; حلاوة الإيمان | مجلة المجتمع

العنوان حلاوة الإيمان

الكاتب محمد الجاهوش

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1993

مشاهدات 217

نشر في العدد 1036

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 02-فبراير-1993


2. حلاوة الإيمان

حقيقة حلاوة الإيمان وميزانها الشرعي

حلاوة الإيمان: طعم يقذفه الله تعالى في قلوب عباده المؤمنين يتذوقونه ويحسون حلاوته وتخالط قلوبهم بشاشته فتصبح جزءًا من حياتهم. كل لذائذ الحياة ترجع عندهم إلى هذه اللذة الإيمانية فيها يحيون ولها يعملون وبسببها يأخذون ويذرون، ومن أجل المحافظة عليها يضحون بكل ما هو غال ونفيس ولا عجب، فالإيمان متى حل قلبًا أضاء وأشرقت في جنباته ومضات المعارف الإلهية، وغدا يسبح في بحار من النور يبصر الأشياء على حقيقتها فيميز غثها من سمينها وحقها من باطلها، ترقى معارفه وتعلو همته حتى يؤثر الباقي الخالد على ما هو فانٍ وزائل، فيتعلق بمعالي الأمور لأن الله يحبها ويكره سفاسفها إذ هو مبغوض من الله تعالى، ميزانه الشرع الحنيف في أقواله وأفعاله وخلقه القرآن العظيم في جميع حالاته والإسلام عقيدة وشريعة حدد الأمور وبينها ورسم منهج الحياة الدنيا والأخرى، ووضع معالم الطريق واضحة جلية حتى لا تنحرف العقول وتكثر الاجتهادات فتتعدد السبل ويضل السالكون، وقد جاء منهجه متكاملًا يشمل عالمي الغيب والشهادة. فالعقيدة لها أركان وشروط والأعمال ضمن ضوابط وحدود والسلوك على وفق سنة واضحة وهدى جلي والذوق الإيماني والخواطر الوجدانية مقيدة بما يوافق الكتاب والسنة. وبهذا وضع سدًا أمام من يعتمدون على عقولهم وحدها ويقولون: ﴿مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ﴾ (المائدة: 19) فبصّر من العمى وأرشد من الضلال وهدى إلى الطريق القويم وترك في الأمة ما إن تمسكت به لن تضل أبدًا كتاب الله وسنة رسوله، وخطرات القلوب من الأمور التي لا يطلع عليها أحد ولا يحسها أو يعرفها إلا أصحابها لذلك جاء هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يضبط هذه الخطرات ويكون ميزانًا لقبولها أو رفضها ليسد الطريق أمام نزغ الشيطان ووسوسته. فمن ادعى أنه يجد في قلبه حلاوة الإيمان ولذته فليعرض ذلك على الهدي النبوي الذي جاء به الحديث الصحيح:

ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان

1.     أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

2.     وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله.

3.     وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.

أولاً: تقديم محبة الله ورسوله على كل محبوب.

وهذه حقيقة تقررها قواعد الإيمان وتوجبها الفطرة السليمة لأن الحب إنما يكون بدوافع وجدانية أو مادية وكلاهما مصدره من الله U فهو الخالق الرازق. الواهب كل خير من جوده وكل نعمة من فضله، ومهما حرص الناس على نفع إنسان بأمر لم يقدره الله فلن يناله وهم عاجزون عن تحقيقه واعلم أن الأمة إنسها وجنها لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك.. وخواطر النفس وخطرات القلب وتحرك الجوارح كل ذلك بأمر من الله تعالى وقدره فهو سبحانه الموفق للطاعات الحافظ من المعاصي والانحراف، وهو سبحانه – واهب القدرة على متابعة الأعمال وملازمة الخير، والبعد عما سواه هو الذي يرعى العبد ويحرسه بعنايته ويرعاه، فلا ينال منه أعداؤه هو المطعم من جوع المعطي من الحرمان الشافي من الأسقام، الهادي لكل معالم الخير، فكيف لا يستحق أن يكون أحب من النفس والأهل والوالد والولد والطارف والتالد من كل متاع.

محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- من أعظم نعم الله -تعالى– علينا بعثة رسوله -صلى الله عليه وسلم- الذي أحيا الله به موات القلوب، وفتح مغاليقها ومحا ظلام الشرك والوثنية، وبعث النور في جنبات الأرض، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق الجهاد، أكمل الله –تعالى– به الدين – وأتم النعمة، فوصل إلينا هذا الإسلام العظيم رسالة متكاملة عقيدة وشريعة فهو -صلى الله عليه وسلم- جدير بالحب والتقدير، حري أن تكون سنته المطهرة مصدر التشريع الثاني نستلهم منها فهم الكتاب المجيد ونفزع إليها في تنظيم شؤون الحياة.

فما أعظمه من نبي وما أكرمه من رسول وما أجدره بحب كل مؤمن وتقديره وتوقيره؟ كيف لا؟ وهو الذي جبل قلبه من الرحمة الإلهية حتى غدا مصدر رحمة لكل مؤمن ومؤمنة، حريصًا على هداية كل إنسان يعز عليه أن يتنكب الصراط القويم من زلت به القدم أو زاغ منه الفؤاد ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أنفسكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ (التوبة: 128) بأبي وأمي هذا النبي الكريم الذي رحم أمته طوال حياته، وترك فيها ما هو مصدر رحمة لها على امتداد مسيرتها: كتاب الله وسنة رسوله، وادخر لها شفاعته يوم القيامة رحمة منه وبرًا. فأي نفع أعظم من هذا الذي جاء على يدي حبيبنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، أفلا يستحق أن يكون حبه مقدمًا – بعد حب الله تعالى على سائر من عداه بل إن حبه -صلى الله عليه وسلم- من حب الله U، أليس هو القائل «أحبوا الله لما يغذوكم به وأحبوني لحب الله لي».

علامات محبة الله ورسوله

علامات محبة الله تعالى: لا بد أن يدرك المسلم: أن حب الله تعالى إنما يكون باتباع نهجه الذي أنزله في كتابه دون انحراف عنه، أو مغالاة فيه، فتوحيده قولًا واعتقادًا أولى مراحل هذا الحب وكذلك وصفه سبحانه بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ونفي ما نفاه. وجماع ذلك قوله تعالى: ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11)، ثم الالتزام بما فرض واتباع ما شرع.

علامات محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-: أولى علامات محبة رسول الله: تصديقه فيما بلغ عن ربه -عز وجل-، واعتقاد عصمته وأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وتطبيق سنته والتزام الهدى الذي جاء به واتباع النور الذي أنزل معه، وكذلك محبة أصحابه وبغض من أبغضهم إذ هم حملة دينه الذين جاهدوا معه وأتموا المسيرة بعد التحاقه بالرفيق الأعلى. فحبهم إيمان وبغضهم كفر ونفاق، والطعن فيهم طعن بالفكر الذي حملوه والدين الذي بلغوه. وما جاء من مظاهر حب مخالف لهذه الأسس فهو ادعاء من صاحبه، لا يستطيع الإتيان عليه ببينة ولا برهان. ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: 31) فالاتباع الكامل علامة الحب الصادق وأما دعوى اللسان فليست خطامًا ولا زمامًا.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه *** هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقًا لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع

ثانياً: محبة من عند الله ورسوله

كثيرة هي الروابط التي يلتقي الناس عليها وتجذب بعضهم نحو بعض فالأبوة رابطة حب والبنوة كذلك، ومثلها الزوجية، والصداقة وزمالة العمل وشركة التجارة والمداخلات في جميع أنواع المصالح الأخرى وجميعها ينشأ عنه في الغالب محبة ومودة، أفتراها تسلك أصحابها في سلك المتحابين في الله الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله يوم يقيمهم على منابر من نور، يأمنون إذا خاف الناس ويفرحون إذا حزن الناس، ويأخذون صحائفهم بأيمانهم فرحين بما أتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب السموم، إن كل محبة بين طرفين لا تؤهلهما لمرتبة المتحابين في الله إلا إذا كانت مجردة من الأغراض الشخصية والأهواء الذاتية والمنافع المادية ولا يبتغي بها الوصول إلى شيء من ذلك. إن التأخي الحق إنما يكون قائمًا على حب الخير والسعي لنشره بين الناس يلتقي الإخوان ويفترقون على محبة الله U، من غير أرحام بينهم ولا مصالح تجمعهم. فالولد المنحرف عن تعاليم الإسلام الجاحد لمبادئه لا يحب لأنه ليس من الأهل ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (هود: 46) والزوجة المعرضة عن دينها المتبعة لهواها الجارية وراء شيطانها لا تحب ولو كانت ذات منصب وجمال، وهذا لا يعني ألا يحرص الإنسان على هداية ولده وإصلاح زوجه وبذل كل جهد في سبيل ذلك. وقل مثل ذلك في جار الدار وشريك المال وصديق الطفولة وزميل العمل، لأن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، فمن أحب لشيء من هذه الأشياء فهو حظه ونصيبه وقد استعجل الثمرة، ومن أحب الله تعالى فذاك الذي لن يرضى الله تعالى له ثوابًا دون الجنة. ولا يتنافى في هذا مع ما قد يناله الإنسان من خير على يد إخوانه أو بواسطتهم، فالمجتمع المسلم مبني على التكافل وقضاء الحاجات والاهتمام بشؤون أبنائه ومصالحهم. وكل ما هو مطلوب ألا يكون أصل العلاقة مبنيًا على هذه المصالح تزول الأخوة أو تضعف إذا لم ينل صاحبها ما يبتغيه من المنافع والمصالح.

ثالثاً: كراهية الكفر والخشية من النار

من ذاق حلاوة الإيمان يحرص أن يحافظ عليها ويبتعد عن كل ما يذهب لذتها أو يضعفها والإيمان والكفر نقيضان لا يجتمعان في قلب أبدًا لذلك حبب الله الإيمان وزينه في قلوب عباده المؤمنين وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وكل ما يضعف إيمانهم أو يزيل حلاوته، وكراهية المؤمن للكفر وأهله لكراهيته للنار المسعرة أن تلتهم جسده، وأي عاقل يرى النار تستعر ويحرق لهيبها الأخضر واليابس وتذيب الحجارة والحديد ثم يلقي نفسه طائعًا مختارًا في جحيمها؟! لا شك أن العقلاء يحاذرون من هذا كل المحاذرة ويتجنبون أن ينالهم شيء منه فهو منظر مؤلم كريه يضطرب القلب لرؤيته وتطير النفس شعاعًا من هوله وتحرص العين ألا تراه أبدًا حتى لا يبقى أثره في الذاكرة ينغص اللذة ويقلق الوجدان. هذا المنظر على بشاعته ونفرة النفوس منه يأبى كثير من الناس إلا أن يجعلوه المحطة الأخيرة في رحلة هذه الحياة والمستقر الدائم في الدار الآخرة يتسابقون للوصول إليه باذلين الوقت والجهد والمال ثمنًا له. أولئك الذين جحدوا بآيات ربهم وجعلوا له أندادًا وشركاء وكل ما تراه العين يشهد بربوبيته وألوهيته وتفرده بالوحدانية ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 23-24). وهل يعود للكفر من ذاق طعم الإيمان وأحس وعرف حلاوته؟ إن المقابلة بين الكفر والنار مقابلة تامة من جميع الوجوه فالكفر طريق يؤدي إلى النار لا محالة. والنار مثوى الكافرين لا يجدون عنها محيصًا ولا منها فكاكًا.. وضرب الأمثلة الحية – دائمًا – أبلغ في التصوير وتجسيد الواقع وأدعى للتصديق واليقين. وهذا المثل يصور لنا تصويرًا دقيقًا نهاية الارتداد عن شرع الله ومصير المرتدين ويضع الناظر فيه أمام النتيجة الحتمية التي تترتب على هذا العمل، فيرسخ في الوجدان كراهية الكفر والكافرين والخوف من النار التي أعدت لهم.

ثمرات المحبة ونتائجها

من رحمة الله تعالى وفضله أن جعل لكل طاعة ثوابًا ولكل عمل أجرًا ولكل غرس صالح ثمرًا، وتكفل – فضلًا منه وكرمًا – «أن لا يضيع أجر من أحسن عملًا» ومحبة الله U، ومحبة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من أفضل الطاعات ومن أجل القربات فلا عجب أن يكون أحباب الله تعالى موضع نظره يحوطهم ويرعاهم ويوفقهم ويسدد خطاهم يحميهم من السوء ويدفع عنهم الأذى، ويبلغهم في الدنيا رفيع الآمال ويعلي قدرهم في الآخرة ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69). ومحبو رسول الله هم: متبعو سنته السالكون طريقه المهتدون بهديه المقتدون بأفعاله وأقواله في كل ما يفعلون أو يذرون وحسب هؤلاء من محبتهم هذه أن يحبهم الله تعالى ويرضى عنهم ويغفر لهم ما أسلفوا من الذنوب وما فرطوا في جنب الله وقد وعدهم ربنا بهذا وعد صدق نطق به الكتاب العزيز ووحيًا فيه إلى يوم الدين ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31). وهم أول من تنالهم شفاعة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يوم يقوم الأشهاد لرب العباد ﴿وَتَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ (الحج: 2) ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ (عبس: 34-36) ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ (سورة المعارج: 10). فيالها من منزلة عظيمة ينالها المحبون ويا لها من ثمرة يانعة ينعمون بها ويسعدون وصدق الأخوة في الله بين المتآخين وصفاء الحب بينهم هو الخطوة التالية التي تبلغ الجنة والرضوان وقديمًا نعم بالأخوة أقوام فكانت عندهم هي الحياة لا تكدرها علائق الدنيا إذا انقطعت ولا تقويها إذا تحققت فهي خالصة لوجه الله مبنية على طاعة تهدف إلى مرضاته. وختامًا: فإن الأحبة مدعوون لأن يتفيأ الجميع ظلال هذه المحبة ويتجملوا بهذه الخصال التي يشعر صاحبها بطعم الإيمان وحلاوته. وكم يدمي القلب ويحزنه أن تتأثر الأخوة بوشائج الدنيا صعودًا وهبوطًا!! ألم يأن أن تؤوب القلوب إلى الله وتذر كل ما يباعد بينها ليلتئم الشمل مهما تباعدت الديار؟ إنا نؤمل.. وليس ذلك على الله بعزيز.



 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1317

108

الثلاثاء 15-سبتمبر-1998

خواطر حول الحب والمحبة

نشر في العدد 1896

83

السبت 03-أبريل-2010

استراحة المجتمع (العدد 1896)