; وفاء للفقيه المجاهد | مجلة المجتمع

العنوان وفاء للفقيه المجاهد

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر السبت 02-ديسمبر-2006

مشاهدات 75

نشر في العدد 1729

نشر في الصفحة 37

السبت 02-ديسمبر-2006

﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23)

تسلم الفقيه المجاهد محمد عبد الله عبد الرحمن خليفة – يرحمه الله – الراية من الشيخ المجاهد عبد اللطيف أبو قورة – يرحمه الله – الذي كان أحد جنود جماعة الإخوان المسلمين الذين اتخذوا شعارًا عبارة عن مصحف وسيفين، مصحف مبارك رحمة للعالمين فيه سكينة ورفق وهدى ولين ورقة على كل من أصاخ للحق وألقى السمع للخير، كتاب الرحمن الرحيم.

وسيفان أحدهما على الطغيان والتجبر والعلو في الأرض وعلى غاصبي الحريات الذين يحولون بين الناس وبين الحق والخير.

والآخر على كل مغتصب محتل لأرض رفرفت عليها راية الإسلام والهدى في يوم من الأيام، وفي مقدمتها فلسطين المباركة، حمل الراية، أبو ماجد، يرحمه الله شابًّا، في نفسه همة عالية. وفي عزمه مضاء وقوة وفي عينيه بريق وضاء ومعنى، وفي قلبه ثبات يقين، وفي خلقه رحمة وتواضع.

فيه هيبة القائد التي تأخذك فور رؤيته، ثم لا يلبث أن يفيض عليك بحنوه وتواضعه ومحبته ولينه، حمل الراية ولم يلتفت عن منهج خالد، وعلي، ومحمد الفاتح. رضي الله عنهم جميعًا – ولم يعبأ بعقبات الطريق وطول مسافة السفر، وقلة الزاد وكثرة الصعاب. 

فتى البلقاء 

من هذا الفتى المتعلق بالغايات العظام الأهداف الكبار في ظل الهزيمة والاستسلام – لملك الصفة الطاغية يومئذ إلا من أنجاهم الله من ذوي الهمم العالية.

إنه فتى البلقاء التي قال عنها رسول الله ﷺ «حوضي بين حضرموت وعمان البلقاء».

البلقاء باركها الله، فأخرجت في الوقت الصعب رجالًا عظامًا، وقادة كان في مقدمتهم - الشاب «محمد عبد الرحمن خليفة»، فهم رسالته وغايته، وعلمها إخوانه، وبث فيهم الأمل، وأحيا قيمة الجد والعمل والتضحية والإخلاص، وعلمهم أن خدمة الأوطان وبناءها وعمارتها هي رسالة المسلم وهدي النبي ﷺ، كما أيقن أن إغاثة الملهوف، ونصرة المسلم من أوجب الواجبات الشرعية، فكان – يرحمه الله – جنديًّا في كتائب الإخوان التي استماتت في الدفاع عن فلسطين العزيزة وشهد إحداها تنطلق من شرق الأردن يومذاك بقيادة سلفه الحاج أبو قورة.

جهاده السياسي

ولم تقعده خسارة الجولة في فلسطين وتخاذل الأصدقاء وثقافة اليأس، واللهاث وراء أعطيات الصهاينة، ووعودهم الكاذبة، فكان رائد فكرة المؤتمر الإسلامي لإنقاذ بيت المقدس، وكان يجوب فلسطين والأردن شرقًا وغربًا في زيارات متواصلة لإخوانه، ولقادة الرأي، والصمود وراء التحرير في الداخل والخارج حتى إذا سنحت فرصة للجهاد استغلها فأقام قواعد الشيوخ مع إخوانه بعد هزيمة يونيو ١٩٦٧م.

تصدى لفتنة أيلول/سبتمبر وانعكاساتها الاجتماعية التي كادت تعصف بالمجتمع لولا عالمية هذه الدعوة المباركة.

ولما عصفت فتنة الحرب العراقية الإيرانية ترأس وفدًا من قادة الحركات الإسلامية والقيادات الوطنية الصادقة وحاول جهده توفير جهد الأمة وقوتها بإطفاء نار تلك الحرب التي كانت تستهدف تدمير عمق الأمة الإسلامية في وقت مبكر، لكن الفتنة كانت أكبر وأعظم، والمؤامرة أعمق، ورجع هو وإخوانه والألم يعتصرهم، وكان ما كان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

من هنا، فإنك تجد هذا الرجل الذي التزم الزهد والتجرد منهجًا، عفيف النفس، طاهر اليد، يفعل أكثر ما يقول، يعطي ولا يأخذ يحسن إلى من يسيء إليه يرى النصر خلف ذاك الوادي القريب.

لم يصرفه السجن، وتكرار الاعتقال والإيذاء عن منهجه الإصلاحي المستقر، ولم يخرجه عن طوره وسمته وخلقه.

قال له أحد رؤساء الوزارات الذي سجنه في الجفر وبعض إخوانه والله لن تخرج وأنا حي فقال له: الحياة بيد الله، فمات الرئيس وخرج الإخوان من السجن.

شهد له خصومه وأصدقاؤه في حياته وبعد مماته – رحمه الله – استمعت إلى أحدهم قبل عدة سنوات في ندوة عامة مفتوحة من غير الإسلاميين يقول أمام الملأ: حفظ الأردن بعد الله في مسيرته التاريخية في العصر الحديث رجلان أولهما: جلالة الملك حسين بن طلال، ثم صمت، وانتظرت وانتظر السامعون اسم الرجل الثاني فقطع صمتنا بقوله: والثاني هو محمد عبد الرحمن خليفة.

رحمك الله قائدنا وأستاذنا ومعلمنا أبا ماجد، وتقبلك في الصالحين، كنت قائدًا وسياسيًّا ولسانًا فصيحًا، وسيفًا للحق مشرعًا ومحاورًا ناجحًا، وزيادة على ذلك كنت فقيهًا، وأشهد شخصيًا على حادثة أخرى تدلل على فقهك، وتؤكد أن من يتقي الله يجعل له مخرجًا ويعلمه الله. 

وأخيرًا، فإن كان الله تعالى قد اختار شيخنا وأستاذنا – يرحمه الله – إلى جواره، فقد أسس الفقيد مدرسة كبيرة فيها من المنتظمين والمنتسبين والمحبين من يواصل المسيرة المباركة حتى تتحقق أهداف أمتنا الكبرى، ويرضى الله عنه وعنا.

نعم، لقد ترك فراغًا كبيرًا، ومسؤوليات جسامًا، لكن في خلفه الخير، حفظ الله هذا البيت مصنعًا للرجال، ومنبعًا للخير، وعسى أن تقر عينك بأهلك وأبنائك وإخوانك والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1633

76

السبت 01-يناير-2005

"شمس الوفاء"