; وفاة الأخضر بن طوبال.. آخر أعمدة ثورة التحرير الجزائرية ومستودع أسرارها بعد شهرين من هلاك مهندس التعذيب الجنرال الفرنسي « مارسيل بيجار | مجلة المجتمع

العنوان وفاة الأخضر بن طوبال.. آخر أعمدة ثورة التحرير الجزائرية ومستودع أسرارها بعد شهرين من هلاك مهندس التعذيب الجنرال الفرنسي « مارسيل بيجار

الكاتب غنية قمراوي

تاريخ النشر السبت 04-سبتمبر-2010

مشاهدات 116

نشر في العدد 1918

نشر في الصفحة 24

السبت 04-سبتمبر-2010

  • تم تعيينه عضوا بالمجلس الوطني للثورة.. وعند تأسيس الحكومة المؤقتة شغل منصب وزير الداخلية واحتفظ به لثلاثة تشكيلات
  • من أوائل مفجري ثورة التحرير وأشرف على عملياتها الأولى... وأحد أبرز مؤسسي جهاز المخابرات خلال فترة الثورة
  • مطالب ملحة بكشف النقاب عن مذكرات أبقاها طي الكتمان إلى ما بعد رحيله.. لمعرفة المجهول من تاريخ الثورة

عن عمر يناهز ٨٧ عامًا، تُوفي يوم السبت الحادي عشر من رمضان ١٤٣١هـ ( ٢١) أغسطس (۲۰۱۰م) «الخضر بن طوبال»، الشهير بـ سي عبد الله ؛ آخر أعمدة ثورة التحرير الجزائرية وعلبة أسرارها، بعد سنوات من كتابة مذكراته التي لم تر النور بسبب حرصه الشديد على عدم كشف الحجاب عنها إلا بعد وفاته.

وتشاء الأقدار أن يرحل «سي عبدالله» - أو «سليمان بن طوبال اسمه الحقيقي - آخر قلعة لثورة نوفمبر ١٩٥٤ م بعد شهرين فقط من هلاك السفاح الذي أذاق الجزائريين كل فنون التعذيب إبان الاستعمار الفرنسي، الجنرال مارسيل بيجار في الـ (٩٤) من عمره.

الباءات الثلاث

وقد برز اسم المناضل العقيد الخضر بن طوبال باكرا بين أوائل مفجري ثورة التحرير، وشكل، إلى جانب الراحلين كريم بلقاسم» و«عبد الحفيظ بوالصوف، ثلاثيا عرف بالباءات الثلاث نسبة إلى الحرف الأول من لقب كل منهم بن طوبال بلقاسم بوالصوف.

وبغياب بن طوبال تغيب آخر «باء» من تلك المعادلة الصعبة التي حددت مصير الثورة في الكثير من مفاصلها ومنعرجاتها.

وكان بن طوبال عضوًا بارزًا في الحكومة المؤقتة، وشغل منذ البداية منصب وزير الداخلية قبل أن يتقلد مناصب أخرى في الحكومة طيلة الفترة التي أعقبت الاستقلال.

وكان أيضًا ضمن أبرز مؤسسي المخابرات الجزائرية خلال فترة ثورة التحرير، كما كان أقرب العقداء إلى قائد الجهاز آنذاك العقيد عبد الحفيظ بوالصوف».

مجموعة الـ (٢٢)

و «بن طوبال من مواليد عام ١٩٢٣م بمدينة «ميلة» شرقي الجزائر، غير بعيد عن جبال الأوراس» التي انفجرت منها ثورة التحرير، وانخرط في صفوف حزب الشعب» أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم انضم إلى المنظمة الخاصة وأشرف على تنظيم الخلايا العسكرية بالشمال القسنطيني.

وبعد اكتشاف أمر المنظمة الخاصة لجأ إلى جبال الأوراس بعيدًا عن مطاردات الشرطة الفرنسية، وهناك تعرف على قياديين في حركة انتصار الحريات الديمقراطية، من أمثال: مصطفى بن بولعيد»، و«رابح بيطاط». و عمار بن عودة»، وغيرهم.. وكان عضوا في مجموعة الـ (۲۲).

وعند اندلاع الثورة، أشرف على العمليات الأولى بنواحي «جيجل» و«الميلية»، كما كان من بين المؤطرين لهجمات ٢٠ أغسطس ١٩٥٥م برفقة الشهيد زيغود يوسف»، وشارك ضمن وفد المنطقة الثانية في مؤتمر الصومام».

مسألة مثيرة للجدل

عين بن طوبال» عضوًا إضافيًا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، وخلف زيغود يوسف على رأس الولاية الثانية، ثم التحق بتونس عام ١٩٥٧م.

وفي أغسطس ١٩٥٧م، تم تعيينه عضوًا في لجنة التنسيق والتنفيذ، وعند تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عين وزيرا للداخلية، وحافظ على منصبه في التشكيلات الثلاث، كما شارك في المفاوضات مع السلطات الفرنسية في «لي روس» وفي إيفيان».

ويُذكر أن المناضل بن طوبال» بعد استتباب الحكم بعد الاستقلال انعزل انعزالًا تامًا عن الحياة السياسية للبلاد، وظل بعيدًا عن التغيرات والتأثرات، مع أن مسألة كبيرة ارتبطت باسمه في ثورة التحرير، وظلت النقطة الأبرز التي دار حولها الجدل في شخصيته وهي دوره في تصفية المناضل عبان رمضان رفقة عبد الحفيظ بوالصوف»، والتي ما زالت تثير الجدل إلى يومنا هذا، ولم تجد من يرد فيها بالجواب الشافي أو يحسم الجدل، وقد تكون المذكرات المكتوبة المنتظر نشرها مناسبة للكشف عن تفاصيل ذلك الاغتيال ومبرراته من منظور الثورة.

مذكرات شخصية

رحل بن طوبال وترك مذكراته التي قد تفجر قنبلة في موضوع الثورة خاصة أنه عمد إلى تأجيل الجدل فيها إلى ما بعد وفاته، وطالبت الشخصيات التاريخية ووزارة المجاهدين الجزائرية - عند تقديم العزاء لأهله وذويه - بالإسراع في تحرير تلك المذكرات التي أصبحت ملكا لأجيال بعد الاستقلال المعرفة شيء من تاريخ الثورة، فقد حافظ الرجل - مثل كثير من صناع تاريخ الجزائر - على غموضه إلى آخر لحظة.

كان هذا أجل لخضر بن طوبال»، أو آخر الباءات الثلاث، الذي صنع مع رفقاء السلاح ثورة حررت شعبا من نير استعمار استعبد العباد والبلاد على مدى قرن وأكثر من ربع قرن من الزمن.

وقبل رحيل «بن طوبال» بشهرين - في ١٨ يونيو ۲۰۱۰م - كان موعد الجنرال مارسيل بيجار مع الموت، وهو أحد أبرز ضباط الجيش الفرنسي أثناء حرب الاستقلال في الجزائر.

كان بيجار يقود فوج المظليين الاستعماريين الثالث في حرب التحرير الجزائرية، وأشرف أثناءها على معركة الجزائر العاصمة عام ١٩٥٧م ضد مجاهدي جبهة وجيش التحرير الوطني.

وتم تكليفه في نهاية عام ١٩٥٦م بالقضاء على معركة الجزائر، وأشرف على قيادة الحرب النفسية ضد خلايا الفدائيين في العاصمة إذ أدى دورا كبيرا في ممارسة التعذيب ضد المناضلين والفدائيين في تلك المعركة حيث استباح كل الممارسات القمعية والبوليسية لتحقيق أهدافه العسكرية حتى اقترن ذكر اسمه بالممارسات الوحشية ومظاهر التعذيب أثناء الثورة التحريرية.

وفي عام ٢٠٠٠م اتهمته المناضلة الجزائرية لويزات إيجيل أحريز»، التي كافحت من أجل الاستقلال، بأنه أمر بتعذيبها لكنه نفى ذلك، معترفا في الوقت نفسه بأن التعذيب شر لا بد منه».

وقالت «أحريز» عقب إعلان وفاة الجنرال الفرنسي: إنه كان من الأحرى ب بيجار» أن يتقدم بالاعتذار للشعب الجزائري، وأن يريح ضميره قبل وفاته»، مضيفة بأنها حتى اللحظة الأخيرة، كنت أعتقد أنه سيعترف بأفعاله ويطلب الصفح من الجزائريين.

وأكدت المناضلة أن اسم «بيجار» في الجزائر هو مرادف للموت والتعذيب، متمنية أن ينال العقاب الذي يستحقه.

قدر محتوم

وانتشرت أثناء الاستعمار الفرنسي للجزائر أساليب تعذيب متعددة استخدمتها أفواج من المظليين الفرنسيين بشكل خاص بينها: الإغراق واستخدام أسلوب الصدم الكهربائي عند الأعضاء التناسلية، واقتلاع الأظافر بالكماشة والضرب المبرح، والتنويم فوق ألواح المسامير، وغيرها.. كما لم تسلم النساء من أساليب أخرى من التعذيب كيفها المستعمر بحسب بنائهن الجسدي!

وحمل بيجار»، والجنرال «جاك ماسو» الذي كان يقود فرقة المظليين العاشرة مسؤولية هذه الأحداث التي انتقدها العديد من المثقفين الفرنسيين، ونادرا ما يتعرّض لها العسكريون ولا تزال تشكل إلى الآن وصمة العار في جبين فرنسا كلما فتح ملف التعذيب للنقاش.

وهكذا، يكون بن طوبال» قد التقي بيجار» في قدر محتوم، انتهى بموجبه أجل كل منهما بعد ٤٨ عاما من انتهاء المعارك، وبعد أن ترصد كل منهما الآخر في أرض الوغى.. تحقق للأول بفضل الله ما سعى ومعه باقي الشعب، ونالت الجزائر استقلالها، وتحررت البلاد من أبغض استعمار على وجه الأرض واندحر الثاني، وخسر السفاح أم المعارك ومعها أعز مستعمرة على قلب فرنسا..

الرابط المختصر :