; وقفات من السيرة: حيل الباطل في فتنة الدعاة | مجلة المجتمع

العنوان وقفات من السيرة: حيل الباطل في فتنة الدعاة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1988

مشاهدات 79

نشر في العدد 869

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 07-يونيو-1988

عندما أسلم عياش بن أبي ربيعة، وهاجر مع من هاجر إلى المدينة، "خرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام إلى عياش - وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما - حتى قدما المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فكلماه وقالا له: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك. فرِقَّ لها. فقال له عمر رضي الله عنه: إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك، فاحذرهم؛ فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت. قال: فقال: أَبِرُّ قَسَم أمي، ولي هناك مال فآخذه. فقال له عمر: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالًا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. قال عمر: فأبى عليَّ إلا أن يخرج معهما. فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إن فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من أمر القوم ريب فانج عليها. فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى. فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض، عدوا عليه فأوثقاه رباطًا، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن.

قال عمر: فكنا نقول لا يقبل الله ممن افتتن توبة. وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنزل الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ (الزمر:53) الآية. قال عمر: وكتبتها، وبعثت بها إلى هشام بن العاص... فرجع هشام وعياش إلى المدينة مع الوليد بن المغيرة" (1).

 

تكرر الصورة:

هذه الصورة تتكرر في كل عصر يشتد فيه ويعلو صوت الباطل على الحق. تتكرر في جميع زواياها من حيث محاولة أهل الباطل استخدام الحيل الكثيرة لفتنة الدعاة، ومن حيث محاولة إخوان المفتتن بصدِّه وتحذيره من تصديق أهل الباطل، ومن حيث تصديق بعض الدعاة لحيل أهل الباطل، ومن حيث خيانة أهل الباطل وكذبهم على الدعاة، ومن حيث تكرر الخلاف الذي يحدث في الصف الواحد، عندما يحاول أهل الباطل استخدام إحدى هذه الحيل لفتنة الدعاة، ومن حيث افتتان البعض ونكوصهم على أعقابهم حتى يكونوا هم أكثر عداءً من أهل الباطل أنفسهم على إخوانهم بالسابق.

 

أنواع هذه الحيل:

إنهم يدرسون كل فرد أو كل مجموعة على حدة دراسة مستفيضة، فيعرفون نقاط الضعف، ونقاط القوة في كل فرد، ومن خلال هذه الدراسة يبدأون بحياكة هذه الألاعيب ونصب هذه الشباك ليقع فيها من يقع من الدعاة. ومن أهم هذه الألاعيب:

1.     التركيز على الأقارب:

كما فعل أبو جهل، ذلك لأنها أقوى علاقة يتعامل معها الداعية بسبب الحث الكثير من القرآن والسنة لتأكيد هذه العلاقة، خاصة فيما يخص الوالدين، فقد يرسلون لمن يريدون القبض عليه برقية مزورة باسم أمه أو أبيه بأن يحضر لتلك البلد - التي هاجر منها اتقاءً للفتنة - بسبب مرض أحد والديه أو لأي أمر طارئ يختص بهما، فإذا ما جاء قُبض عليه أو إنهم يهددونه بأمه أو أبيه بأن يمسوهما بسوء أو بإخوانه، ذلك ليثيروا فيه الغيرة والعاطفة حتى يلقوه في شباكهم. وكم من الدعاة سقط في مثل هذه الشباك، ونسأل الله الثبات.

2.     التركيز على المال والمنصب:

إما بإعطائه أو منعه، فتتوقف الدرجات والعلاوات ويُحرم من المناصب التي هو أهل لها، وتُعطى لمن هو دونه لإغاظته. هذا الوضع يجعل البعض يفكر جديًا بتغيير هويته الإسلامية والتنازل عن مبادئه في سبيل الحصول على ما فقده بسبب التزامه. وكم رأينا من أثرت فيه هذه الحيلة وابتعد عن الطريق من أجل شراء الدنيا، ونسأل الله الثبات.

أو تكون بغرض هذه المناصب العالية، والدرجات من أجل التنازل عن مبادئه، ولعمر الحق أن هذه الفتنة أقوى بكثير من أختها، ذلك أن الفتنة الأولى يصمد لها الكثير بسبب روح التحدي، ولكن الأخرى لا يصمد أمامها الكثير بسبب الشهوة الجامحة في النفس البشرية للمنصب والمال، وكم من داعية خان الأمانة بعد افتتانه بالمنصب والمال، وكشف ما لم يكشف، وسبب الكثير من الأذى لإخوانه، ثم بعد ذلك رماه أهل الباطل بعد أن استنفذوا ما عنده.

3.     إظهار الثناء:

فتراهم يكيلون المدح في الإعلام لفصاحة الداعية "فلان" الذي يريدون فتنته أو جمال أفكاره وخصاله، ويضربون به المثل على صواب خطه وخطأ خط إخوانه الدعاة الآخرين، ويرمون من وراء ذلك إلى إدخال العجب والغرور في نفسه، ليكون مع مرور الوقت أداة هجوم على إخوانه بما يرميهم به من تسفيه آرائهم وأفكارهم وصواب رأيه هو، الأمر الذي يجعله يترك الصف، أو يشقه فيتم لهم ما يريدون.

4.     البعثات للخارج:

فإذا كان مؤذيًا لهم فإنهم يرسلونه للخارج لبعثة دراسية أو لتمثيل بلده بمؤتمر، أو دورة، أو تمثيلًا دبلوماسيًا، أو لأي غرض من الأغراض، ويتفقون هناك مع بعض من يقوم بإغرائه بالفتيات أو أن الجو هناك يكون بذاته فتنة له ويبعده عن الجادة التي تربى عليها، أو أنهم يرسلون له من يخلصهم منه هناك بحادث ضد مجهول بعيدًا عن قضية جمهوره في بلده.

5.     الاستهزاء وتلبيس التهم:

وهذه الوسيلة هي أكثر الوسائل والحيل انتشارًا، إذ إن كثرة الاستهزاء والتهكم والاتهام بالباطل لحملة الدعوة، من خلال الحملات الصحفية بمناسبة وبغير مناسبة يشكل ضغطًا نفسيًا على بعض الدعاة، مما يؤثر على سيرهم في الدعوة، وثباتهم على طريق الحق. هذه بعض الحيل التي يستخدمها أهل الباطل لفتنة الدعاة، ولكنها جميعها تتكسر أمام الرجال الذين ربوا أنفسهم على التضحية في سبيل الله، بعد أن قبلوا بيع النفس والمال ابتغاءً لوجهه الكريم وجنته والابتعاد عن ناره، وعرفوا حقيقة الدنيا وزينتها فلم تُغرهم بعد أن زهدوا فيها، ورغبوا فيما عند الله.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1636

73

السبت 22-يناير-2005

هواية زوجتي تأخذها مني

نشر في العدد 1808

66

السبت 28-يونيو-2008

فكر .. النساء العالمات