العنوان المجتمع التربوي: 1577
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2003
مشاهدات 75
نشر في العدد 1577
نشر في الصفحة 50
السبت 15-نوفمبر-2003
وقفة تربوية.. حبس المؤمن
يقول الرسول ﷺ في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (مختصر مسلم ۲۰۷۹). «»
إنها سجن للمؤمن، لأنه يمنع نفسه عما تريد من الحرام، وهي سجن له لأنه يحبسها عن الشهوات والشبهات، ويلزمها بما أمر الله تعالى. وهي سجن له؛ لأن كل ما فيها من اللذائذ مألة إلى الزوال، وكل نعيم فيها لا يقارن بنعيم الآخرة، ولا حتى يقرب منه، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ (البقرة:٢٥)، فقط تتشابه الأسماء ولكن لا تتشابه الحقائق أبداً بين نعم الدنيا ونعم الآخرة، ومن أطلق لنفسه العنان من هذا السجن، وجعلها ترتع في الحرام، فإن الله يحرمه لذائذ الآخرة ويودعه سجنًا أكبر من سجن الدنيا..
ويبين الإمام ابن القيم هذه الحقيقة في فوائده (ص ٥٤) فيقول: «طالب الله والدار الآخرة لا يستقيم له سيره وطلبه إلا بحبسين:
حبس قلبه في طلبه ومطلوبه..
وحبسه عن الالتفات إلى غيره.
وحبس لسانه عما لا يفيد..
وحبسه على ذكر الله، وما يزيد في إيمانه ومعرفته.
وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات.
وحبسها على الواجبات والمندوبات.
فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من السجن إلى أوسع فضاء وأطيبه، ومتى لم يصبر على هذين الحبسين، وفر منهما إلى فضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا، فكل خارج من الدنيا، إما متخلص من الحبس وإما ذاهب إلى الحبس، وبالله التوفيق .
الصيام.. وروح الأخوة
الإسلام لا ينظر إلى هذا الشهر الكريم كموسم مؤقت تقام فيه شعائر معينة، ثم تطوى صفحته إلى العام القادم . كما هو حال المجتمعات الإسلامية اليوم... وإنما يريد الإسلام حقيقة أن تسود روح رمضان السنة كلها بمبادئه وقيمه وأدبه، ومثله العليا، وأخلاقياته الكريمة، حيث يجعل شهر رمضان فرصة لتدريب المسلمين على هذه القيم.. حتى تصبح من أخلاقه وأساسياته، فتسود روح الأخوة الإسلامية وترفرف عليه أعلام السكينة، ورايات الأمن والإيمان.. ليتكون على أثرها مجتمع يهدف الإسلام إلى إقامة بنيانه، مؤكدًا ما جاء في كتاب الله العزيز: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات ۱۰)، وقوله عز وجل: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون:٥٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة:٢)، وقوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (رواه مسلم).
والأمثلة جد كثيرة، والمجتمع الذي تحكمه مثل هذه المثل العليا، والآداب الإنسانية الرفيعة من التسامح وحسن الخلق، والبر وصلة الرحم... هو المجتمع نفسه الذي تريد شريعة الإسلام أن تقيمه من خلال فريضة الصوم؛ لأن أهم دعامات النجاح والتوفيق في المجتمع المسلم وأهم عناصر القوة فيه أيضاً، أن تسوده المرحمة والأخوة والإسلام والأمن والطمأنينة والتكافل الاجتماعي؛ لأن قائد المسلمين وقدوتهم ﷺ كان أجود الناس وأرحم الناس وكان أجود ما يكون في رمضان ... حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن فهو أجود بالخير من الريح المرسلة، وسيادة السلام والأمن في المجتمع الصائم، أشار إليه ﷺ بقوله: «فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصحب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم» (رواه البخاري).
فإذا اتقى كل صائم ربه فأحسن القول، ورد على الإساءة بالصفح وأعلن أنه لن يرد بالمثل لأنه صائم، ثم كان كريمًا جوادًا في قضاء حوائج إخوانه ومن هم بحاجة، عندها تصبح روح رمضان وما أشاعه من أخلاقيات سارياً طوال العام، حيث وعاها وتمثلها الصائمون، ثم يتعود عليها الجيل المسلم الذي تغلغلت فيه هذه السجايا الحميدة وتصبح عادة فتطبعًا.. فطبعًا، عندها يقوم المجتمع المسلم ويصبح المسلمون كما قال الله فيهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (عمران:۱۱۰).
مجالات دعوية في رمضان
المسلم ينبغي له أن يعيش هم الدعوة في جميع أوقاته، وأن يتحين الفرص والمناسبات، لكي يدعو إلى الله، وإن من أنسب الأوقات للدعوة إلى الله هذا الشهر الكريم، فالقلوب مستعدة لتقبل الخير ومجالات الدعوة فيه أرحب وأوسع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
أولًا: استغلال إقبال الناس على المساجد، وذلك بأمور منها:
أ- توعية المصلين بأحكام الصيام وفضل رمضان، ووعظهم وتذكيرهم.
ب- توزيع الأشرطة والكتيبات والمطويات النافعة.
ج- إعداد المسابقات الثقافية على مستوى الحي.
د- الاعتناء بلوحات المسجد.
هـ- تناول الموضوعات والقضايا المهمة قبل أو بعد صلاة التراويح، أو بين ركعاتها.
ثانيًا: استغلال موائد الإفطار للإخوة الوافدين من دول شرق آسيا - خاصة في دول الخليج - وذلك بدعوة من يلقي لهم بعض الكلمات بلغتهم.
ثالثًا: الاستفادة من إقبال الناس على القرآن من خلال:
أ- مسابقات حفظ القرآن.
ب- تنظيم حلقات لتعليم قراءة القرآن.
رابعًا: استثمار إقبال الناس على الصدقة في رمضان والحرص على إيصالها لمن ينتظرها داخل أو خارج البلاد.
خامسًا: قد لا تجتمع الأسرة في وقت مثل تجمعها في رمضان، فعلى الداعية أن يستغل هذه الفرصة الدعوية ولو بعشر دقائق قبل الإفطار.
سادسًا: يوم العيد يوم فرح للجميع، وإذا تخللته البرامج المفيدة والمسابقات والجوائز كان له الأثر الأكبر في النفس، فلا تنسى ذلك اليوم والإعداد له.
وتذكر:
1- أن النبي ﷺ قال: «العمرة إلى العمر كفارة لما بينهما» (متفق عليه) ولاشك أن أجرها في هذا الشهر أعظم، فلقد ورد أن النبي ﷺ قال لامرأة من الأنصار: «ما منعك أن تحجي معنا»؟ فقالت: أبو فلان «زوجها» له ناضحان حج على أحدهما، والآخر نسقي عليه فقال: «فإن عمرة في رمضان تعدل حجة»، وفي رواية «حجة معي» متفق عليه.
٢- أن هذا الشهر أوله رحمه وأوسطه مغفرة وأخره عتق من النار.
٣- تذكر أن أشرف الخلق وأكرمهم عند ربه قال وهو يصعد منبر مسجده الشريف: «أمين»، وذلك عندما سمع جبريل عليه السلام يقول: «رغم أنف امرئ أدرك رمضان ولم يغفر له».
وهذه كلها فرص دعوية ولفتات لترقيق القلوب ووصلها بالله تعالى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل