العنوان وفي رمضان « ليلة القدر» وانتصار «بدر»
الكاتب جابر قميحة
تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1966
نشر في الصفحة 34
السبت 20-أغسطس-2011
- إحدى الليالي الوتر في العشر الأواخر .. وحكمة إخفائها أن يجتهد المسلمون في العمل والعبادة في هذه الليالي
- العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر
- غزوة بدر» نقطة مضيئة في حياة البشرية جمعاء لأنها انتصار قيم إنسانية عليا على أخلاقيات منحدرة
- الإيمان الراسخ والقيادة الحكيمة وحسن التدريب.. أهم عوامل النصر
سميت ليلة القدر بهذا الاسم لعدة أسباب، منها : أي ليلة التقدير أي الحكم.. ليلة العظمة والشرف فللطاعات فيها قدر عظيم وثواب جليل.. ليلة نزل فيها كتاب ذو قدر على رسول ذي قدر على أمة ذات قدر.. ليلة ينزل فيها ملائكة ذوو قدر ومكانة.. ليلة يُنزل الله فيها الخير والبركة والمغفرة.
وليله القدر خير من ألف شهر، ففيها :
- يقسم الخير الكثير الذي يوجد مثله في ألف شهر.
- العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
- تنزل الملائكة والروح فيها : تهبط من كل سماء، ومن سدرة المنتهى فينزلون إلى الأرض، ويؤمنون دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر.
الروح
- جبريل.
- أشرف الملائكة وأقربهم إلى الله تعالى.
- صنف من الملائكة جعلوا حفظة على سائرهم.
الرحمة ينزل بها جبريل على أهلها .
من كل أمر: أي بكل أمر قدره الله وقضاه بتلك السنة إلى العام المقبل.
سلام هي:
- خير.
- لا يقدر الله فيها إلا السلامة، وفي غيرها يقضي بالبلايا.
-ليلة سالمة من الشيطان؛ فهي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن أو مؤمنة أو أن يعمل فيها سوءا أو أذى ليلة تسليم يسلم فيها الملائكة على أهل المساجد .
تعيين الليلة: هي في العشر الأواخر من رمضان في الوتر منها، وحكمة سترها وإخفائها أن يجتهد المسلمون في العمل والعبادة في هذه الليالي طمعا في إدراكها .
أحاديث في فضلها
من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
- إن الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتى يضيء فجرها، ولا يستطيع أن يصيب أحداً بخبل ولا شيء من الفساد، ولا ينفذ فيها سحر ساحر.
وعقد ابن القيم في كتابه «القيم زاد المعاد» (۱ / ۱۲) فصلا للتفضيل بين ليلة الإسراء وليلة القدر، فقال: «إن شهر رمضان مفضل على سائر الشهور، وعشره الأخيرة مفضلة على سائر الليالي وليلة القدر مفضلة على ألف شهر، والليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة، وأيام عشرة ذي الحجة أفضل من أيام عشرة رمضان يدل عليه أن ليالي العشر من رمضان إنما فضلت باعتبار ليلة القدر وهي من الليالي.. وعشرة ذي الحجة إنما فضلت باعتبار أيامه؛ إذ فيه يوم النحر ويوم عرفة ويوم التروية».
وسئل ابن تيمية عن الليلتين فأجاب: « إن القول بأن ليلة الإسراء ونظائرها من كل عام أفضل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ليلة القدر بحيث يكون قيامها والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر؛ فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين».
وليلة الإسراء لم يقم دليل قاطع على شهرها ويومها . ليس في السنة ما يخصها بعبادة أو صيام وقيام.
- وعكس ذلك في حق ليلة القدر بالقرآن والسنة.
وقال بعض الناس: إن ليلة الإسراء في حق النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر وليلة القدر بالنسبة للأمة أفضل من ليلة الإسراء.
تهبط فيها الملائكة من كل سماء إلى الأرض ويؤمنون دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر
لا يقدر الله فيها إلا السلامة وفي غيرها يقضي بالبلايا
غزوة بدر
ويشدنا انتصار المسلمين في بدر الكبرى فقد كانت معركة بدر صباح يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من العام الثاني للهجرة، ويمثل انتصار المسلمين في هذه المعركة نقطة مضيئة لا في حياة المسلمين فحسب ولكن في حياة البشرية جمعاء؛ لأنها لم تكن مجرد انتصار جيش على جيش بل انتصار قيم إنسانية عليا على أخلاقيات منحدرة، وطوابع نفسية وعقلية متعفنة مهترئة.
عوامل النصر
وكثيرة هي الأسباب التي أدت إلى انتصار المسلمين في هذه المعركة، منها : حسن تدريب المسلمين، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمئات منهم وخصوصا المهاجرين في عدد من السرايا فكان تدريبهم ميدانياً عملياً مثمراً، وكان ذلك قبل بدر، ومنها القيادة الحكيمة وهي قيادة الرسول الذي كان يستشير أصحابه وجنوده مع أنه نبي يوحى إليه، حتى أنه ألغى قرارا له، وأخذ برأي أحد جنوده وهو الحباب بن المنذر، ثم إن الحب الصادق العميق كان هو الآصرة القوية التي تربط بين هذه القيادة الرشيدة الهادية والجنود المقاتلين في سبيل الله.
وفي مقابل ذلك، كان قائد جيش الكفار - وهو أبو جهل - يتسم بالطيش والحماقة والاستبداد بالرأي فرفض في عنجهية وتكبر. رأي علية قومه بالرجوع إلى مكة وحقن الدماء. وأهم عوامل النصر: عقيدة الإيمان الراسخ في قلوب المسلمين وحرصهم على الفداء والشهادة.
نزول الملائكة
وفي السطور التالية، أفصل الكلام بعض الشيء عن عامل غيبي نص عليه القرآن وأعني به نزول الملائكة واشتراكهم في القتال، قال ابن هشام في السيرة النبوية: « ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عدداً ومدداً، لا يضربون». أي أن مهمتهم في غير بدر من معارك المسلمين كانت مهمة نفسية روحية تكاد تنحصر في الشحن المعنوي والروحي.
وفي الأثر الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه نعاس خفيف قبيل المعركة وهو في العريشة أي غرفة القيادة بالتعبير الحديث ثم انتبه، فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع أي على طوايا ملابسه غبار الحرب».
وفي سورة الأنفال، يقول تعالى: ﴿إذ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9﴾، ويقول تعالى: ﴿ إذ يُوحِي رَبِّكَ إلى الملائكة أنِّي مَعَكُمْ فَتَبْتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سألقي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُل بَنان (12)﴾(الأنفال).
دروس مستفادة
ولنا من هاتين الآيتين استخلاصات تتلخص فيما يأتي:
1- أن الله سبحانه وتعالى لم يمد المسلمين بالملائكة إلا بعد أن استغاثوه ودعوه أن ينصرهم، ونأخذ من ذلك أن على المسلم أن يتجه إلى ربه دائما بالدعاء، وخصوصا أوقات الكربات والأزمات، وهو القائل: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠)
2- أن اشتراك الملائكة في القتال لا يلغي دور المسلمين فيه، فهم أصحاب الدور الرئيس فيه بدليل التعبير عنهم بأنهم «مدد» للتثبيت، ثم المساعدة في القتال الفعلي وبدليل توجيه الأوامر بعد ذلك للمسلمين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (الأنفال).
3- أن مصدر قوة الملائكة وقدرتهم الخارقة لا يرجع إلى فردية ذاتية، ولكن يرجع إلى قدرة الله وتأييده، أي يرجع إلى قاعدة «أني معكم»، فالإيحاء للملائكة بذلك يمنحهم القوة الخارقة لتثبيت الذين آمنوا ثم يكون إلقاء الرعب في قلوب الكفار عملا إلهيا يسهل مهمة الملائكة في الضرب فوق الأعناق وضرب كل بنان.
قاعدة إلهية
ومن ذلك نتعلم أن من أدب الإسلام أن نسند الأمور في أصولها إلى الله سبحانه وتعالى، فالخلق جميعا - سواء أكانوا ملائكة أم بشرا - ما هم إلا وسائل، نعم وسائل تعدم قدرتها، وتفقد إمكاناتها، إذا تخلت عنها القاعدة التي أشرنا إليها، قاعدة «أني معكم»، وما أصدق قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رمى ﴾ (الأنفال: ۱۷).
إنكار الغيب
ولكن أحد أساتذة الفلسفة يعلن - في إحدى القنوات الفضائية - أنه يعتبر هذه القوة الغيبية خرافة، وأن الإيمان بها تخلف... ومما قاله بالحرف الواحد : «إننا نعيش في العالم العربي الذي تروج فيه الخرافة، إنه شيء من أعجب ما يمكن الجندي المصري من عام ١٩٦٧ إلى عام ۱۹۷۳م في الخنادق يتدرب ويعاني ويقاسي، ويعبر إلى سيناء، ويحتل ٢٥ كيلو مترا بقوة وعظمة، ثم يزعمون أن الملائكة كانت معه.. يعني لابد أن تأتوا له بقوة غيبية معه، فتقولوا هي من حاربت.. إنه تفكير خرافي كان أسرع من التفكير العقلاني».
ونبه الدكتور إلى أن الإيمان بالغيب يعد ثابتة من ثوابت ومنه الملائكة ديننا. فمن صفات المتقين أنهم ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَلَمَّا رَزَقْنَاهُمْ ينفقون (۳) ﴾ (البقرة)، وقال تعالى: ﴿آمن الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلَّ آمَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُله وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ (٢٨٥) ﴾ (البقرة).
وأقول للسيد الدكتور المحترم إن تأييد الملائكة للمؤمنين في أي عصر، لا يسلب هؤلاء المؤمنين قوتهم وعظمتهم، وهذا ما قلناه في السطور السابقة، ولا شك أن شعور الجندي المؤمن بأن «هناك قوة غيبية فوقية تؤيده وتثبته»، ستدفعه إلى القتال باستماتة حتى يحقق النصر، أو الشهادة.
قوة غيبية
فانطلق على هذه القوة الغيبية «الملائكة» أو «روح الله» على حد قوله تعالى عن المؤمنين الذين يقدمون العقيدة على الأهل والولد والعشيرة: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أَوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مَنْهُ ويدخلهم جنات تجري من ﴾﴿تحتها الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أَوْلَئِكَ حِزْبُ الله أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾(المجادلة).
وهذه القوة الغيبية الفوقية تأخذ خطها المخالف، أو المناقض لما تعارف عليه الناس، واطرد في أنظارهم حتى اعتقدوا أنه «قانون لا يغلب»، وفي هذا المعنى، يقول تعالى مخاطباً الكفار : ﴿ولن تغني عنكم فتتكم شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) ﴾ (الأنفال)، وعلى لسان الفئة المؤمنة يقول تعالى: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللهِ وَاللَّهُ مَعَ الصابرين (٢٤)﴾ (البقرة) .