العنوان وقفات أمام العدوان الصهيوني على فلسطين ولبنان
الكاتب علي بن عمر بادحدح
تاريخ النشر السبت 19-أغسطس-2006
مشاهدات 1
نشر في العدد 1715
نشر في الصفحة 28
السبت 19-أغسطس-2006
﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا
فِي الْبِلادِ﴾) آل
عمران: 169)
وقفات
أمام العدوان الصهيوني على فلسطين ولبنان
د. علي بن
عمر بادحدح (*)
·
الصراع مع اليهود الصهاينة - ومركزه أرض الإسراء
- صراع عقدي حضاري، وأسبابه لها جذور تاريخية منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم
ومن هنا يأتي فهم سياق الأحداث الجارية
·
مقاومة المحتل والدفاع عن الأرض والعرض حق مكفول
في جميع الملل والشرائع.. ومشروعية المقاومة ضد المحتل أقرتها الأعراف والقوانين
الدولية
·
المعارك الحالية جزء من مرحلة طويلة في مضمار
الصراع ولا تزال هناك مراحل مليئة بالمواجهات
·
قل أن تجد في التاريخ مقاومة لمحتل لديها قوة
مكافئة لقوته ومن ثم لا بد من تقديم ضريبة العز وثمن النصر بدماء الشهداء
·
طبيعة الإجرام والعدوان اللإنساني الغاشم الذي
يمارسه الكيان الصهيوني المحتل نراه جليًا بكل قسوته وفظاعته في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا
يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ
وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (التوبة: 8)
سيطرت أنباء
المجازر الصهيونية ضد المدنيين العزل في فلسطين ولبنان على وسائل الإعلام
المختلفة، فعلى مرأى ومسمع من العالم كله قام الكيان الصهيوني بأبشع جرائم القتل
التي كان ضحاياها من المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ، كما مارس التدمير الآثم
على خدمات الكهرباء والمياه والمطارات والموانئ والجسور والطرقات، في جريمة كبرى
لا مثيل لها في وضوحها وبشاعتها، وفي خضم المناورات والحسابات السياسية يختلط كثير
من الحقائق والرؤى الصائبة، وهذه نظرات مستلهمة من القرآن والسنة حول المفاهيم
والمواقف
أولًا : مفاهيم
الصراع المبدئية
1 - الصراع مع
اليهود الصهاينة - ومركزه أرض الإسراء - صراع عقدي حضاري، وأسبابه لها جذور
تاريخية في عداء اليهود للإسلام منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا يأتي
فهم سياق الأحداث الجارية من مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ
أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة: 64)، أي كلما عقدوا أسبابًا يكيدونك
بها، وكلما أبرموا أمورًا يحاربونك بها، يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم «ابن كثير ص
634»، وكون المراد من الحرب محاربة الرسول ﷺ هو المروي عن الحسن ومجاهد «الألوسي 6/183»،
ومزيد من البيان نجده في قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً
لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ
ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا
يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (المائدة: 82)، وهذا خبر مطلق منسحب على الزمن
كله، وهكذا هو الأمر حتى الآن، وذلك أن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم.
ودربوا العتو والمعاصي، ومردوا على استشعار اللعنة وضرب الذلة والمسكنة، فهم قد لحجت
عداوتهم، وكثر حسدهم، فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين «ابن
عطية ص 568»،
وطبيعة الإجرام والعدوان اللاإنساني الغاشم الذي يمارسه الكيان الصهيوني المحتل
نراه جليًا بكل قسوته وفظاعته في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا
يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ
وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴿ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا
يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ
ٱلۡمُعۡتَدُونَ ﴾ (التوبة: 8).
2- الغايات التي
يريدها الصهاينة وأمريكا الداعمة لهم، والغرب المتواطئ معهم معرفتها سهلة لظهورها
في الواقع مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ
بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
(التوبة: 32).
فالغايات الكبرى
هي مناوأة الإسلام ومحاربة عقائده ومبادئه، ومن ثم استهداف معتنقيه وحملته بالقتل بصفة
دائمة كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ
يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن
دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 217).
3 - سنة الكون لا
تتبدل ولا تتغير، فالتمكين في الأرض ممزوج ومسبوق بسنة الابتلاء، قال تعالى
﴿أَمْ
حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ
خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا
حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ
أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).
4 - نهاية الصراع
وعاقبة المواجهة والجهاد واضحة عند المسلمين، وهي دائرة بين اثنتين: «النصر أو
الشهادة»، وفي الأولى فوز الدنيا، وفي الثانية فوز الآخرة ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ
لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى
الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ
مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة: 51)، والبيان التوضيحي لذلك نجده في
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا
يخرجه إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي
خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة» (رواه البخاري).
ثانيًا : مفاهيم
المقاومة والانتصار
1 - إن مقاومة
المحتل والدفاع عن الأرض والعرض حق مكفول في جميع الملل والشرائع، ومشروعية
المقاومة ضد المحتل أقرتها الأعراف والقوانين الدولية، واستمداد المشروعية - عند
المسلم - لا يفتقر إلى ذلك لأن أساسه الوحي المعصوم ومواده آيات القرآن الكريم
فالحق جل وعلا يقول: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ
عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ
لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا
نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ
أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن
كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾ (التوبة 12:14)، وفي سنة سيد المجاهدين عن سعيد
بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل ون ماله فهو شهيد، ومن
قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (رواه الترمذي، وله
رواية مختصرة عند البخاري)، فهل بعد هذه المشروعية الواضحة المحددة في
الحالات المختلفة هناك حاجة لمزيد؟
وينبغي التنبيه
على أن مشروعية لجهاد الإسلامي الصحيح المشروع دائمة ومستمرة ومستمدة من سنة
المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد روى سلمة بن نفيل الكندي رضي الله عنه قال: كنت
جالسًا عند رسول الله ﷺ فقال رجل: يا رسول الله، أذال الناس الخيل ووضعوا السلاح،
وقالوا : لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها، فأقبل رسول الله ﷺ بوجهه وقال: «كذبوا
الآن، الآن جاء القتال ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم
قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الل،ه والخيل معقود في
نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (رواه النسائي).
2 - إن المرابطين
المقاومين المجاهدين في سبيل الله، ومن ورائهم المؤمنون بالله حق الإيمان يدركون
الحقائق الإيمانية ويعرفون الموازين الإسلامية فيمضون في معاركهم، وهم على بصيرة،
فهم على يقين أن النصر من الله، وليس بعدة ولا عتاد ولا كثرة أعداد، ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو
اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249)، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 126)، ومن قوة إيمانهم يثبتون
ويصبرون، فموقفهم في مثل هذه المواجهة - رغم شدتها - التقدم لا التراجع، وكأنهم
يمضون مع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ
تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ
مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: 104)، ويجددون ما مضى عليه أسلافهم من
المجاهدين المؤمنين، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ
يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).
3 - إن المقاومة
دليل حياة الشعوب، ومؤشر على كرامة وحرية الرافضين للاحتلال، ولا يرضى بالذل،
ويستسلم للعدوان إلا من سفه نفسه وفقد إنسانيته، ولا بد من تثبيت معاني كرامة وعزة
المسلم وأنه يجب ألا يذل إلا لخالقه استجابة لنداء الحق جل وعلا: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ
الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)، وحين يكثر الظلم وتتوالى
الضربات والإهانات تضمر هذه المعاني، وللأسف فإننا نجد أن وسائل الإعلام تساهم في
تكريس ذلك من خلال تزييف معاني العزة والكرامة والاستهزاء بها، وبالتالي تنسى هذه
المعاني مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال، مما يستدعي التأكيد على ذلك، لا سيما في
مثل هذه الأزمنة التي مرت فيها الأمة الإسلامية بحالات من الضعف الشديد، ولعل من
سبل مواجهة ذلك إبراز أثر المقاومة في العزة والاستعلاء الإيماني.
4 - إن تاريخ
أمتنا يكشف لنا أن المسلمين انتصروا في معاركهم الكبرى جميعها على الرغم من قلة
قوتهم عددًا وعدة مقارنة بعدوهم، ففي يوم بدر يقول سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ
الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ
يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (آل عمران: 13)، وهكذا كان الحال في اليرموك
والقادسية، بل وفي حطين وعين جالوت، ومثل ذلك في فتح الأندلس والقسطنطينية، وفي
العصر الحديث كانت المقاومة الباسلة للمحتل الفرنسي في الجزائر، وللمحتل الإيطالي
في ليبيا، وللمحتل الإنجليزي في مصر والعراق، وغير ذلك، وقل أن تجد في التاريخ مقاومة
لمحتل لديها قوة مكافئة لقوته، فضلًا عن أن تكون متفوقة عليه، ومن ثم لا بد من
تقديم ضريبة العز، وبذل ثمن النصر من خلال تقديم الشهداء، وضرب أروع أمثلة التضحية
والفداء، وأما الانتظار إلى أن تتعادل الكفة، وتتكافأ القوى، فغير ممكن.
ثالثًا : مفاهيم
المواجهة الحالية
1 - إن أساس المواجهات الحالية وأصلها يتمثل في
الاحتلال، ووجود الصهاينة المحتلين على أرض فلسطين ولبنان هو السبب لكل ما يجري،
ولذا يجب أن تتجه الأنظار إلى لب المشكلة لا إلى آثارها، ولا يغيب عن ذهن أي عاقل
ما سبق هذه الاعتداءات الصهيونية على فلسطين ولبنان من أعمال إجرامية مليئة
بالغطرسة والعدوان من قتل وهدم وتجريف واعتقال، وهو ما يعتبر سمة أساسية في هذا
الكيان الغاصب، الذي يضرب عرض الحائط بكل القوانين والقرارات الدولية، فلا يصح
بحال قطع ما يحصل الآن من قصف لفلسطين ولبنان عن تاريخ هذا الكيان المليء
بالانتهاكات والعدوان والظلم الشنيع، ومن ثم فإن كل فعل ضد هذا الإجرام الفظيع أقل
درجاته أنه من باب الدفاع عن النفس، واسترداد الحق، ومعاقبة المجرم المعتدي ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 194)، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ
يَنْتَصِرُونَ﴾ (الشورى: 39).
2 - ينبغي الانتباه
إلى أنه - في هذه الأحداث الدامية العصيبة - يوجد عدو مشترك وهو العدو الصهيوني
الذي استقوى بأمريكا وغيرها من قوى الاستكبار، ومارس القتل والتشريد للمستضعفين من
المسلمين بكافة أجناسهم وطوائفهم وهذا عدو للجميع، وينبغي التوحد في مواجهته، حتى
وإن اختلفنا في المذاهب والتوجهات، وإن كل ما يضر العدو الصهيوني، ويؤذيه ويوقع
فيه النكاية فالموقف منه التأييد بغض النظر عن مصدره ومعتقده أو مذهب فاعله، ولذلك
أصل في أول سورة الروم ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم
مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن
قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ (الروم 2،3).
4 - إن المعارك
والمواجهات الحالية إنما هي جزء من مرحلة طويلة في مضمار الصراع، ولا تزال هناك
مراحل مليئة بالمواجهات، فلا ينبغي أن تختصر القضية في هذه الأحداث الجارية
حاليًا، ولا ينبغي أن تؤخذ بالأحداث الآنية، فالأيام دول ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ
قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 140).
وفي يوم أحد: «قال
أبو سفيان رضي الله عنه: يوم بيوم بدر.. يوم لنا ويوم علينا، ويوم نساء ويوم نسر،
حنظلة بحنظلة وفلان بفلان، وفلان بفلان.. فقال رسول الله ﷺ: «لا سواء، أما قتلانا
فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون»، وإن الأحداث الراهنة - بما فيها من شدة
وعسر - تكشف صدق الصادقين وزيف المدعين الذين وجدوا في ظاهر الأحداث فرصة للتشفي
من أمتهم ومبادئها، وتأكيدًا لخنوعهم ودعوتهم المخذلة للارتماء في أحضان الخصوم
والأعداء ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ
عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ
رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا
وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 179).
5 - إن العقيدة
الصهيونية قائمة على استغلال أي فرصة لضرب أي جهة تقاومها أو تفكر في مقاومتها
مستقبلًا، ويخطئ من يظن أن المقاومة في فلسطين لها قدرة على تجنب القتال، لأنه
مفروض عليها بحكم النظرية العدوانية الصهيونية، ومن خلال التفوق في القوة والآلة
العسكرية اللتين تتضافران على وجوب إرغام الجميع لسيادتها، سواء تحت تهديد القوة
أو الاستسلام المسمى بأسماء السلام أو التطبيع.
رابعًا : مواقف
الأطراف المختلفة:
1- إن موقف الدول
الكبرى تراوح بين التأييد الظالم والسكوت المظلم، والمسارعة للضغط على الطرف
المظلوم وتحميله المسؤولية، ومطالبته بتنفيذ شروط المعتدي والرضوخ لإرادته دون قيد
أو شرط، وإضفاء الشرعية على عدوانه وصبغه بالدفاع عن النفس، وهذا هو موقف أمريكا
المعلن وموقف أوروبا المبطن، وموقفهم جميعًا - قبل الأحداث الأخيرة - كان متفقًا
على محاربة الحكومة الفلسطينية المنتخبة ومحاصرتها هي والشعب الفلسطيني بكامله،
على الرغم من المأساة والمعاناة، وكل ذلك دليل على زيف دعاوى تحقيق الديمقراطية،
وعدم مصداقية الحفاظ على حقوق الإنسان، واختلال ميزان العدل وغياب المساواة،
وترسيخ مبادئ الظلم والعدوان، كما أنه دليل على أن تلك الدول تتبنى الإضرار بالعرب
والمسلمين، وتفرح بأذاهم وتساعد على ذلك وتؤيده، بل إن أمريكا تمنع مجرد إدانة
المعتدي، وذلك من خلال استخدام حق النقض «الفيتو» الذي يمثل شريعة الغاب، ويلغي
الحق والعدل بالقوة والهوى، ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا
النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾
(البقرة: 120).
2 - تعودت الشعوب المضطهدة في فلسطين ولبنان
وغيرها، أن تسمع من الدول العربية كلمات الشجب والاستنكار التي لا تدفع ولا تنفع،
وقبل هذه الأحداث كانت مجازر شاطئ غزة وجرائم وحشية يهودية متكررة، فضلًا عن وجود
آلاف الأسرى الفلسطينيين بمن فيهم من النساء والأطفال، وكل ذلك قابله السكوت
المطبق طوال الأشهر السابقة في فلسطين، وموقف الدول العربية من الأحداث الحالية لم
يرق، وليت الأمر توقف عند هذا الحد لحجم التحديات، إلا أننا نرى بعض الحكومات نزلت
إلى درجة لم تكن متوقعة من التخلي التام عن المقاومة المشروعة، بل وإدانتها بشكل
مباشر أو غير مباشر، وذلك يتضمن إعطاء العدو الصهيوني مشروعية التدمير والعدوان،
وهذا ما تذكره وتستشهد به أمريكا، وأين هذه المواقف من قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ
فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الأنفال: 72)، وهذا كله بخلاف ما عليه شعوب
البلدان العربية والإسلامية التي تؤيد في معظمها المقاومة وتتلهف لمعاونتها
والوقوف في صفها.
خامسًا : الموقف
من حزب الله
1 - إن اتخاذ
المواقف - في مثل هذه الأحداث - يؤسس على قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وذلك
يرجع إلى اجتهاد أهل الشأن حسب تقديرهم المستهدي بأصول الشريعة ومحكماتها،
والمستند إلى معرفة وخبرة واقعية بمجريات الأحداث، وهو اجتهاد قد يعتريه الخطأ،
ويتغير بحسب ظروف الزمان والمكان.
2- لا يخفى على أي
مطلع أن الحزب شيعي المذهب، وله ارتباطاته الواضحة بإيران، وصلاته المعروفة بسوريا،
وذلك له أثره الواضح على توجهاته وأعماله، ولكن هذا ليس هو المقياس الوحيد في هذه
المعركة التي نحن بصددها.
3 - إن للحزب
وحلفائه أهدافًا تخصهم وتصب في مصالحهم الذاتية، وأهدافًا يشتركون فيها- من خلال
العمل الميداني على الأقل - مع المقاومة في فلسطين ومع مصالح بقية الأمة، وذلك في
إلحاق الضرر بالعدو الصهيوني، وكل أذى ونكاية في هذا العدو مطلوبة ومرغوبة.
4 - الوقت الحالي
- مع استمرار هذا العدوان - ليس وقتًا مناسبًا للمحاسبات الذهبية أو الطائفية، بل
هو وقت ينبغي فيه التركيز على العدو الأكبر الذي يهلك الحرث والنسل ويهدد البلاد
والعباد .
5 - إن النظرة
الكلية للصراع تقتضي رد الجزئيات إلى الكليات وربط الفروع بالأصول، والنظرة
الشاملة هي المطلب الذي يساعد على صواب الرأي ووضع الأمور في نصابها من خلال رؤية
خطورة وشمولية المعركة، والأطراف المشاركة والمؤيدة للعدوان، حيث يكون التأييد أو
التحفظ في إطار محدد ومتوازن، وبما يحقق المصالح ويدفع المفاسد.
لأول وهلة
6 - إن العدوان
الصهيوني الحالي في لبنان ليس وليد وقته، وليس ردة فعل حدث معين - كما يبدو للناظر
لأول وهلة - بل إن الوقائع تدل على غير ذلك؛ إذ لا يمكن أن يكون تحديد الأهداف
الكثيرة، والعمليات المتواصلة مع تحديد مدد ومطالب معينة، كل ذلك لا يمكن إلا بتخطيط
مسبق وإعداد مبيت، ومثل هذا تمامًا يقال في الأحداث الأخيرة في فلسطين بعد عملية «الوهم
المتبدد» وما تلاها من عمليات عسكرية وخطف للوزراء والنواب، وهذا يتوافق مع استراتيجية
العدوان الصهيوني الذي يسعى إلى إنهاء كل قوة محتملة يمكن أن تشكل مقاومة له أو
حجر عثرة في طريق مخططاته.
سادسا: المواقف والأعمال المطلوبة:
إنه لا بد لنا
إزاء هذه الأحداث أن نغير في مسيرة حياتنا فكرًا وشعورًا بما يلزم من الاستمساك
بالدين والاعتصام بالكتاب والسنة، وهذه بعض الخطوات المطلوبة:
1- تجديد التوبة،
وصدق الالتجاء إلى الله، والاجتهاد في الاستقامة على شرع الله واجتناب المعاصي
والابتعاد عما حرم الله.
2 - تحقيق الأخوة
الإيمانية وتأكيد الرابطة الإسلامية بنصرة إخواننا المجاهدين في فلسطين، عن طريق
بذل المال وتقديم الإغاثة لهم بكل الوسائل والإمكانات المتاحة، ومشاركتهم شعوريًا
وعاطفيًا باستشعار مصابهم وآلامهم، علمًا بأن إخواننا من أهل السنة في لبنان
أصابهم بلاء كثير، وحصل لهم تهجير كبير، وهم موجودون في مزارع شبعا الحدودية وبعض
قرى الجنوب، ومدينتا صيدا وصور هما عمق سني لشمال لبنان.
3 - التوعية
بالحقائق الإيمانية والمبادئ الإسلامية في مواجهة الأعداء ومجابهة الخطوب وتوضيح
المعاني الشرعية الصحيحة للمفاهيم الإسلامية المهمة كالجهاد والولاء والبراء،
وتعزيزها في ضوء النصوص الشرعية والأحداث الواقعية وحقيقة الصراع بين الحق
والباطل، مع التحذير من التخذيل واختلاط المفاهيم.
4- التخفف من
الدنيا وتجنب الركون إليها والبعد عن الاستكثار من المباحات والانشغال بالكماليات،
والاعتبار بما جرى لإخواننا من الدمار والعدوان، وتهيئة النفوس لحياة الجد والعزم،
واستنهاض الهمم لعيش العزة والكرامة، وتحديث النفس بالدفاع عن الإسلام والمسلمين
وصد عدوان المعتدين.
5 - العمل على
إحياء المقاطعة الاقتصادية للبضائع والخدمات والمصالح التجارية للكيان الصهيوني
وأمريكا الداعمة له، والتنبيه على أهمية ذلك وجدواه كسلاح من أسلحة المقاومة ضد
العدو.
6 - استحضار ضراوة
المعركة وخطورة المؤامرة التي يجتمع فيها العدو الصهيوني مع دعم مطلق من أمريكا،
وتآزر مباشر وغير مباشر من بعض دول أوروبا، وأهمية إدراك استهداف مكامن القوة
والعزة عند المسلمين، والعمل على تفريق صفهم وتفتيت وحدتهم والاستفراد بهم كلًا
على حدة على مستوى الدول والشعوب، وضرورة تفويت الفرصة على الأعداء بالوحدة
والنصرة حتى لا يأتي يوم يقال فيه: «أكلت
يوم أكل الثور الأبيض».
الابتهال..
7 - الابتهال إلى
الله تعالى، والقنوت في الصلوات، والتضرع في الخلوات، وتحري أوقات الإجابة في جوف
الليل والأسحار بأن يعز الله الإسلام والمسلمين ويحبط كيد الأعداء المجرمين.
8 - قيام علماء
الإسلام ودعاته ومفكريه بواجبهم في إيقاظ الأمة وتنبيهها للمخاطر، وتقوية عزيمتها،
وحفظ إرادتها من أسباب الوهن والإحباط والاستسلام، وكشف طرائق وأخطار الذين يسعون
في جعلها تابعة ذليلة خانعة، ومن أوجب واجباتهم وضع التصورات والخطط وبرامج
الأعمال التي تستهدف نهضة الأمة ووحدتها، ورفع معنوياتها، وزيادة فاعليتها ورسم
مستقبلها، وحفظ حقوق أجيالها، وعدم الاكتفاء بإلقاء التبعة في ذلك على الحكومات.
والله نسأل أن يلم
شمل المسلمين ويوحد صفهم ويزيد قوتهم، وأن يدحر
أعداءهم من اليهود
وحلفائهم، وأن يكتب العاقبة للمؤمنين، ويجعل الدائرة على
الكافرين.
(*) المشرف العام على موقع إسلاميات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل