الثلاثاء 17-أكتوبر-1989
أحببت أن أكتب
إلى إخواني بعض ما أستطيع أن أعبر به عن إخلاصي لهم في النصيحة الغالية.
الرحمة رقة في
القلب وحساسية في الضمير وإرهاف في الشعور، وهي كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق
لآلام الخلق ويسعى لإزالتها، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى والاستقامة والصلاح.
فالرحمة العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة والحنان على الآخرين، وهي روح تحل
بالجسد فتحركه وتبعث فيه الحياة إلى سعادة وبناء وإصلاح.
وهي في كمالها
وتمامها وامتدادها المطلق صفة المولى القدير تباركت أسماؤه وعلت صفاته: "ليس
كمثله شيء وهو السميع البصير" فحينما أشرق شعاع من علمه المحيط بكل شيء أشرق
معه شعاع الرحمة الغامرة التامة.
قال تعالى:
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ
تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (غافر:7)
فرحمته سبحانه
قد وسعت كل شيء من خلقه بل كل جزء منها، وما هذه الرحمة إلا جزء من مائة جزء من
رحماته العظيمة سبحانه وتعالى ما أعظمه وما أرحمه.
وعن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "جعل الله الرحمة
مائة جزء فأمسك تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم
الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" (البخاري ومسلم).
وعن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة
من السبي تسعى قد حلبت ثديها، إذ وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألصقته ببطنها
فأرضعته.
فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟"
قلنا: لا والله
وهي تقدر على ألا تطرحه.
قال:
"فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها" (البخاري).
فما ترى وتشاهد
وتسمع من مظاهر الرحمة بين الناس والحيوان والمخلوقات ما هي إلا جزء يسير مما تفضل
الله به من رحمة أودعها فيهم، وهو سبحانه وتعالى صاحب الرحمة العظيمة الشاملة
الكاملة وهو مصدر كل خير، فبهذا المعنى العظيم وهذا الشعور تعيش مع الله سبحانه
وتبني علاقتك به.
مع رب رحمن رحيم
قد غمرك الله برحمته في جميع جزئياتك وما حولك بهذه الرحمة فانعم بها وأد شكرها
وداوم على ذلك حتى تكون ممن يستحقها ويعرف قدرها.
لقد امتن الله
سبحانه وتعالى البر الرحيم علينا وعلى الناس ببعثة رجل يمسح آلام الناس، ويخفف
أحزانهم ويخلصهم من الضياع والانحراف عن الفطرة السليمة التي فطرهم عليها.
قال تعالى:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ
أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (آل
عمران:164)
أرسل الله
سبحانه وتعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم وسكب في قلبه العلم والحكمة، وفي
خلقه البر والإيناس، وفي طبعه السهولة والرفق، وفي يده السخاوة والندى، مما جعله
بها أزكى عباد الله رحمة، وأوسعهم عاطفة وأرحبهم صدرًا، وبه أتم الله دينه ورضيه
إلى قيام الساعة وختم به رسالاته إلى أهل الأرض وجعل خلقه هو الخلق المرضي ومنهجه
وطريقته هي الطريقة المستقيمة، وحبه واتباعه محل رضا الرب والفوز بالجنة.
قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ
الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:159).
هذه الأخلاق
الرفيعة وخاصة ما ذكره الله سبحانه في هذه الآية من النعمة التي امتن بها عليه وهي
الرحمة التي غرسها في قلب حبيبه ورسوله قد لازمته طيلة حياته، لم تتخلف عنه لحظة
من اللحظات ولم تغب عنه في موطن من المواطن.
فقد كانت هذه
الأخلاق مفتاحًا فتح به رسول الله صلى الله عليه وسلم قلوب الناس ليغرس فيها
الإيمان والتصديق واليقين والحق الذي حمله ربه عز وجل أمانته فقد فتحت له القلوب
قبل البيوت والبلاد وذلك بما كان يتحلى به من خُلُق وفضيلة يعجز اللسان وينضب
القلم والمداد عن عدها وذكرها، وأعظم تلك الخلال هي رحمته التي تمثلها رسول الله
صلى الله عليه وسلم في سلوكه مع الناس والحيوان حتى ضرب بها أروع الأمثلة بالتخلق
بخلق الرحمة التي دعا إليه كتاب الله عز وجل.
فأين دعاة
الإسلام اليوم من هذا السلوك، فإن أرادوا أن تُفتح لهم قلوب الناس فعليهم بهذا
الخلق ويلتزموا به ويربوا عليه ناشئتهم ويقيموا به علاقتهم مع الناس، وليظهر على
سلوكهم وفي مواقفهم ويدافعوا ذلك بكل غالٍ ورخيص حتى يفوزوا بالنصر بإذن الله
تعالى.
قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)
أبو براء