العنوان المجتمع التربوي (1424)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000
مشاهدات 71
نشر في العدد 1424
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 31-أكتوبر-2000
وقفة تربوية
تفويض المسؤولية هو الحل
القائد في العمل الإسلامي ومؤسساته تتكاثر عليه المسؤوليات، فلا يكاد يجد وقتًا حتى لأبنائه وزوجته ووالديه.
والسبب في ذلك هو القدرات التي يملكها، والتي قلَّ أن توجد في آخرين، وتلك سُنة إلهية، إذ جعل المميزون والقادة قلة في هذه الحياة.
وليس هذا معناه أن تعقم النساء عن ولادة قادة غير هؤلاء، أو أن تعقم الحركات الإسلامية عن اكتشاف غير هؤلاء القادة أو من بهم ملامح القيادة من بين أفرادها.
ولا بد من أن تفهم الحركات الإسلامية أن وراء قلة القيادات فيها أسبابًا كثيرة، من أبرزها عدم قيام القادة الحاليين بتربية الجيل القيادي القادم، أو تهيئة الصف الثاني الذي يخلفهم، بما يمارسونه من مركزية واحتكار للكثير من الأعمال اليومية، والمتغيرة في النشاط، لأسباب منها:
افتراضهم أن الآخرين لا يرقون إلى مستوياتهم من الفهم والحركة والنشاط وحل المشكلات.
افتراضهم أن الآخرين غير قادرين على تحمل المسؤوليات.
اعتقادهم أن الآخرين لن ينتجوا مثل إنتاجهم وكذلك الخوف من أخطائهم.
وهذا هو عين الخطأ الذي يقع فيه بعض قياديي الحركة الإسلامية، مما يقلل من ولادة قادة جدد يستوعبون الأعداد المتزايدة من الجمهور المقبل على الدعوة.
والحل في هذا الإشكال يكمن في تفويض المسؤولية، والثقة بالأتباع، والصبر على أخطائهم مع تصويب تلك الأخطاء، فمن الأخطاء نتعلم الصواب، ولم يولد بعد ذلك الذي لا يخطئ في دنيا البشر.
أبو خلاد
بالإحسان.. نستعبد قلوب الناس
من المعلوم أن ديننا -الإسلام- قد دلنا على الطرق السليمة المناسبة لأحوال الناس وأمزجتهم، وأمرنا أن نسلكها، وندع الطريق التي تؤدي إلى غير الإصلاح والصلاح، بل حذر من ركوب الشبهات، حفظًا للنفس من التعليل الخاطئ، والتبرير الذي ليس في محله، جاء في الحديث: «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام...» ذلك أن المعتاد على شيء مباح غير لازم يوشك أن يجرب مكروهًا، فيجره المكروه إلى أشنع، وتلك عاقبة لا تُرجى.
من هذا المنطلق يجب على ذوي الفطن والحجا أن يزنوا المسائل قبل الدخول فيها، وأن يصبروا على وعورة المسلك، وقد قيل:
تريدين لقيان المعالي رخيصة *** ولا بد دون الشهد من إبر النحل
فدراسة أحوال المعامَلين مهمة قبل مباشرتهمبالتعامل، لئلا يخالف طباعهم فيحصل ضرر مستغنى عنه، فمثلًا إذا كان لقاء الإنسان بآخر عابرًا للحظات، فعليه ألا يمكن نفسه من أخذ الحرية المطلقة، وبذل الأنس حتى لو كانت العلاقة قائمة لأيام وشهور، فإنما يدوم على الصداقة من عرف حقها، وأراد مآرب سليمة من ورائها.
لكن إذا جعل الإنسان معاملته متساوية مع مخاطبيه كلهم فإنه يجر إلى نفسه عبئًا ثقيلًا، ويحملها إياه، فالصاحب قمين بالمؤانسة، والملاطفة، وقريب الأصحاب كتاب الأسرار المغلق الدفة، وإدخال السرور عليه بالمزاح، ونحوه حسن، أما أن تقصد من لست تعرفه بمزاح أو سخرية تريد بها المزاح، فهذا ما لا يقبله الذوق السليم، لاختفاء المقاصد خلف جدر الضمائر، ووضوح الأفعال على الجوارح له معان عند الناظر.
مبدأ خاطئ
أيضًا قد يجانب الرجل هذا المسلك فتجده فظًّاغليظًا، كأنما قفل من معركة فاصلة بينه وبين عدوه، تراه لا يلتفت إلى الناس إلا ونظرة الصرامة شعاره، وهذا مبدا خاطئ أيضاً، قال صلى الله عليه وسلم: «والكلمة الطيبة صدقة» وأقبح بامرئ بخل على نفسه بما لا يكلفها، وإن هذا الصنف منفر للناس حتى ولو تخلق بخلق حسن آخر، فما شفاعته عند انعدام التعامل الحسن، والدين أتى بالتبشير ونهى عن التنفير.
ثم هناك مسألة تخص الأنس بالأصحاب قد يغفل عنها كثير من الناس، فبعض الرجال لا يفاضل بين أصحابه، بل رتبهم متساوية عنده وأسلوبه واحد، وهذا المنهج عليه مآخذ، فأسلوب يناسب شخصًا قد يعيبه آخر، أو قد لا يرتاح إليه بل قد يكونمضادًّا له أصلًا، فإن اختلاف الطباع ضرورة الحياة، وسنة الوجود، ومن رام تغييرها أعيته وأضناه الأمل.
ومسألة أخرى، هي الأساليب الخاطئة التي يسلكها بعض الناس مع أصحابهم المقربين، قاصدين إدخال السرور على النفوس، ومن ذلك: أسلوب «الرد المتهكم»، فإذا قال امرؤ مقالة، أو كتب مقالة، أو أظهر إبداعه شيئًا، فإنه قد يقابل من بعض أصحابه برد متهكم يستهدف ما قام به، فيؤثر في نفسية المخاطب، ويحطم معنوياته، وهذه نتيجة داء التحطيم، فعلى من اتصف به وأسره هذا الداء أن يسارع إلى التخلص منه، وليسقِ نفسه ترياق الحكمة، ويعرفها إياها عليها، فإن الجزاء من جنس العمل، وعمل الخير يجب أن يحفز بخير، قال سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: ٦٠)
وليضع العاقل نفسه مكان المخاطب، ولينظر في أثر الكلمة السافلة عليه، فإنه لا شك قائم بتعديل نفسه، سام بها عن مثل هذا الدنو، قال الشاعر:
كم حديث يظنه المرء نفعًا *** وبه لو درى يكون البلاء
ثم إن كان العائب ليس من الأصحاب، بل دافعه ذلك هو الحسد، فليحمد الله وليستعذ به من شرور الحساد، وليعلم أن وجود الحاسد أثر وجود النعمة، ورجل لا عدو له حقيق ألا يصاحب، فمنزلته دنیا.
ومهما قيل في خوارم الصداقة، فإنما يرجع أغلبها إلى ضعف في النفس، بحيث لا تفقه الطريق المثلى لها، لكن لا بد من وجود الدواء المناسب، والقدوة التي يعتبر حسن اختيارها دليلًا إلى ما يكفل القيام بالعلاقات مع الناس علاقات حميدة، تؤتي ثمارًا مرجوة.
إن المتمعن في سير السلف الصالح، سيجد أنهم أكرهوا أنفسهم حتى بلغوا راحتها، ولم يبلغوا تلك المنزلة إلا بالتطبيق الصحيح لآداب الشريعة الإسلامية، فهي القائد إلى ما يبغيه المرء من خير الدنيا والآخرة، ومن أراد مطلبًا شريفًا بغيرها فإنما يرنو إلى سراب، ومن ارتضى السراب سقيًا له فقد أهلكه الظمأ، فلينظر في مزادته قبل أن يُفاجَأ.
وحسن القصد أول خطوة واجبة، والمعين هوالله سبحانه.
عمر بن بشير الصديقي
التعزيز الإيجابي مفتاح لتغيير السلوك الإنساني
مهيوب خضر محمود
لطبيعة التفكير من حيث الإيجاب والسلب أبلغ الأثر في فهم أحداث الحياة والتعامل مع حيثياتها، ولأهمية الأمر دأب علماء النفس والاجتماع على دراسة هذا الموضوع في محاولة للارتقاء بالسلوك الإنساني نحو الأحسن والأفضل ليعم الخير ويسعد الناس بتحقيق النجاح، وخلصوا في نهاية الأمر إلى نتيجة مفادها أن التعزيز الإيجابي هو مفتاح مهم لتغيير سلوك الإنسان نحو الهدف المطلوب.
يُعرف التعزيز الإيجابي على أنه مؤثر داخلي يبعث النفس البشرية على الارتياح، ويسهم في تحضير طاقة الإنسان وجهده نحو الهدف بكل رغبة واقتناع.
ويؤكد علماء النفس والاجتماع على أن مفهوم التعزيز الإيجابي مفهوم عملي يمكن تطبيقه في كل زمان ومكان، وعلى جميع الأصعدة السياسية منها أو التعليمية أو الاجتماعية، أو غير ذلك. ولتوضيح الصورة يمكننا أن نمر على بعض التجارب والشواهد التاريخية:
عمر بن عبد العزيز- الخليفة الراشد الخامس، كان من الأوائل الذين فهموا واستنبطوا أهمية مبدأ التعزيز الإيجابي في الحياة وأثره في تغییر واقع السلوك الإنساني من خلال المنهج القرآني الذي تربى عليه، فكانت النتيجة أن استطاع خلال مدة خلافته التي لم تتجاوز السنتين والخمسة شهور أن يغير واقع الحياة نحو الأفضل، على الرغم مما كان قد سبق عهده من مظالم وفساد إداري، وصراع على السلطة والجاه والمال.
والي خراسان
كتب والي خراسان إلى عمر بن عبد العزيز يستأذنه في أن يرخص له باستخدام بعض القوة والعنف مع أهلها قائلًا في رسالته للخليفة: «إنهم لا يصلحهم إلا السيف والسوط».
فكان ردُّه التَّقِي الحازم المبني على فهم دقيق لأهمية مفهوم التعزيز الإيجابي ودوره في تغيير السلوك الإنساني: «كذبت، بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم، واعلم أن الله لا يُصلح عمل المفسدين».
إن اعتماد عمر بن عبد العزيز لهذا المفهوم في سياسة الدولة جعل الخوارج يضعون أسلحتهم للمرة الأولى، وكانوا قد استعصوا على بقيةالخلفاء، فكانت هذه نادرة من نوادر تاريخ عمر رضي الله عنه.
كان هذا على صعيد إدارة الدولة وسياسة الشعب، أما على صعيد التربية والتعليم، فلقد أجرى علماء التربية الكثير من التجارب العملية لأجل التعرف بالأرقام على قيمة مفهوم التعزيز الإيجابي وأثره الحقيقي، وكانتإحدى أهم هذه التجارب أن تم تشكيل فصلين دراسيين من المستوى نفسه، واختير طلبة متقاربين جدًّا من حيث المستوى العلمي، وحدد عدد طلاب كل فصل بحيث يكون مساويًا للآخر، وأصبح الفصلان وكأنهما توأمين متطابقين، وحددت مدة التجربة الزمنية بفصل دراسي واحد «خمسة شهور تقريبًا»، ثم قام العلماء باختيار مدرس يمارس أسلوب ومفهوم التعزيز السلبي مع طلاب الفصل الأول «التعزيز السلبي يمثل استخدام العصا والتوبيخ المستمر ومعاقبة المقصرين وعدم الالتفات للمتميزين... إلخ».
ومدرس آخر يمارس أسلوب مفهوم التعزيز الإيجابي مع طلاب الفصل الثاني «يشمل التعزيز الإيجابي هنا مكافأة المتميزين، وتكريمهم، ومساعدة الضعفاء من الطلبة بالتشجيع الدائم، واستخدام كلمات الثناء والإطراء... إلخ».
وكانت النتيجة التي أظهرتها نتائج اختبارات نهاية الفصل، تقدُّم طلاب الفصل الثاني المعزز إيجابيًّا على طلاب الفصل الأول المعزز سلبًا بنسب لا تقبل المقارنة، مع التذكير بأن طلبة الفصلين تم اختيارهم على أساس التقارب في المستوى العلمي.
هذا المفهوم يحتاج من المربيين آباء كانوا أو معلمين أو إداريين وقفة تأمل في أسلوب التعامل مع من هم أماناتنا ومسؤولياتنا من الناس، أطفالًا كانوا أم كبارًا، فمبدأ التعزيز الإيجابي لا يعرف للعمر أو الشكل أو الجنس أي قيمة، إنما هو التعامل مع النفس البشرية، فهل ندرك الآن في أسلوب تعامل الأم مع طفلها في البيت على سبيل المثال الفرق بين العبارتين التاليتين:
إذا لم تكتب واجب المدرسة فسوف أضربك.
إذا كتبت واجب المدرسة فسوف أعطيك هدية أو آخذك في نزهة إلى الحديقة.
إن تأثير مبدأ التعزيز الإيجابي يعتمد أساسًا على صناعة الرغبة الداخلية للسير نحو الهدف بأقصى سرعة وطاقة ممكنة، وهذا ما يمكن أن نراه بالعين المجردة إن أردنا أن نجرب ونشاهد.
كانت إحدى المدن الأوروبية السياحية تنعم بنظافة بيئية متميزة، كانت أحد أهم أسباب جمالها إضافة إلى تلك المناظر الطبيعية الخلابة التي تتمتع بها، وعلى مر السنين ساءت أحوال النظافة في المدينة حتى أصبح منظر القمامة على الأرض شيئًا مألوفًا، وكثر الذباب وفاحت الروائح السيئة، ولأجل حل هذه المشكلة والخروج من هذا المأزق الذي سبب خسائر اقتصادية فادحة لأهل المدينة، عقد مجلس البلدية جلسة خاصة لمناقشة الأمر، وخرج المجلس بقرار يفرض عقوبة مالية على كل من يتساهل في ضوابط نظافة المدينة أو يعمل على تشويه جمالها وبيئتها، ومرت الأيام وزادت الحالة سوءًا ولم يكن للقرار المتَّخَذ أي فائدة تُرجى، ومن ثم اضطر المجلس للانعقاد مرة ثانية لمناقشة الأمر، وفي هذه المرة أصدر المجلس قرارات هي أشد من الأولى حيث ضوعفت الغرامة المالية على كل مقصر، حتى وصل الأمر إلى السجن، ومع كل هذه الإجراءات الصارمة لم تحل المشكلة، وبقيت المدينة على حالها، وعندها أدرك المجلس البلدي أنه لا بد من السير في اتجاه آخر لحل المشكلة، هذا الاتجاه هو استخدام مبدأ التعزيز الإيجابي بدلًا من السلبي، وفعلًا، وبعد طول بحث توصلوا إلى فكرة اختراع نوع جديد من حاويات القمامة عندما تُلقَى فيها القمامة تقول للشخص «شكرًا».
وبعد هذه الاختراع الذي استند أساسًا إلى استخدام أسلوب التعزيز الإيجابي، عادت المدينة لتهنأ بمستوى نظافة متميز كما كان عليه العهد سابقًا.
لا شك أن عملية التغيير مهمة صعبة، وما ذاك إلا لأن التغيير يحتاج إلى تغيير، وهذا ما نفهمه من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل