العنوان الإيثار
الكاتب محمد الجاهوش
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1992
مشاهدات 70
نشر في العدد 1025
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 17-نوفمبر-1992
الإيثار في اللغة: مصدر الفعل آثر، ومعناه: اختار وفضل، وقدم. وقد ورد في القرآن في خمسة مواضع.
ورد بصيغة الماضي في موضعين قال
تعالى– حاكيًا اعتذار إخوة يوسف– عليه السلام– لأخيهم: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ
لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (يُوسُفَ:91).
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ
الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات: 37-39) وورد بصيغة المضارع في ثلاثة
مواضع قال تعالى– حاكيًا ما أجاب به السحرة فرعون بعد إيمانهم: ﴿قَالُوا لَنْ
نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ (طه: 72)، وقال تعالى واصفًا
موقف الأنصار من المهاجرين: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر:9)، وقال تعالى ناهيًا عن إيثار الدنيا على الآخرة: ﴿بَلْ
تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (الأعلى: 16-17).
ومن تتبُّع هذه الآيات نجد أن الله
تعالى قد مدح من آثر الحق على الباطل، وآثر غيره على نفسه، وذم من آثر هواء على
طاعة مولاه، ومن آثر الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، فما الإيثار وما حقيقته؟
الإيثار: هو تقديم الغير على
النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد
المحبة والصبر على المشقة.
والإيثار على النفس– مع الحاجة قمة
عليا، لا يبلغها إلا من قوي يقينه وصفت نفسه وعلت همته،
وكان بما عند الله أوثق بما هو في يديه.
وكما يكون الإيثار بالمال والمركز
والممتلكات؛ فإنه يكون بالنفس أيضًا.
وقد ضرب المسلمون الأوائل الأمثلة
الرائعة في كلا النوعين من الإيثار، وكانوا عناوين تحتذى، ونماذج يقتدى بها مادامت
الحياة والإحياء.
فالمهاجرون الأولون آثروا دينهم
وعقيدتهم على كل شيء، وتركوا من أجل ذلك المال والوطن والأهل والولد، وكانوا
السابقين الأولين الذين حازوا قصب السبق في هذا المضمار، فقد تصدق أبو بكر بكل
ماله، ولما سئل ماذا أبقيت لعيالك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، ولم يكن أبو بكر
بدعًا في هذا، ولا فريدًا في موقفه، بل كان هذا خلقًا شائعًا بينهم، وفهمًا
متأصلًا في نفوسهم، جعل صهيبًا يتنازل عن كل ماله إيثارًا لدينه، وليتمكن من
اللحاق بأحبابه في دار هجرتهم، وفعله عثمان عندما قدمت قوافل تجارته من الشام
والمسلمون في ضيق، فقد وزع جميع ما جلبت– وهو كثير- على أهل المدينة، وكان عمر–
وهو أمير المؤمنين- يعصب الحجر على بطنه، ويؤثر فقراء المسلمين بالطعام والشراب في
عام الرمادة، وقد تجلى هذا الخلق الرفيع في الأنصار الذين آووا
ونصروا، وآثروا إخوانهم على أنفسهم في أموالهم ومساكنهم وممتلكاتهم؛ فاستحقوا ثناء
الله تعالى عليهم ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر:9).
وقد بلغ الحال بهم أن كان الواحد
منهم يعلل صبيته ليناموا على الطوى، ثم يقدم طعامهم لضيفه؛ حيث لا يملك طعامًا
سواه.
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة
رضي الله عنه أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله،
إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء،
ثم أرسل إلى الأخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: والذي بعثك بالحق ما
عندنا إلا ماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يضيّف هذا الليلة رحمه
الله»، فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال
لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل
ضيفنا فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل، فإذا هوى ليأكل، فقومي إلى السراج؛ حتى
تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال: «لقد عجب الله عز وجل من صنيعكما بضيفكما الليلة».
وكان من معاني الأخوة ومفهومها
لديهم أن يؤثر الأخ أخاه، ويقدمه على نفسه وولده ولا ينتظر حتى يعرض له أخوه
حاجته، ويعتبر ذلك تقصيرًا في حقه، ويحزن أشد الحزن إن علم أن أخاه بحاجة، وهو لا
يدري.
وإذا كان الإيثار بالمال خلقًا
شائعًا بينهم، قلما تجد فيهم من لا يتحلى به، فقد عرف عنهم الإيثار بالنفس كذلك.
والإيثار بالنفس قمة البذل وغاية
العطاء، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
وقد بلغ هذه الغاية رجال تربوا في
مدرسة النبوة، ونشأوا على تعاليم القرآن، فكانت نفوسهم رخيصة أمام غايتهم العليا
وهدفهم الرفيع، أمام حماية الإسلام وإيصاله إلى كل إنسان.
ففي يوم أحد أصاب المسلمين ما
أصابهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم، فيقول أبو طلحة: لا
تشرف يا رسول الله، نحري دون نحرك، واحتضن رسول الله ليقيه من سهام
الأعداء، فأصابه سهم فشلت يده، واستمر هذا الخلق الكريم في أبناء هذا الجيل حتى
بعد أن لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى.
يقول حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي– ومعي شيء من الماء– وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا
أنا به، فقلت له: أسقيك، فأشار برأسه أن نعم، فإذا برجل يقول: آه آه، فأشار إليَّ
ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن
نعم، فسمع آخر يقول: آه آه.. فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات،
فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات.
لقد آثر كل منهم صاحبه وفضله على
نفسه وهو في الرمق الأخير، ومضى الثلاثة دون أن يشربوا شربة الماء؛ لينالوا ما عند
الله.
وامتد هذا الخلق في التابعين
وتابعيهم ممن تتلمذوا على أيدي الرعيل الأول.
قال أبو يزيد البسطامي: ما غلبني
أحد ما غلبني شاب من أهل بلخ، قدم علينا حاجًّا، فقال لي: يا أبا يزيد، ما حد
الزهد عندكم؟ فقلت: إن وجدنا أكلنا، وإن فقدنا صبرنا، فلم يعجبه مقالي، فقلت: وما
حد الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا شكرنا، وإن وجدنا آثرنا.
هذا، ولا تعارض بين هذا الذي
ذكرناه من بذل جميع ما لدى الإنسان إيثارًا لغيره على نفسه وأولاده، وبين ما صح من
الأحاديث التي تنهى عن التصدق بجميع المال، وتحث على الادخار لشدائد الأيام
والذرية الضعفاء.
نعم، لا تعارض بين الحالتين، فإن
النبي صلى الله عليه وسلم قبل من أبي بكر جميع ماله عندما تصدق به في سبيل الله،
وقبل من عمر نصف ماله، ورد كعبًا وأبا لبابة، وسعد بن أبي وقاص إلى الثلث، وقال
لسعد: «والثلث كثير».
ونفهم من هذا أن المسألة تكون بحسب
حال الموسرين، فمن كان ذا قدم راسخة في اليقين، لا تجزع نفسه على المال، ولديه من
الصبر والقناعة ما يجعله مطمئن القلب، يستوي في نظره السعة والضيق واليسار
والإعسار، ولم يضيع حقوق أصحاب الحقوق، ولا نفقة من يعول؛ فهذا تحمد له مواقف
الإيثار المطلق.
ومن يخشى منه عدم الصبر، وربما
تعرض للمسألة أو الجزع وقلة الصبر، فالأصلح لحاله وماله أن يمسك فضل ماله لشدائد
الأيام ومتطلبات الحياة.
والمجتمع المسلم قديمًا أفاد من
خبرة الخبراء، وعلم العلماء، ومال الأغنياء، إذ الكل كان يؤثر البذل والعطاء،
ويقدم حقوق إخوانه على حاجات نفسه، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها،
فما أحوج المسلمين اليوم إلى فهم هذه المعاني وتطبيقها. وإذا كان الإسلام قد مدح
الإيثار وأثنى على المؤثرين، فإنه بالمقابل ذم الأثرة والاستئثار ومن يتصف بهما.
والاستئثار والأثرة الانفراد
بالشيء بمعنى أن يخص الرجل نفسه بالشيء، ويستبد به دون غيره، وهو من الأخلاق
المذمومة التي تنبئ عن البخل والشح والأنانية.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم
للأنصار أنهم سيلقون بعده من يستأثر عليهم، فأوصاهم بالصبر، قال صلى الله عليه
وسلم: «ستكون بعدي أثرة فاصبروا».
ورد أيضًا في صفحة «المجتمع
التربوي» من هذا العدد:
وقفة تربوية
إن الله تبارك وتعالى خلق الأنفس
من التراب والتراب من خصائصه التشكل والتغير، فلابد أن يسعى المربى إلى تربية نفسه
وتطويرها وفق قالب يضع نفسه فيه، فيضبطها لتسير على النهج السوي الذي أمرنا به
الله تبارك وتعالى.. ولكن لا ينسى المربي أن النفس أحيانًا تحاول أن تخرج من هذا
القالب وذلك لطبيعتها الترابية.
لا يصلح النفس إن كانت معربدة
إلا
التنقل من حال إلى حال
لا تلعبن بك الدنيا وأنت ترى
ما
شئت من عبر فيها وأفعال
فالقلوب بين إصبعين من أصابع
الرحمن يقلبها كيف يشاء.. فلابد من متابعة النفس وصقلها في هذا القالب التربوي..
ولهذا قال محمد قطب: العجينة البشرية عجينة عصية تحتاج إلى متابعة دائمًا، وليس
يكفي أن تضعها في قالبها المضبوط مرة، فتضبط إلى الأبد وتستقر هناك، ولكن لابد من
بروزها هنا وهناك فتعيد ضبطها داخل القالب.
جاسم المطوع
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل