العنوان وقفة تربوية - قف.. تمهل.. لا تطلق (٢ من ٣)
الكاتب أبو خلاد
تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1997
مشاهدات 129
نشر في العدد 1267
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 16-سبتمبر-1997
تحدثنا في المقالين السابقين عن الخطوات الست الأولى قبل اتخاذ قرار الطلاق، فلعل تلك الخطوات تكون سببًا في إيقاف هذا القرار، وتعود السعادة ترفرف على عش الزوجين... ونكمل في هذا المقال ما تبقى من خطوات، وهي:
7- إعطاء فرصة للتفكير: ينصح الكثير من الأزواج المختلفين بالانفصال المؤقت، أي ذهاب الزوجة إلى بيت أهلها حتى تهدأ الأمور، ويذهب الغضب، ويحكم العقل فيما يريدان الإقدام عليه، وفي هذه الفترة يتم استشارة أهل العقل والحكمة من الأقارب، ويكثر الطرفان من الدعاء بالتوفيق للخير والاستخارة فيما هما مقدمان عليه.
8- التفكير العميق بمصير الأبناء: لابد للطرفين من عدم إغفال مستقبل الأبناء، فالأم لا تستطيع وحدها متابعة الأبناء وتلبية احتياجاتهم المادية والمعنوية، والمطلق لا يستطيع القيام بواجبه في المتابعة بسبب ظروف الطلاق، مما يؤدي إلى نتائج خطيرة على مستقبل الأبناء الأخلاقي والدراسي، وأعرف بعض الأمهات التي فضلت العيش مظلومة مع زوج لا يعطيها الكثير من الحقوق من أجل أبنائها ومستقبلهم.
9- التفكير العميق بمصير الزوجة: وهذا التفكير مدعوة له الزوجة بصفة خاصة، فعندما نصر على الطلاق لا بد أن تفكر بمصيرها هي، حيث إنها تعيش في مجتمع دائمًا يضع اللوم على الزوجة وليس الزوج، ومن الصعوبة بمكان أن يقبل بزواجها الآخرون، لما يدور حولها من شكوك بسبب الطلاق، وربما تكون بريئة براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام، وكذلك مطلوب من الزوج أن يتقي ربه بهذه المخلوقة التي سيسبب لها كل تلك النتائج السلبية عندما يطلقها .
١0- التفكير بمحاسبة الله تعالى: حيث سيقف كل منا يوم القيامة أمام ربه يسأله عما استرعاه، فالزوج راعٍ والزوجة راعية، وكل منهما مسؤول يوم القيامة فيما ظلم فيه الطرف الآخر، فليتق الله كل من الطرفين، وليعلم أن الظلم حبله قصير، وأن الظالم سيحاسبه الله حسابًا عسيرًا، كما أنه أعطى للمظلوم سلاحًا يستطيع استخدامه متى شاء، وهو الدعاء على الظالم، وأولى للإنسان أن يخرج من هذه الدار مظلومًا على أن يكون ظالمًا.. نسأل الله تعالى الهداية للجميع والتأليف بين القلوب المتنافرة وأن يجمع بينهما على خير .
تعال نؤمن ساعة
أقسام القلوب
لما كان القلب يوصف بالحياة والممات، انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة، القلب الصحيح، والقلب المريض، والقلب الميت.
فالقلب الصحيح: هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سورة الشعراء: 88- 89)، والسليم هو السالم، وقد اختلف الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه القلب الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسول الله.
فالقلب السليم هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى، إرادة، ومحبة، وإنابة، وإخباتًا، وخشية ورجاء وخلص عمله لله فإن أحب، أحب في الله، وإن أبغض، أبغض في الله، وإن أعطى، أعطى لله، وإن منع، منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعقد قلبه معه عقدًا محكمًا على الائتمام والاقتداء به وحده دون سواه في الأقوال والأعمال، من أقوال القلب وهي العائد، وأقوال اللسان، وهي الخبر عما في القلب.
وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهية، وأعمال الجوارح، فيكون الحاكم عليه في ذلك كله صغيره وكبيره هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يجتهد ولا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (سورة الحجرات: 1)، أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟
فالسؤال الأول عن الإخلاص، والثاني عن الاتباع، فإن الله سبحانه وتعالى لا يقبل عملًا إلا بهما، فطريق التخلص من السؤال الأول، هو بتجريد الإخلاص لله تعالى، وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص، وهوى يعارض الاتباع، فهذا حقيقة سلامة القلب الذي ضمن المولى عز وجل له النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة.
القلب الميت: والقلب الميت هو القلب الذي لا حياة فيه، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره، بل على ما يوافق شهواته وهواه، ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه، رضي ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله، حبًّا وخوفًا ورجاء وتعظيمًا وذلًّا، إن أحب، أحب لهواه، وإن أبغض، أبغض لهواه، فهو آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه.
فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه، فهو بالفكر في تحصيل أغراض الدنيا مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور، ويتبع كل شيطان مريد، الدنيا تسخطه وترضيه، والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه فهو في الدنيا كما قيل في ليلى:
عدو من عادت وسلم لأهلها ومن قربت ليلى أحب وأقربا
فمخالطة صاحب هذا القلب سقم، ومعاشرته سم، ومجالسته هلاك.
القلب المريض : قلب له حياة وبه علة، ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص عليها والحسد والكبر، ما هو مادة هلاكه وعطبه، وهو ممتحن بين داعيين: داع يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة، وداع يدعوه إلى العاجلة، وهو إنما يجيب أقربهما من بابه، وأدناهما إلى جوار، فإما إلى السلامة أدنى وإما إلى العطب أدنى.
والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات، وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن البدع والمعاصي، فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد .
الصبر في الأذى.. وعذاب الله للمؤذين (1 من 2)
عن أبي موسى -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس أحد -أو ليس شيء- أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليعافيهم ويرزقهم» (فتح الباري 10/ 511/ 6099 ومسلم بشرح النووي 17/ 146/ 2804).
- عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال قسم النبي الله صلى الله عليه وسلم قسمة -كبعض ما كان يقسم- فقال رجل من الأنصار: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله، قلت: أما لأقولن للنبي صلى الله عليه وسلم فاتيته -وهو في أصحابه- فساررته فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وتغير وجهه وغضب، حتى وددت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: قد أوذي موسی بأکثر من ذلك فصبر (فتح الباري 10/ 511/ 6100)
الدروس والعبر
- إيذاء الرسل والصالحين إيذاء لله: المراد بالأذى في الحديث الأول، أذى رسله وصالحي عباده، لاستحالة تعلق أذى المخلوقين به لكونه صفة نقص، وهو منزه عن كل نقص، ولا يؤخر النقمة قهرًا بل تفضلًا، وتكذيب الرسل في نفي الصاحبة والولد عن الله أذى لهم، فأضيف الأذى لله للمبالغة في الإنكار عليهم والاستعظام لمقالتهم (فتح الباري 13/ 361).
- توضيح من القرآن الكريم: وهذا المعنى يزداد وضوحًا بالوقوف على تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (سورة الأحزاب: 57- 58).
- أ- اختلف العلماء في أذية الله فقال الجمهور من العلماء: معناه الكفر ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه، ووصفه بما لا يليق به كقول اليهود لعنهم الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ (سورة المائدة: ٦٤)، ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (سورة آل عمران: ۱۸۱).
- ب- المراد بأذية رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأما أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي كل ما يؤذيه من الأقوال والأفعال، كقولهم ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وكذاب، وأما فعلهم؛ فكسر رباعيته وشج وجهه يوم أحد، وإلقاء السلى على ظهره وهو ساجد، إلى غير ذلك.
- ج- المراد بأذية المؤمنين: وأذية المؤمنين والمؤمنات هي أيضًا بالأفعال والأقوال القبيحة، كالبهتان والتكذيب الفاحش المختلق، وعن قتادة -رضي الله عنه- قال في الآية: إياكم وأذى المؤمنين، فإن الله يحوطهم، ويغضب لهم (الدر المنثور 5/ 414)، وعن الشعبي -رضي الله عنه- أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: إني لأبغض فلانًا، فقيل للرجل: ما شأن عمر -رضي الله عنه- يبغضك! فلما أكثر القوم في الذكر جاء، فقال: يا عمر أفتقت في الإسلام فتقًا؟ قال: لا، قال: فجنيت جناية؟ قال: لا، قال: أحدثت حدثًا؟ قال: لا، قال: فعلام تبغضني، وقد قال الله: «والذين يؤذون المؤمنين» فقد أذيتني فلا غفرها الله لك، فقال عمر -رضي الله عنه-: صدق والله ما فتق فتقًا، ولا ولا، فاغفرها لي، فلم يزل به حتى غفرها له (مرجع سابق).
- 3. مخالطة مع الصبر أفضل من العزلة: الصبر في الأذى هو حبس النفس عن المجازاة على الأذى قولًا أو فعلًا، وقد يطلق على الحلم، قال بعض أهل العلم: الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله الأنفس على التألم بما يفعل بها ويقال فيها، ولهذا شق على النبي صلى الله عليه وسلم نسبتهم له إلى الجور في القسمة، لكنه حلم عن القائل فصبر لما علم من جزيل ثواب الصابرين، وأن الله تعالى يأجره بغير حساب، والصابر أعظم أجرًا من المنفق، لأن حسنته مضاعفة إلى سبعمائة، والحسنة في الأصل بعشر أمثالها إلا من شاء الله أن يزيده، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه-: «الصوم نصف الصبر» (تحفة الأحوذي 6/ 501/ 3585)، وعن ابن عمر -رضي الله عنه- رفعه «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» (ابن ماجه 2/ 1338/ 4032.)، وهذه المخالطة إنما تكون مع الحذر والمحافظة على أحكام الدين، وعدم التفريط فيها، وفي ذلك يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: «خالط الناس، ودينك لا تكلمنه، والدعابة مع الأهل» (فتح الباري 10/ 526)
- 4. صبر أولو العزم من الرسل: والصبر للداعية فريضة وضرورة، حتى يتمكن من تبليغ دعوته، والقيام بأداء رسالته، وله في رسل الله الأسوة الحسنة، وتأمل معي في سور القرآن الكريم المكية ففي أول السور نزولًا يقول الله تعالى لرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (سورة القلم: ٤٨) ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (سورة المزمل: ۱۰)، وكان رب العالمين يزود نبيه صلى الله عليه وسلم بالزاد الذي لابد منه لكل صاحب رسالة، ولذلك نرى الرسول صلى الله عليه وسلم ما إن ينقل له ما قيل حتى يساعد نفسه على تحمل الأذى بأن ذكرها بشأن نبي الله موسى -عليه السلام- فقال: «قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر»
- 5. كيف كان إيذاء قوم موسى له: قد حكي في صفة أذاهم له ثلاث قصص:
أولها: قولهم هو آدر: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فأذاه من أذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدرة، وإما أفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (سورة الأحزاب: 69) فتح الباري 6/ 436/ 3404.
ثانيها: في قصة موت هارون -عليه السلام- روي أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام: إني متوف هارون، فائت به جبل كذا وكذا.. فانطلقا نحو الجبل، فإذا هم بشجرة وبيت، فيه سرير عليه فرش وريح طيب، فلما نظر هارون -عليه السلام- إلى الجبل والبيت وما فيه أعجبه، قال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير، قال: نم عليه: قال نم معي، فلما ناما أخذ هارون عليه السلام الموت، فلما قبض رفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى -عليه السلام- إلى بني إسرائيل قالوا: قتل هارون -عليه السلام- حسده حب بني إسرائيل له، وكان هارون عليه السلام أكف عنهم، وألين لهم، وكان موسى -عليه السلام- في بعض الغلظة عليهم، فلما بلغه ذلك قال: ويحكم إنه كان أخي، أفتروني أقتله! فلما أكثروا عليه قام يصلي ركعتين، ثم دعا الله، فنزلت الملائكة بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه (الدر المنثور 5/ 420)، وقد ذكرها ابن حجر في الشرح وقال فيها ضعف، ولو ثبت لم يكن فيه ما يمنع أن يكون في الفريقين معًا، لصدق أن كلا منهما أذى موسى فبرأه الله مما قالوا، والله أعلم (فتح الباري 6/ 438).
ثالثها: في قصته مع قارون: حيث أمر البغي أن تزعم أن موسى راودها حتى كان ذلك سبب هلاك قارون (فتح الباري 10/ 511- 512)، أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: كان موسى يقول لبني إسرائيل: إن الله يأمركم بكذا حتى دخل عليهم في أموالهم، فشق ذلك على قارون، فقال لبني إسرائيل: إن موسى يقول: من زنى رجم، فتعالوا نجعل لبغي شيئًا، حتى تقول إن موسى فعل بها، فيرجم، فنستريح منه، ففعلوا ذلك، فلما خطبهم موسى قالوا له: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، فقالوا فقد زنيت، فجزع، فأرسلوا إلى المرأة، فلما جاءت عظم عليها موسى، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل إلا صدقت، فأقرت بالحق، فخر موسى ساجدًا يبكي، فأوحي الله إليه، إني أمرت الأرض أن تطيعك فأمرها بما شئت، فأمرها فخسفت بقارون ومن معه (فتح الباري6/ 448 في الشرح).
مفاهيم دعوية
محنة الحركة الإسلامية.. وميراث الاستعمار
لقد ورثت النخب المتغربة في بلادنا الميراث الاستعماري الذي عمل على تجزئة الأمة الإسلامية واقتسام الامبراطورية العثمانية، وغرس أفكاره العلمانية خاصة بعد إبعاد الشريعة الإسلامية عن مجال الحكم والإدارة والقضاء والتعليم، وعمل أيضًا على غرس روح الحزبية والتعصب للأشخاص وزرع بذور التفرقة بين طوائف الأمة، بخاصة الأقليات الدينية والإثنية «العرقية».
وكانت النتيجة المتوقعة لهذا الغرس هي الحصاد المر الذي ما زلنا نبتلى به حتى يومنا هذا: دولة التسلط والقهر، الدولة البوليسية، هذه الدولة التي مارست شتى صنوف الظلم والقهر ضد الشعوب الإسلامية، خاصة من تصدى لها من طلائع الحركة الإسلامية.
وعاشت الحركة الإسلامية محنة عامة -لم يخل منها قطر من أرجاء الوطن العربي والإسلامي- ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا في كثير من هذه البلدان، وواكب هذه المحنة أبشع عملية لغسيل المخ لأبناء الشعب بواسطة أجهزة الإعلام والثقافة والتعليم، هدفها إبعاد الأمة عن دينها وشريعتها وإلحاقها بركب الغرب في ذيل الأمم.
وظهر هذا الحصاد المر في التدهور المستمر في كافة مناحي الحياة، والتخلف الشديد في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلًا عن الاستبداد السياسي الخانق الذي منع كل صور التعبير عن الرأي، وحرم كل التنظيمات المعارضة، وألقى بزهرة شباب الأمة، وخيرة رجالاتها في غياهب السجون والمعتقلات لفترات طالت حتى وصلت أحيانًا لربع قرن تحت سياط التعذيب وفي ظل أسوأ معاملة امتهنت كرامة الإنسان الذي كرمه الله تعالى وأسجد له ملائكته.
ولم يكن من نتيجة متوقعة لكل ذلك القهر، ومع الدعاية القوية للمذاهب الوضعية من اشتراكية وثورية وقومية إلا ظهور رد فعل عنيف لهذه الدولة البوليسية، وطال رد الفعل هذا، الأفكار التي روجت لها تلك الدول، مثل الوطنية والقومية والاشتراكية وغيرها، وكان عنيفًا دون تمييز، ضد كل الأفكار التي حملتها دولة القهر، لا بوصفها الفكري المجرد، ولكن لأنه أريد لها أن تكون بديلًا عن الإسلام.
وفي ضوء ذلك نستطيع أن نفهم كافة الأدبيات والمؤلفات التي كتبها أبناء وقادة الحركة الإسلامية في ذلك الوقت -والتي ما زالت تعيش بيننا حتى الآن- وكما يقول الأصوليون والفقهاء أن الفتوى تتغير زمانًا ومكانًا وشخصًا، فإن رأي الإسلاميين تغير تجاه فكرة «الوطنية» و«القومية» وساء ظنهم بها خلال سنوات الخمسينيات والستينيات وحتى أواسط السبعينيات.
وكان من الخطأ أن يفصل البعض منا هذه الكتابات عن البيئة التي أفرزتها والمناخ الذي نبتت فيه، ولقد سمعت من الدكتور يوسف القرضاوي -حفظه الله- خلفية كتابته للنشيد المشهور «مسلمون.. مسلمون» الذي كان أغنيتنا المفضلة في حياتنا الجامعية، وكيف أنه كان رد فعل لدعاوى القومية والاشتراكية التي أرادوا لها أن تحل محل الإسلام.
وعندما نقرأ ما كتبه شهيد الإسلام وابن الإخوان وأحد قادتهم الشهيد سيد قطب -رحمه الله- وتقبله مع الشهداء والصديقين في المعالم «معالم في الطريق» أو في الظلال «في ظلال القرآن» أو غيره من مؤلفاته العظيمة، لا بد لنا أن نضبطها بقواعد وأصول الفهم التي أرساها إمامنا الشهيد حسن البنا -رحمه الله- ولا يذهب بنا الأسلوب الأدبي الرائع والروح العاطفية الجياشة التي تموج بها كتابات الشهيد إلى فهم خاطئ -كما فعل بعض الشباب- ينبني عليه أسلوب ومنهج عمل غير سديد بل مدمر في بعض الأحيان، يخرج عن منهج الإخوان وأسلوبهم في الحركة، بينما ظل الشهيد قطب حتى استشهاده عضوًا قياديًّا في جماعة الإخوان موفيًا ببيعته لله رب العالمين.
وقد حاول البعض أن يحلل ويفسر هذا التحول داخل الإخوان خلال هذه الفترة، بإن التحولات الاجتماعية هي التي أخرجت إلى الساحة السياسية فئات لم تعد تجد في الخطاب الإصلاحي الدستوري البرلماني المعبر الحقيقي عن واقعها المسدود الأفق، مما جعل الشهيد قطب يقطع مع مفاهيم مثل «الوطن»، «الأمة»، «الدستور»، وأن يرفض أصول ومقومات الدولة الوطنية، وقد قبلها البنا من قبل وحاول ترجمتها إسلاميًّا، حيث -كما رأينا- لا تنافر عنده بين الارتباط بوطن معين كمصر، وبين الانتماء إلى دار الإسلام، وحاول التوفيق بين المفهوم الوطني لـ «الأمة»، وبين معناها كجامعة إسلامية تقوم على رابطة العقيدة والتضامن، وقبل مفهوم الدستور كقانون أساسي للدولة الوطنية، وعمل فقط على أن تنسجم مبادئه مع المقاصد العامة للشريعة.
وقد رصد الدكتور «علي أومليل» نقاط الاختلاف بين الخطابين في الأمور التالية:
-العلاقة مع المجتمع المحيط.
-الموقف من الدستور المصري.
-الموقف من الممارسة الحزبية السياسية والمشاركة في الانتخابات والبرلمان.
-التربية وغاياتها ووسائلها.
ومع ذلك إلا أن الكاتب يعود ليقرر بوضوح أن هذا الخطاب الذي سماه «القطبي» لم يكن الاتجاه العام للإخوان المسلمين، فيقول:
«فقد عارض المستشار حسن الهضيبي «المرشد العام الثاني للإخوان المسلمين» -رحمه الله- هذه الفكرة عن الحاكمية التي جرت على بعض الألسن وأفرد كتابًا خاصًّا للرد عليها «دعاة لا قضاة»، الكتاب كله رد فقهي على حاكمية قطب، ولولا أنه لا يعينه بالاسم، وإنما يورد رأي «المودودي» في الحاكمية، وأن البعض «وهو يعني قطب» قد توهم أن قائل تلك المقالة يرى استحالة أن يأذن الله تعالى للناس أن يضعوا لأنفسهم بعض التنظيمات أو التشريعات التي تنظم جانبًا من شؤون حياتهم، وهذا فهم خاطئ لم يقله قائل تلك المقالة»، «الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، د. علي أومليل، ص ۱۸۲- ١٨٤».
والحقيقة أن النصوص والكلمات التي يجتزئها البعض من سياق كلام الشهيد سيد قطب ويخرجونها عن الإطار العام لمؤلفات الرجل وحياته وجهاده، وكذلك لا يفهمونها في إطار السياق العام للبيئة السياسية والفكرية السائدة أثناء كتابتها، سواء على المستوى العام أو داخل المعتقلات والسجون، ويقومون ببترها وقطعها عن مجمل حياة وأفكار الشهيد، فإنه يمكن تحميل هذه الكلمات أكثر مما تحتمل، ولذلك عندما قام المستشار حسن الهضيبي -رحمه الله- بتصحيح المفاهيم سرعان ما عاد من التبس عليه الأمر إلى أصول فهم الإخوان المستقرة والثابتة والتي بايع عليها الإخوان المسلمون، وجدير بالذكر أن مجرد القراءة والتنظير لا يغني عن العمل والجهاد المتواصل، والمعايشة الكاملة، والاتصال الوثيق، والحركة الدائبة وفق منهج الإسلام، عندئذ فقط تأتي البحوث لتضع النقاط على الحروف.
ونصيحتي إلى من يقرأ كتابات الشهيد سيد قطب أن يمزج بينها وبين كتابات الإمام الشهيد حسن البنا، وأن يفهم الأولى في إطار القواعد التي أصلتها الثانية حتى لا تزل قدمه ويضل السبيل.
ونصيحتي الثانية إلى من يريد أن يفهم مواقف الإخوان أن يتابع حركتهم الإصلاحية في كافة مجالات المجتمع: سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، فمن خلال هذه الحركة المستمرة التي لا تنقطع والتي تظهر أجلى ما يكون الآن في الأمور التالية:
-مشاركة اجتماعية نشطة لإصلاح المجتمع ومؤسساته المدنية والأهلية.
-مشاركة سياسية دؤوبة في كل انتخابات من خلال البرلمانات.
-مشاركة في الحكم أحيانًا وفق الأولويات والظروف السياسية.
-اعتراف بالآخر وسعي جاد إلى ائتلافات وتحالفات سياسية.
-عمل مستمر من أجل بناء اقتصاد وطني قوي.
-إنتاج ثقافي وفكري لتأصيل المفاهيم والحركة السابقة.
لا بد للمتابع لحركة الإخوان الآن -على مستوى العالم العربي والإسلامي- أن يدرك بوضوح أن أصول الفهم التي أرساها الإمام الشهيد حسن البنا في قضية الوطنية، وبرنامج العمل الذي رسمه من أجل تحرير الوطن من كل سلطان أجنبي، مازالت هي الأساس الذي يعمل الإخوان على ضوئه مسترشدین بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم العطرة.
وكل ذلك إنما من أجل بعث الأمل في قلوب الأجيال الجديدة وإحياء الانتماء إلى بلادنا وأمتنا، ورسم الطريق الواضح للخروج من أزمتنا الخانقة الحالية، فنحن في حاجة إلى إحياء الروح الوطنية الربانية من جديد، وربط فكرة الوطنية بالعقيدة الإسلامية كما فعل الإمام الشهيد، والخروج بها من الإطار الضيق المحدود الذي حبسها فيه دعاة الوطنية المجردة الذين أفلسوا الآن وانهارت آمالهم وأحلامهم، بل وتنهار دولهم الوطنية وتقع في أسر استعمار اقتصادي، بل وعسكري من جديد.
خلاصة القول في الوطنية
إن الإخوان المسلمين أشد الناس إخلاصًا لأوطانهم، لأنهم يقولون بالوطنية الربانية، وها قد رأينا أن القول بالوطنية الربانية لا ينتقص من حقوق بقية المواطنين الذين لا يدينون بالإسلام، بل يؤكد عليها ويجعلها حقوقًا دينية، والتزامًا شرعيًّا لا يجوز التحلل منه، وهذا يجعلها في مرتبة عليا، ويضفي عليها قداسة دينية، ويصبح الالتزام بها من الفروض الدينية.
ونختم الرد على هذه الشبهة بكلام الإمام الشهيد حسن البنا: «وأحب أن أنبهك إلى سقوط ذلك الزعم القائل إن الجري عن هذا المبدأ «يقصد مبدأ الوطنية المجردة البعيدة عن الدين» يمزق وحدة الأمة التي تتألف من عناصر دينية مختلفة، فإن الإسلام وهو دين الوحدة والمساواة كفل هذه الروابط بين الجميع ماداموا متعاونين على الخير: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الممتحنة: 8)، فمن أين يأتي التفريق إذن؟». «الرسائل، دعوتنا، ص ۲۷).
ويلخص الإمام الشهيد الموقف من الوطنية فيقول: «أفرأيت بعد هذا كيف أننا متفقون مع أشد الناس غلوًا في الوطنية، في حب الخير للبلاد، والجهاد في سبيل تخليصها وخيرها وارتقائها، ونعمل ونؤيد كل من يسعى في ذلك بإخلاص، بل أحب أن نعلم أن مهمتهم إن كانت تنتهي بتحرير الوطن واسترداد مجده، فإن ذلك عند الإخوان المسلمين بعض الطريق فقط، أو مرحلة منه واحدة، ويبقى بعد ذلك أن يعملوا لترفع راية الوطن الإسلامي على كل بقاع الأرض، ويخفق لواء المصحف في كل مكان» «الرسائل، دعوتنا، ص ۲۷).
كلمة إلى الدعاة
خوف على جيل التأسيس
جاءت دعوة الإسلام وفق مرحليات حدد بداياتها ونهاياتها المولى عز وجل، فكانت الدعوة السرية، ثم مرحلة إنذار عشيرة الرسول ﷺ الأقربين ثم الجهر بالدعوة، ثم الهجرة، ثم مرحلة إعداد الدولة للقتال والجهاد.
جاءت مرحلة الجهاد بعد خمسة عشر عامًا من بعثة الرسول ﷺ، وظل المربي القائد طوال هذه السنوات الطويلة يربي رجالًا ويعد نفوسًا ويؤسس إيمانًا في صفوف رجال الإسلام حتى يكونوا نواة الدولة الإسلامية وقادة الدنيا بعد أن يفتح الله الأرض بالإسلام، ظل رسولنا الكريم ﷺ يربي ويزكي وينمي ذلك الجيل الفريد، متمسكًا بخط التربية والإعداد على الرغم من الاستفزازات والاعتداءات الكثيرة التي واجهتها الدعوة من قبل كفار مكة وصناديدها، فقتل أصحابه وأوذي آخرون وأوذي في الله فألقي سلا الجزور على ظهره وهو يصلي، وتمادى كفار مكة بأفعالهم، لكنه ظل ثابتًا وصامتًا على طبيعة المرحلة التي تمر بها الدعوة ومقتضياتها التي ترفض أي شكل من أشكال المواجهة حتى لا تكون حرب إبادة فتضيع النواة وتموت الدعوة، وكأنه ﷺ كلما ذاق صنفًا من أصناف الإيذاء يردد في نفسه: مهلًا أيها المعتدون فإني أعد جيلًا سيقتلعكم من جذوركم وينشر الإسلام ويزرع الخير في أرضكم، مهلًا فإن موعدنا بعد سنوات قليلة، ولا بأس فالأهداف إذا سمت فلا بد أن تطول المراحل التي تسبق هذا الهدف، وبعد خمسة عشر عامًا يأتي الأمر الإلهي: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (سورة الحج: 39)، ثم تأتي أول مواجهة حقيقية بين معسكر الكفر يقوده كبراء مكة وأشد الناس نكاية بالمسلمين في مهد الدعوة وبين معسكر الإسلام يقوده الرسول ﷺ، وهنا يترقب الرسول ﷺ الموقف بحذر وقلق إذ إن هذه اللحظة هي أول ثمار تلك التربية العميقة والطويلة طوال خمسة عشر عامًا، وهذه الغزوة هي الحاسمة وأن يكون الإسلام أو لا يكون، وهذا المشهد يجمع ذلك الجيل الفريد الذي رباه وبناه الرسول ﷺ محتملًا كل ألوان العذاب النفسي والبدني في سبيل تحقيق هذا الهدف السامي، ولذلك كان المشهد مهيبًا يوم أن كان الجيشان متقابلين والمعركة قد أوشكت والرسول ﷺ تحت ظل العريش الذي نصب له ومعه أبو بكر الصديق والرسول رافعًا يده متضرعًا إلى الله مبتهلًا إليه يسأله النصر والظفر لتلك الثلة التي تأسست وكانت القاعدة الصلبة لأجيال الإسلام المتعاقبة، يقول أبو بكر الصديق وكان رسول الله ﷺ يرفع يده بالدعاء حتى سقط رداءه عن كتفه وبدا بياض إبطه وهو يقول: «إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا... إن تهلك هذه العصابة...» فيأتيه الصديق ويبشره بأن الله لن يخذله، وهنا وقفة مع نص الدعاء: «إن تهلك هذه العصابة» لماذا اختص الرسول ﷺ هذه العصابة دون سواها من الغزوات الأخرى؟ لأنها تمثل الجيل الذي أنفق فيه ومن أجله كل الوسائل حتى يعد رجالًا تحمل راية الإسلام وتبعثه في الآفاق، فهل في لحظة يفقد كل هذا؟ هذا هو السؤال الذي كان جوابه تلك الضراعة إلى الله تعالى .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل