العنوان المجتمع التربوي ( العدد 1303)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1998
مشاهدات 75
نشر في العدد 1303
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 09-يونيو-1998
وقفة تربوية: لا يثقون بأنفسهم
يقول هاريسون إيليون ود. وليم والش في كتابهما «الموسوعة النفسية»: «أعرف رجالًا لا يستطيعون أن ينفردوا في وضع خطة، أو تقرير أو أمر في غير ما توجيه أو مساعدة ممن هم محل ثقتهم، كما أعرف نساء يسوقهن الشعور الباطل إلى أن يسألن أمهاتهن أو من هن في مقام الأمهات عندهن أي ثوب يلبسن، وما الذي يجب أن يعملنه في أمور لا تعدو أن تكون من سفاسف الحياة اليومية، والحق أن فريقًا من النساء يديرون بيوتهن في جو من إرشاد الأم المتواصل.. الأم التي تنهض بالعبء كله، وتأخذ نفسها بالسؤال عن كل صغيرة».
هؤلاء الرجال والنساء نشأوا عادة مدللين ولم يعودهم الآباء والأمهات الاعتماد على أنفسهم، أو اتخاذ القرار في صغيرة وكبيرة، بل كانوا يقررون مكانهم، ويختارون ملابسهم، وطعامهم، وهم الذين يرتبون حجرهم، كما أن الوالدين هما اللذان يقومان بالتدريس، وباختصار لم يعلموهم «المسؤولية» بل تشربوا الاتكالية على الغير في كل شيء، ومثل هؤلاء لا يمكن أن ينجحوا في الحياة، وإذا لم يدركوا هذه الحقيقة، فسيظلون مصدر إزعاج للآخرين ومنبع المشاكل، ويكونون عرضة للمخادعين ولذئاب البشر، وإذا أداروا عملًا فسيفشلون في الإدارة، وإذا تزوجوا فسوف يفشلون في زواجهم.
لا بد للوالدين أن ينتبها لهذا الأمر الخطير، وألّا يقوما بكل شيء للأبناء، وألّا يتركا الخادمة تقوم بكل شيء للأبناء لا بد أن تكون هناك بعض الأعمال التي نعود الأبناء القيام بها، وبخاصة ترتيب الغرفة، والدراسة وشراء الحاجات واتخاذ القرار فيما يريدون لبسه أو أكله أو المواد التي يريدون اختيارها حتى ندربهم على المسؤولية واتخاذ القرار قبل أن نعض إصبع الندم عندما يكبرون.
أبو خلاد
حتى لا تختلط الأوراق
بقلم المستشار مصطفى الشقيري[*]
جعل الإسلام للنفس البشرية حرمة لا تدانيها حرمة أي شيء مقدس، واعتبر الاعتداء عليها بالقتل بمثابة الاعتداء على الناس جميعًا. يقول الله تعالى: ﴿مِن أَجلِ ذلِكَ كَتَبنا عَلى بَني إِسرائيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفسًا بِغَيرِ نَفسٍ أَو فَسادٍ فِي الأَرضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَميعًاَ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ ﴾ (المائدة: ٣٢).
وعن عبد الله بن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول «ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه، وأن نظن به إلا خيرًا» «سنن ابن ماجة- ج ۲ ص ۱۲۹۷» ومما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»، وتنسحب هذه الحرمة على دم غير المسلم أيضًا بغير حق، ولا يوجد مسلم صحيح العقيدة كامل الإيمان يقول بغير ذلك، فضلًا عن أن يعتدي على إنسان بغير حق، وبالتالي فلا يسوغ لأي فرد أو جماعة الزعم بأن حوادث الإرهاب هي من الإسلام في شيء. كما لا يسوغ أيضًا الخلط في الحكم على الأشياء وإثارة الشبهات حول من يلتزم بدينه ويقتفي أثر نبيه، مستندًا في ذلك الالتزام إلى نصوص القرآن والسنة، فلقد تصدى عدد غير قليل من المفكرين وهم يتناولون قضية الإرهاب لظاهرة الالتزام بالدين، وكان في كتاباتهم دعوة صريحة إلى تمييع الكثير من تعاليم الإسلام والافتئات على أحكامه بدعوى محاربة التطرف، وأصبح في نظر هؤلاء الكتاب لا فرق بين مجرم يغتال الأبرياء وبين مسلم يلتزم بدينه على نحو صحيح، لذلك بات أمرًا لازمًا وضروريًا تحديد المفاهيم ووضع الضوابط لتلك المصطلحات التي تتردد الآن في المجتمعات الإسلامية، بل في العالم أجمع مثل الأصولية، والتطرف والتشدد، حتى لا نأخذ البريء بذنب المسيء، ونضع الكل في خندق واحد، وليكن لعلماء الأزهر الثقات الريادة في هذا المجال بما يحملون من علم وفقه بالقرآن والسنة النبوية، وبذلك تنطلق الدعوة الإسلامية ودعاتها في بقاع العالم وهم آمنون من وصمة الإرهاب والتطرف.
فلقد شاع في المجتمعات الإسلامية كلها العديد من مظاهر الانحراف عن دين الإسلام أفرزت دعاة يدعون إلى الالتزام بالإسلام التزامًا كاملًا، ومدعوين يلتزمون ويستجيبون وفريق لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ويرى أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن المجتمعات الإسلامية بأوضاعها الراهنة هي الصورة المثلى للإسلام وأن القول بغير ذلك هو تطرف يجب القضاء عليه واستئصاله، وهذا الفريق بما يملكه من قنوات التعبير هو الأعلى صوتًا مما زاد من حدة الصراع، وتأليب مؤسسات الدولة على الفريق الأول، وإن ظهرت في المجتمعات الإسلامية بعض طوائف من المتشددين في فهم بعض النصوص فكان دعاة الاعتدال سرعان ما يتصدون لهم فيعودون إلى رشدهم، وهذا الاختلاف حول فهم بعض النصوص في مجال الفروع لا يمكن أبدًا أن يفرز إرهابًا أو قتلًا للأبرياء، واستحلالًا للأموال والأعراض، لأن الأصول في الإسلام ثابتة ولا اختلاف حولها من ذلك حرمة الدماء والأموال والأعراض.
وفي اعتقادي أن هذه الحوادث وأمثالها تدبرها جهات معادية للإسلام وأمته، هدفها تشويه صورة الإسلام في أذهان الغرب، والذي بدأت تعاليمه السمحة الواضحة تشرق في قلوب العديد من كبار المفكرين والمثقفين الغربيين فأفزع ذلك من يريدون بالإسلام وأمته شرًا، فدبروا مثل هذه الأحداث لإحداث فتنة في مجتمعاتنا الآمنة المطمئنة وهي تتجه وتقترب نحو دينها بفضل دعاة الاعتدال الذين يتصدون للتطرف والتفريط أيضًا.
إن محاربة الإرهاب والتطرف لن تتأتى إلا بالالتزام بالدين عقيدة راسخة في القلوب وشريعة نافذة في البيت والمجتمع، وحرمات تصان فلا تنتهك، وطهرًا ونقاء في النفوس وحدودًا تأخذ على أيدي العابثين والخارجين والمارقين الذين يهددون الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وبذلك يكون مجتمعنا صورة نقية صافية للإسلام النقي المنزل من عند الله رحمة للعالمين، وبذلك يختفي مثيرو الفتن والمصطادون في الماء العكر، والذين يخلطون الأوراق أيًا كانت هويتهم وانتماءاتهم.
[*] رئيس محكمة الاستئناف مصر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل