العنوان وقفة تربوية الطاعة بين المحبة والخوف
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يناير-1998
مشاهدات 32
نشر في العدد 1286
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 27-يناير-1998
المجتمع التربوي
وقفة تربوية: الطاعة بين المحبة والخوف
دخل ابن خريم على المهدي، وكان المهدي قد عتب على بعض أهل الشام،
وأراد أن يغزوَهم بجيش، فقال: يا أمير المؤمنين، عليك بالعفو عن الذنب، والتجاوز
عن المسيء؛ فلأن تطيعك العرب طاعة محبة، خير لك من أن تطيعك طاعة خوف [العقد
الفريد: 3/ 188].
هذا الذي ذكره ابن خريم قبل عشرة قرون من الزمن أصبح الآن علماً
مستقلاً يُدرّس في مادة الإدارة في جميع جامعات العالم؛ فلا يمكن أن ينجح المدير
في إدارة إدارته ويحقق أهداف المؤسسة بإشاعة جو الكراهية والرعب والأحقاد
والشللية، بل لا بد له ليصل إلى أهدافه من غرس المحبة بين أفراد المؤسسة، وبينه
وبين موظفي المؤسسة... فلأن يطيعك موظفوك طاعة محبة، خير لك وللمؤسسة من طاعتهم
طاعة خوف... ولا شك أن هناك فرقاً كبيراً عندما يعمل العامل وهو يحب عمله
ومسؤوليته، أو يعمل وهو ساخط كاره لمؤسسته ومسؤوليته، وسيتبيّن الفرق في إنتاجية
كل من هذين العاملين.
لذلك كان أول عمل قام به الرسول ﷺ عند دخوله المدينة مهاجراً بناء
المسجد والمؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، وذكر من أحاديث فضل المحبة في الله ما
جعل الصحابة يتسابقون في هذا المضمار، الذي سبب وحدتهم القلبية حتى جعلهم كالجسد
الواحد؛ وبذلك أتم الرسول ﷺ وخلفاؤه من بعده الفتوحات الكثيرة، ودانت لهم
إمبراطورية فارس والروم.
وما ينطبق على المديرين والرؤساء ينطبق والله على الأب مع أبنائه؛
فطاعة الأب محبةً له أفضل بكثير من طاعته خوفاً، وكذلك ينطبق على الزوج مع زوجته؛
فطاعتها له محبةً له تختلف تماماً عن طاعتها خوفاً من تهديد بالطلاق أو الضرب...
فالحب في جميع هذه النماذج هو السر في تحقيق الأهداف ونجاح الأفراد والمؤسسات.
إعداد: عبد الحميد الجلالي
كرامة الإنسان
الإنسان مستخلف في الأرض باعتباره سيد المخلوقات حيث كلفه ربه بعمارة
الأرض: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، والاستخلاف تكريم
للإنسان ورفع من شأنه ومكانته، وقد فطره الله على سمات تؤهله لهذه المهمة، ومن
أهمها الحب والرحمة والمودة، فالأرض تحضنه مع إخوانه بني آدم، والأرض مسخرة
للتعايش: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي
مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].
واحترام قيم الإنسان وكرامته يقررها رب الكون بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[الحجرات: 13].
فالإنسان وكرامته من أبرز ثوابت المنهج الحضاري الإسلامي؛ فالإنسان في
أعلى مراتب المخلوقات في الأرض: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ
تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4].
فحفظ النفس البشرية واحترام آدميتها هو المنهج الذي جعل قيمة الحياة
تدور حول المنهج الحضاري الإسلامي: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ
فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
فتهديد حياة الإنسان وانتهاك سلامته وكرامته أشد عند الله من انتهاك
حرماته التي ما كانت أصلاً إلا من أجل مصلحة حياة الإنسان وسلامته وكرامته؛ فحين
تواجه سلامة الإنسان الخطر فإن بعض المحرمات تستباح إكراماً للإنسان وتعظيماً
لحياته وسلامته. وذات يوم مرّت جنازة برسول الله ﷺ فقام لها تكريماً وإجلالاً،
فقيل له: إنها جنازة يهودي! فقال عليه الصلاة والسلام: «أَوَلَيْسَتْ نَفْسًا!».
فالنفس الإنسانية مقدرة لذاتها معظمة بصرف النظر عن الهوية والولاء
والانتماء. ورأى عمر رضي الله عنه رجلاً هرماً يدب في الحي - أحد شوارع المدينة -
فاقترب منه يسأله عن حاله، فقال: أنا فلان النصراني، فقال عمر: والله ما أنصفناك!
أكلنا شبابك وبغينا عليك الجزية، ثم غفلناك في شيخوختك! ثم أخذ بيده إلى بيت المال
وقال: افرضوا لهذا الشيخ قوتاً ما دام حياً.
وهكذا يؤكد الإسلام على كرامة الإنسان بصفته إنساناً، وجاء في حاشية
ابن عابدين: "الآدمي مكرم شرعاً وإن كان كافراً".
وقضت رحمة الله أن يوزع نعمه على عباده، فاختص كل أمة بنوع من هذه
المسخرات ويسرها لهم.
تعال نؤمن ساعة: أعقبوا رمضان بالعمل الصالح
فما أتبَعَ العملَ المشين بعد العمل الرصين!
ما أجمل مدرسة الصيام وما أنفع التربية بالصوم! ليت المسلمين تربوا في
هذه المدرسة حتى تخلص نياتهم لله تعالى، فتكون سرائرهم خالصة وعلانياتهم صالحة.
والمسلم يجد في الصوم ما لا يجده في غيره من الشعائر التعبدية، لذلك نجد كثيراً من
المسلمين يترددون على هذه المدرسة طوال العام؛ فهم يصومون الأيام البيض من كل شهر،
كما أنهم يصومون الإثنين والخميس لأن العمل فيهما يُعرض على الله تعالى ويحبون أن
يُعرض عملهم وهم صائمون.
والمسلم يكثر من الصوم لأنه خير سبيل للتقوى، وبالتقوى ينال معية الله
ومحبته: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4]، ومن أجل ذلك كان ثناء
الرسول ﷺ على نبي الله داود عليه السلام حين قال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ
دَاوُدَ؛ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا». والمسلم في هذه الحياة
الجافية بشهواتها وبالكالح من فتنها التي تعصف بالمسلمين كل يوم، عليه ألا ينقطع
عن الصوم أبداً أو لا يغيب عنه كثيراً؛ فالصوم تطمئن به نفسه ويسلس قيادها ويكبح
جماحها، وهذا هو عين الفلاح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]. وعلى
المسلم أن يستبق الخيرات أينما كان وألا يفتر بعد رمضان، بل عليه مواصلة عمل الخير
من تلاوة للقرآن وتهجد وصدقات وحفظ لجوارحه؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الأجل، وليكن
شعاره: "اللهم اجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتيمه".
والعمل الصالح بعد رمضان دليل على قبول صوم رمضان بإذن الله؛ لأن من
علامة قبول العمل الصالح إتمام العمل الصالح بعده، وإن من القبيح أن يأتي المسلم
بعمل مشين بعد عمل رصين ويكون كالتي ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ
أَنكَاثًا﴾ [النحل: 92]. إن هذا السلوك - نسأل الله العافية - دليل على الأمن من
مكر الله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾
[الأعراف: 99].
نسأل الله الدوامة على فعل الخيرات وعمل الطاعات والثبات على
الاستقامة حتى يتوفانا ونموت على ذلك.
إعداد: عبد الفتاح الجعالي / محمد أبو سيدو
نحو تطوير الذات
متى يتأمل الإنسان نفسه؟ يتحسس مواضع قدميه، يستكشف المستقبل، يستوضح
عن علاقاته الاجتماعية: أقارب وزملاء... الواقع أن طبيعة حياة الإنسان تتجه دوماً
إلى التطور والإنماء، سواء كانت النتائج إيجابية أو سلبية، وكلما طالب بتطوير نفسه
رجالاً ونساءً كي تستمر هذه النفس فاعلة، وهو ما يسمى "بالتطوير الذاتي".
ويأتي التطوير كطلب شرعي لا بد منه للإنسان، لما يتميز به من خصائص
وإمكانات لم تتوافر لأحد غيره من مخلوقات الله عز وجل، فقد خلق له السمع، والبصر،
والقلب، والفؤاد...
الأساس الثاني: الإرادة القوية
فلا ارتقاء بلا إرادة، ولا صعود بلا فعالية نفس وتسييرها؛ لأن التطوير
عملية صعبة ينتقل فيها الإنسان من شيء مألوف اعتاد عليه إلى شيء أفضل وأرقى لم يكن
له به سابق عهد.
إرادة لا تعرف عقبات مستعصية، بل تتحرك وتبذل وتسعى للتذليل، إرادة
تترك القعود واليأس والعدول عن القصد، وتأنف العيش بين الحفر في حين يعيش غيرها
قمم الجبال.
قال الشاعر: خَلَقَ اللهُ
لِلحُرُوبِ رِجَالًا وَرِجَالًا لِقَعدَةٍ وَثَرِيدِ
ولابن الجوزي تنبيه لأولئك الكسالى صغار النفوس: "عودوا إلى
أوكار الكسل فنحن على نية الدخول في الغلاة، ثم يفصل: يا حاضرين معنا عودوا إلى
أوكار الكسل فالحرب طعن وضرب".
ويقول ابن فارس اللغوي رحمه الله:
إِذَا كَانَ
يُؤْذِيكَ حَرُّ المَصِيفِ *** وَيُبْسُ الخَرِيفِ وَبَرْدُ الشِّتَا
وَيُلْهِيكَ
حُسْنُ زَمَانِ الرَّبِيعِ *** فَأَخْذُكَ لِلْعِلْمِ قُلْ لِي: مَتَى؟!
وزاد ابن الجوزي في معرض حديثه عن أهمية الإرادة لطالب العلم:
"لا يطمعن البطال في منازل الأبطال، أما من ترجى الأماني، وصاحب التواني،
واستراح الراحة، واستحلى الرهافة، واستأذى الظلام، واستجمل الملابس واستحب النوم
الطويل وشغلته تقلبات الفصول عند الأخذ والتحصيل؛ فما أبعد العلم منه، وما أنفره
عنه...".
لذلك من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة، وإن التهذيب حصيلة
التعب، وكما قال ابن قيم الجوزية: "من لم يباشر حر الهجير في طلب المجد لم
يقلْ في ظلال الشرف".
ويخاطب كلاً منا قولُ الشاعر: تَظُنُّ إِدرَاكَ المَعَالِي رَخِيصَةً وَلَا بُدَّ دُونَ
الشَّهدِ مِن إِبَرِ النَّحلِ
إن الداعية بحاجة إلى إرادة قوية في كل مجال يعمل فيه، فليس الأمر
مقصوراً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل قوة الإرادة لا بد أن تتجلى في
العمل الوظيفي وأمور الأسرة والحياة بأسرها... فعندئذ يكون الداعية قد وضع قدمه
الثانية نحو تطوير ذاته.
بقلم: عدنان القاضي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل