك لا تبخل بدمعة خاشعة مخلصة قد تثقل بها ميزان حسناتك وتنجيك من عذاب ألين، ويقول صلى الله عليه وسلم: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله».
خالد علي الملا
• الرجاء مع العمل والتمني مع الكسل
بقلم: عبد الرحمن اللعبون(*)
(*) كاتب سعودي
الكل يجمع على أن ما يصيبنا من مكدرات وعقوبات إنما هو بسبب الذنوب والمعاصي التي نقترفها: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: 30)، والغرابة الاستمرار في المعاصي واجتراح الذنوب مع قلة التوجه للتوبة مع العلم البين بوجوبها وأثرها، ومع التصور أن هذه الآثام «بسيطة» تضيع مع كثرة الحسنات «إن صح أنها كثيرة» فهذه كلمة وهذا تقصير وذاك إخلال حتى تتكاثر فيهلك المرء، يحكي أن رجلًا كان يمزج الماء باللبن ويبيعه، ثم أتى سيل عظيم أغرق الغنم، فقال الرجل متحسرًا: «تجمعت القطرات حتى صارت سيلًا»، فهكذا الذنوب نذمها ونستعيذ بالله منها ونحن لها مقترفون، ومع التكرار كأننا مصرون ومع التقصير نحن آمنون، فهذا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبو هريرة وأبو الدرداء وأصحابه -عليهم رضوان الله- مع فضلهم كانوا في خشية، ونحن مع نقصاننا نأمن، قيل لابن عباس: «أي الرجل كان عمر..؟ فقال: كان كالطائر الحذر الذي له بكل طريق شرك»، والله -عز وجل- يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: 201) فإلى متى التمادي وعدم التبصر..؟ فالمرض يزداد والمناعة تضعف، قال وهيب بن الورد: «اتق أن تسب إبليس في العلانية وأنت صديقه في السر»، وقال الحسن بن هانئ:
نموت ونبلي غير أن ذنوبنا *** إذا نحن متنا لا تموت ولا تبلى
ألا رب ذي عينين لا تنفعانه *** وما تنفع العينان من قلبه أعمى
والنفس إذا أعطيت من شهواتها ورغباتها ولم يكبح إقبالها على المعاصي فإنها لا تقف عند حد، فتكون مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربًا ازداد ظمأ، ولا يكون عن هذه النفس إلا بقطع تطلعاتها السيئة وتقييدها عن الذل الذي تبتغيه، فيتحقق لها عن الطاعة التي تنعم به فتنال بصفاء القرب من الخير ما لا تناله بسواه، قال جعفر بن محمد: «من نقله الله من ذل المعاصي إلى عز الطاعة أغناه بلا مال وانسه بلا مؤنس، وأعزه بلا عشيرة، ومن تعرف على معرات الذنوب وفعلها، في الهدم والإبعاد عن طريق الحق حتى توصل إلى طريق المهالك، وجب عليه أن يتقيها ولا يتساهل في إتيانها، خاصة إذا كان ممن يدعو إلى الخير وممن يتفكر في العبر التي تمر عليه في حياته وفي المواعظ وأحوال من غير وما هو قائم.
وسلوك الطريق المستقيم على هدى خير المرسلين هو النجاة والفلاح، والعمل الجاد فيما يرضي الله ورسوله يوصل إلى خيري الدنيا والآخرة، ورحمة الله واسعة وفضله عظيم، ونرجو الله أن تكون ممن يشملهم بمنه وكرمه، والله يريد منا أن نعمل أن الرجاء له مكانة في توجهنا إلى الله ابتغاء فضله والركون إلى الرجاء دون عمل ليس هو حقيقة الرجاء بل ما هو إلا غرور، قال ابن الجوزي: «الفرق بين الرجاء والتمني، أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل» فشتان بين الأمرين، وقلة العمل مع المعرفة إذا صاحبها تطلع إلى أعلى المقامات مخالفة للسنن، كمن يمضي في المعاصي ويمني نفسه بالمغفرة، قال الحسن: «إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة، يقول أحدهم إني لأحسن الظن بربي وكذب لو أحسن الظن لأحسن العمل».
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجري على اليبس
ولم يكن هذا سمت السلف عليهم -رحمة الله- الذين كانوا مع إخلاصهم وكثرة أعمالهم يخافون من رد أعمالهم فيسهرون لياليهم ذكرًا وقيامًا ويدمعون أعينهم خوفًا وخشية، فهذا محمد بن المنكدر على كثرة عمله واجتهاده يبكي خوفا أن يكون ممن قال الله تعالى فيهم ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (الزمر: 47)، فمن لم يسترد من العمل الصالح ويكف عن المعاصي فهو على خطر سوء الخاتمة وسوء المنقلب، قال يحيى بن معاذ: «من أعظم الاغترار عند التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل والتمني على الله -عز وجل- مع الإفراط» وهذا حجة الإسلام أبو حامد الغزالي قد صور حالة رآها في زمنه لا تزال متكررة حتى كأنه ينطق عن حالنا فيقول: «ومن العجائب أنا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا وغرسنا واتجرنا وركبنا البحار والبراري وخاطرنا ، وإن أردنا طلب رتبة العلم فقهنا وتعبنا في حفظه وتكراره وسهرنا، ونجتهد في طلب أرزاقنا ولا نثق بضمان الله لنا ولا نجلس في بيوتنا فنقول: اللهم أرزقنا، ثم إذا طمعت أعيننا نحو الملك الدائم قنعنا بأن نقول بألسنتنا: اللهم اغفر لنا وارحمنا، والذى إليه رجاؤنا وبه اعتزازنا ينادينا ويقول: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النجم: 39) ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (فاطر: 5)، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (الانفطار: 6) ثم كل ذلك لا ينبهنا ولا يخرجنا من أودية غرورنا وأمانينا، فما هذه إلا محنة هائلة إن لم يتفضل الله علينا بتوبة نصوح يتداركنا بها ويجيرنا فنسأل الله تعالى أن يتوب علينا، بل نسأله أن يشوق إلى التوبة سرائر قلوبنا، وأن لا يجعل حركة اللسان بسؤال التوبة غاية حظنا فنكون ممن يقول ولا يعمل ويسمع ولا يقبل إذا سمعنا الوعظ بكينا، وإذا جاء وقت العمل بما سمعناه عصينا».
• كلمة إلى الدعاة
وفاء دعوتي
لعلها كلمة قاسية أيها الإخوة ولكنها من الحق، أن تستشهد بها في هذا الموطن يقول صادق لسفيان الثوري -رحمه الله-: «صرنا متجرًا لأبناء الدنيا، يلزمنا أحدهم حتى إذا تعلم جعل قاضيًا أو عاملًا» وهكذا استشهد الداعية الفاضل محمد أحمد الراشد حفظه الله بمن نكروا الفضل وهجروا العشير.
إن كلمة الوفاء لها صدى جميل في النفس المؤمنة الصادقة، بما في هذه النفس من إحساس مرهف ومشاعر نبيلة ووفاء صادق.
وداد وانتماء: الانتماء لهذه الدعوة مصدره الوفاء، فإن حيا القلب به كان الانتماء، وللإمام الشافعي حكم من القول دائمة الإصابة للهدف ويقول -رحمه الله- «الحر من راعى وِداد لحظة، أو انتمى لمن أفاده لفظة»، ويعلق صاحب العوائق «وهذه الدعوة علمتك دهرًا معنى الوداد وفادتك كل الألفاظ لا مجرد لفظة فإن كنت حرًا راعيت ودادها، وأخلصت لها، وابتعدت عن فتن تتربص بها وإن سلبك الانتصار للنفس حريتك فشأنك وما اخترت».
ولفتة مهمة هنا أن الدعوة لن تتوقف على من نكر الجميل فلسان قافلة النور يقول إذا لم تكن بها لن تكون بغيرها وإن لم تكن بك كانت بغيرك.
من حق الدعوة علينا: حقها أن توفي لها شمائل الفضائل التي أسدلتها عليك منذ كنت لا تعرف شيئًا عن دينك ودعوتك إلى أن أصبحت داعية يشار إليك ويسند إليك من الأعمال العظيمة.. فلا يقل العطاء إذا كبرنا ولا ينضب الفداء إذا حزنا الشهادات العالية والمراكز الدنيوية الرفيعة، ولا يقل الوفاء عندما تنادي النفس والهوى بأن الطريق طويل والعمر قصير من حق الدعوة علينا الوفاء لها والعيش من أجلها.
يقول الشاعر:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته *** وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
فالدعوة والداعية أكرموا الكثير فمن كان معدنه صافيًا أعطى من نفسه، ومن كان معدنه زائفًا تمرد وابتعد.
اللهم أكرمنا بالبقاء على عهدك وحبك وحب نبيك وأن تجعلنا من أنصار شريعتك.
خالد عبد الله المسعد